on
Archived: منير درويش: الديمقراطية التمثيلية، البرلمانات نموذجاً
منير درويش: كلنا شركاء
عندما صرخ الكونت دي ميرابو 1749 – 1791 صرخته التاريخية في البرلمان الفرنسي أمام جنود الملك لويس السادس عشر الذين جاءوا لإخراج النواب المعتصمين داخل البرلمان قائلاً ” نحن هنا بإرادة الشعب ( أو بأوامر الشعب في بعض المصادر )ولن نخرج إلا على أسنة الرماح ” ، لم يقل ” نحن هنا ممثلين للشعب ” بل بإرادته أو أوامره . رغم أن البرلمان الفرنسي كان سداً منيعاً في وجه سياسات الملك .
تعتبر قضية التمثيل السياسي للشعوب من أعقد القضايا التي تواجهها المؤسسات التمثيلية منذ أن حلت محل التصويت المباشر لتجمع المواطنين في الحضارات القديمة الذين كانوا يجتمعون ليقرروا أمورهم السياسية . لقد أخذت هذه المؤسسات تدعي أنها ممثلة للشعب ورغباته ومطالبه دون أن يكون هذا الادعاء صائباً دوماً نظراً لاختلاف هذه الرغبات والمطالب والتوجهات . ومع ذلك فإن وجود البرلمانات كمؤسسات ديمقراطية في البلدان المتقدمة أعطى مفهوم التمثيل معناً آخر في اعتمادها على أصوات الناخبين وصناديق الاقتراع وفق قوانين محددة ونسب المشاركة عندما تكون الانتخابات نزيهة وشفافة ، وهي غير الصيغة التي فرضتها الثورة البلشفية في الاتحاد السوفييتي السابق بتبني سياسة الحزب الواحد ممثلاً بأمينه العام الذي جعل من نفسه الممثل الشرعي والوحيد ليس للطبقة التي ادعى تمثيلها بل لمختلف فئات الشعب ، وعلى نهجه سارت سياسات منظومة الدول الاشتراكية وبلدان ما سميت بدول العالم الثالث والأحزاب التي نشأت فيها واعتبرت نفسها الطليعة الواعية من الطبقة والشعب وأعلى شكل من أشكال تنظيمها الثوري ن بينما في الواقع كان لها دور كبير في إجهاض كل ملامح الديمقراطية ليحل محلها الاستبداد والديكتاتورية .
حتى ألآن لا نعتقد أننا نعثر على مؤسسات تمثيلية ديمقراطية يمكن أن تحل محل البرلمانات في إدارة سياسات الدول التي اعتمدتها أو البلدان التي تفتقدها مهما حملت من أخطاء ومثالب . وإذا كان من حق أبناء الدول التي اعتمدتها و بحكم ممارستهم لهذه النماذج من نقد أدائها أو بيان مثالبها على ضوء تجاربهم ، فإنه من غير المعقول أن يوجه هذا النقد من قبل أناس لم يعرفوا هذه النماذج أو ينعموا بالحرية في ظلها .
عرف الياس مرقص البرلمانات بأنها هيئات وطنية تمثيلية تمثل أعلى سلطة ، فهي التي تسن القوانين وتسهر على تطبيقها وتخضع لها بقية السلطات رغم أنها منفصلة عنها .
لقد ارتبط نشوء البرلمانات وانتصارها ارتباطاً وثيقاً بظهور الأمم وسيادتها ، فالبرلمان يمثل الأمة وفق مرقص ، وسيادته هي سيادة الأمة بعد أن حل محل سيادة الملوك والحق الإلهي .
ورغم أن الياس انتقد في مقالته التي نشرها في كتيب ” في الفكر السياسي ” شباط 1963 ، أداء البرلمانات الغربية ( وبورجوازيتها ) بسبب خدمتها لمصالح الرأسمالية النامية والمهيمنة في المجتمعات الغربية المتقدمة من جهة والبرلمانات التي نشأت في الدول الأخرى وتدخلت في اختيارها عوامل عدة حسب ما ذكر ، إلا أن نقده الذي جاء من منطق (طبقي ) كان سائداً وقتها لم يخرجها من سياقها الديمقراطي الحقيقي الذي مثلته لو لا أنه فضل عليها ( الديمقراطية الثورية ) أو ( النظام الديمقراطي الثوري الذي اعتمد على الجيش وضباطه الأحرار بالنسبة لمصر أو على نظام الحزب الواحد والدور الذي لعبه هذا الحزب كنظام أرقى من البرلمان التقليدي للديمقراطية ). وذلك بمناسبة حديثه عن الجزائر ( الثورية ) المستقلة حديثاً والتي أنتجت مجلساً ثورياً تمثيلياً مركزياً ، ” نظام الحزب الواحد والدور الذي يلعبه وطريقة الترشيح للمجلس المذكور تعني بشكل واضح أننا لا نواجه في التجربة الجزائرية نظاماً برلمانياً إنما نواجه نظاماً أرقى يشكل المجلس التمثيلي إحدى وسائله الأساسية (ص 173 )، ( بالطبع عندما صدر كتاب ” في الفكر السياسي ” هذا لم تكن حركتي شباط في العراق و8آذار في سورية قد قامتا ) ” هذا الوصف للديمقراطية الذي ساد في ستينات وسبعينات القرن الماضي كان كارثياً على العمل السياسي والحركة السياسية وحركة الشعب إذ أدى إلى إجهاض الملامح الديمقراطية التي طبعت العمل السياسي وأنظمة الحكم في الفترة التي تلت استقلال عدد من الدول في العالم الثالث ومنها بعض البلدان العربية قبل أن تجهضها الانقلابات العسكرية وتخضعها للحكم الاستبدادي الديكتاتوري . وكان الياس مرقص من أوائل الذين هاجموا هذه النماذج وتمردوا عليها بعد أن أدرك بوعيه مخاطرها على الحياة السياسية ، فهو القائل فيما بعد ” إن أسوأ أنواع الديمقراطية هي الديمقراطية الشعبية وأنظمة الحزب الواحد ” .
إن الدول المتقدمة التي بنت سياستها على مبدأ الديمقراطية وحقوق الإنسان هي وحدها التي عززت المفاهيم التي قامت على التمثيل الشامل ، والديمقراطية التي مثلتها البرلمانات وعززت مكانتها كقوة قادرة على التحدث باسم الأغلبية شئنا ذلك أم لا ،على غير الدول والبلدان التي اختارت النموذج الذي فرضته التجربة السوفييتية عندما صرف لينين البرلمان المنتخب في 5 كانون ثاني 1918 بعد الثورة البلشفية وأصدر ما عرف بقانون التصويت العام لجميع الناخبين الذين اقتصروا على ( الشغيلة ) بينما حرم منها بقية فئات الشعب فانعدمت المساواة وعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثورة عندما كانت( الشغيلة ) هي المحرومة من المشاركة بالحكم . بينما أهمل ( الثوريون ) في تلك البلدان التوجهات الديمقراطية التي تبناها (المرتدون ) بنظرنا آنذاك من زعماء الأممية الثانية أمثال كاوتسكي التي كانت ترى في البرلمانية كسب اجتماعي ذو قيمة مطلقة وشكل لتنظيم المجتمع لا غنى عنه في سير الإنسانية نحو مستقبل أفضل ، وأن الديمقراطية التي هي قانون الأكثرية البرلمانية الممثلة لأكثرية الشعب هي الحاكم الأعلى والملك الجديد .
أما في الدول العربية التي استقلت عن الاستعمار الغربي كالعراق وسورية ومصر والأردن ولبنان وبعض بلدان المغرب العربي وسادت فيها بعض الملامح ديمقراطية برلمانية متقدمة إلى حد ما قبل أن تجهضها الانقلابات العسكرية منذ عام 1958 وسادت محلها مجالس شعبية بتقسيمات طبقية مقسمة بين فئة العمال والفلاحين من جهة وباقي فئات الشعب من جهة أخرى بينما لا توجد حدود طبقية فاصلة كطبقات مكونة في هذه المجتمعات وهي أقرب للنموذج اللينيني إلى حد ما .
بالطبع نحن هنا لسنا في مجال المقارنة بين التجارب لينين وكاوتسكي أو تجارب الآخرين حول مفاهيم الديمقراطية ، لكن ما نريد أن نقول . إننا بحاجة لإعادة النظر بكل النظريات التي أغفلت قضايا الديمقراطية لصالح أي نموذج آخر سياسي أو اقتصادي إذ لا يمكن لهذه النماذج أن تنجح بغياب الديمقراطية أو تزييفها .
يجب أن ندرك أن لا احد يمثل الشعب في ظل المؤسسات التي أنشأت حتى الآن مهما ادعى أصحابها من شرعية ووحدانية ، فالبعض يستطيع أن يدعي أنه يمثل رغبات الشعب أو بعض فئاته ومطالبهم لكننا حتى الآن لم نستطع أن نبني المؤسسات التي في ظلها يمكن تمثيل حقيقي للشعب .
اقرأ:
منير درويش: الأمم المتحدة والفشل في فرض الديمقراطية
Tags: محرر