Archived: خمس سنوات من النزوح: النجاة في قارب غير صالح للإبحار (3)

أيمن جلول: مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

خمس سنوات من النزوح: النجاة في قارب غير صالح للإبحار

اصطحبنا الرجل، المسئول عن ترتيب عبورنا من أزمير لليونان إلى الشاطئ، في رحلة استغرقت ساعة من أزمير، لم يكن أحد منا يعرف أين يقع هذا الشاطئ، فهذا أمر سري. عند وصولنا للشاطئ تم توزيعنا في القوارب، في مجموعات مكونة من ٣٠ فرد في كل قارب. لم يكن في مجموعتنا أي أطفال وهو أمر هام، تخيل أن تسمع صراخ طفل في رحلة كهذا؟ سيزيد الأمر من توترك، ويجعلك تشعر بالمسئولية تجاه هؤلاء الأطفال، أحمد الله أنه لم يكن في مجموعتنا أي أطفال.

غيرت زوجتي رأيها عند وصولنا للشاطئ، وبدأت تفقد أعصابها، فهي خائفة للغاية. نحن الآن إزاء التحدي الحقيقي، الأمر لم يعد يتعلق بفقدان حقائب أو ممتلكات أو أوراق، بل فقدان حياتنا. علينا التأكد من أن ما نقوم به هو الخيار السليم. قولت لها “ماذا يمكننا فعله؟” لا يمكننا العودة علينا أن نتحلى بالشجاعة، وأن نثق في الله.

تري الناس على الشاطئ يبكون يصلون، أو يشربون، يفعلوا كل شيء وكأنها المرة الأخيرة، لأنهم لا يعرفون مصيرهم. هم خائفون من عبور البحر في قوارب، حقا! صدقني! لا يمكنك تصور كيف كانوا يبكون. عندما رأتهم زوجتي أصابها الزعر، لماذا يصلي الناس؟ لماذا يبكون؟ لماذا يشربون الكحول؟ كأن أحدهم يقول “أتري هذه أخر سيجارة سأشربها في حياتي؟ كان الظلام دامس، ولم يكن بإمكاننا استعمال هواتفنا، أو أي ما قد يصدر عنه من ضوء، حتى لا ترانا الشرطة، وتلقي بالقبض علينا.

أمامنا نصف ساعة لنستعد للرحلة، ٣٠ دقيقة مرّوا وكأنهم ٣ أو ٤ ساعات، بعد انتهاء الـ٣٠ دقيقة، يقول لنا الرجل الآن أصعدوا على متن القارب. قلت له “تمام وأنت؟” قال لي الرجل “لا لست من سيقوم بتوجيه القارب بل أحد من مجموعتكم سيفعل ذلك، وسأعلمه.” قولت له “ماذا؟”. قال “لا يمكنك تصور ذهابي لليونان فأنا لدي عمل هنا لأنجزه، هكذا تسير الأمور هنا. الأمر سهل فقط عليك اتباع التعليمات التي سأعطيها لك، ولن أقوم بمطالبة من يقود القارب بنقود، سيذهب دون مقابل. أتريد أن تقود القارب؟” قلت له “لا، بالطبع لا” لن أتحمل مسئولية نقل الناس عبر البحر، أنا لا أعرف كيف أقود قارب!

لا يخبرونا بهذا في أزمير. ينتظروا حتى وصولنا الشاطئ، وعند استعدادنا للقيام بالرحلة يخبروننا. يجبرونا على القيام باختيار صعب: عليك أن تتخذ القرار سريعاً، هل تريد ذلك أم لا؟ قلت له “أُفضل أن نجد شخص في مجموعتنا ممن يعيشوا في منطقة ساحلية بسوريا مثل اللاذقية أو طرطوس – هذا أفضل. أو حتى من بيروت، تطوع رجل من المجموعة لقيادة القارب، سألته، من أي مدينة أنت؟ قال “أنا من حمص،” وحمص هي مدينة كبيرة غير ساحلية. قلت له “ماذا تعرف عن قيادة القوارب وتوجيهها؟” فقال “اعتدت على زيارة طرطوس وهناك كنت أستأجر قوارب وأدور بها في الماء.” قلت ماذا؟ ولكنها لم تكن وظيفتك أن توجه القارب، وليس لديك خبرة كافية. فقال “حسنا- سيعلموني الآن كيف أوجه هذا القارب.”

قلت له “سيعلموك في خمس دقائق؟” فقال “أعرف كيف أقود سيارة.” تخيل هذه اللحظة! أتمني لو كان بإمكاني التقاط بعض الصور لتراها الآن، هذه ليست بقوارب تقليدية، بل قوارب رديئة، وغير مجهزة لرحلات طويلة كهذه.

لم يكن لدينا خيار أخر، علينا أن نثق في أنفسنا وفي اختيارنا، مضي وقت طويل وهم يشرحون للرجل الحمصي كيف يوجه القارب. قالوا له سيكون هناك ضوء على الجانب الآخر، عليك توجيه القارب في اتجاه الضوء مباشرة. لن تراك الشرطة في هذا الوقت من الليل. لكن لا يمكنك استخدام أي ضوء لتري إلى أين تتجه. عليك الاعتماد على حدسك، وذهبنا. الحمد لله تميزت مجموعتنا بالذكاء ووسع الأفق. فالكل متفهم مخاطر الرحلة، ويحاول تلطيف الأجواء. الحمد لله على انضمامي لهذه المجموعة، كنا نغني سوياً، نلقي النكات، في محاولة منا لننسي كم نحن خائفون.

كان قائد القارب قوياً حقاً. يستمع طيلة الوقت لاقتراحات من الناس مثل، “لتذهب من هنا – لا بل من هناك” يستمع بصبر، ويستمر في السير. تخيل، ضع نفسك مكانه، قد تنفجر رأسك من الضغط، قد ترغب في قول “رجاء فليلزم الجميع الصمت، أنا القائد هنا”. لكن لا ليس هذا الرجل. فقد كان يقول “سأستمع لاقتراحاتكم، سآخذ هذا في الاعتبار.” رجلٌ هادئ للغاية، وكل ما كان يفعله كان يساعدنا في الوصول لهدفنا. يستغرق كثير من الناس في رحلة كهذه أربع أو خمس ساعات، لكنا كنا محظوظون واستغرقت رحلتنا ساعتين فقط، لكن لك أن تتخيل ساعتين انقضوا وكأنهم يوم كامل.

خمس سنوات من النزوح: موت مُحتمل في البحر

استغرقت الرحلة من غازي عينتاب لأزمير حوالي ١٠ ساعات، وكان لدي فكرة عما سأقوم به في أزمير فقد أخبرني أحد أصدقائي، ممن استطاعوا الوصول لألمانيا عن طريق البحر من قبل، عن كيفية التوصل لبعض ممن يعملون في الخفاء لمساعدة الراغبين في السفر من أزمير لليونان بحراً، بالطبع بشكل غير قانوني، ولذا لا يمكنني طلب المساعدة، إلا من أولئك الذين “يعملون في الخفاء” كما نسميهم في سوريا.

أخبرني أصدقاء بأن علي التواصل فور وصولي لأزمير مع رجل سوري قد سبق لهم التعامل معه، وقالوا أن بإمكاني الوثوق به فهو رجل أمين. كثيراً ممن يأخذون اللاجئين من تركيا لليونان سوريون، وتتمثل وظيفتهم ببساطة في كونهم نقاط اتصال مع اللاجئين السوريين، لكن من يقومون حقيقة بعملية نقل اللاجئين أتراك. عملية نقل اللاجئين من أزمير لليونان عملية مركبة، تقوم بها شبكة واسعة من الأفراد، حيث يقوم كل فرد بدوره، حتى تتم المهمة. ينخرط كثير من الأتراك في هذه الشبكة، سائقي الحافلات، ومن يقوموا بتوجيه اللاجئين، والقائد. هي أشبه بمافيا تركية تدير عملية الهجرة غير الشرعية.

يضطلع السوريون بمهمة التواصل مع راغبي السفر أو الزبائن – إذا جاز التعبير، فنحن أشبه ما نكون بالزبائن، ندفع 1200 يورو، تكلفة عبور شخص واحد من أزمير لليونان. في الشتاء تنخفض التكلفة لـ 300 يورو فقط للشخص الواحد، نظراً لسوء الاحوال الجوية، وما ينتج عنها من مخاطر. تخيل، إنه بمثابة عرض خاص، تحصل على خصم لزيادة المخاطر، فيمكنك أن تستغل هذا التخفيض وتخاطر بحياتك. للأسف هذه هي الحقيقة.

استغرق الجزْء الأول من الرحلة 10 ساعات، من غازي عينتاب لأزمير، حيث وصلنا في تمام الرابعة صباحاً. في ميدان باسماني، يمكنك أن تجد من يساعدك، ويدلك على فنادق تستقبل النزلاء، دون السؤال عن أوراقهم الرسمية. للأسف اضطررت للبقاء في أحد هذه الفنادق غير الآمنة رغم أنفي، فليس لدي بديل، يجب على أن أتحلي بالصبر، خاصة أن هذه هي الليلة السابقة لعبور البحر في الطريق لأوروبا، ولابد أن نأخذ قسط من الراحة، لنستعد لهذا اليوم الحافل. سألت سائق تاكسي عن فندق جيد وفي متناول اليد، ودلني على أحد الفنادق، وقضينا هناك يومنا وليلتنا.

كنت قد تواصلت بالفعل مع الرجل السوري، الذي سيساعدنا لعبور البحر، وتقابلنا اليوم التالي في الحادية عشر صباحاً، وعندما سألته عن تعليمات السفر وكيفية الدفع، أخبرنا بأننا سنغادر في الواحدة صباحاً، وبالنسبة لكيفية دفع الأموال، أخبرنا بأن هناك مكتب خاص في أزمير، يمكننا إيداع الاموال عن طريقه إذا كنا لا نثق فيه. قولت له أنني أثق فيه، وأن أصدقائي قد تعاملوا معه من قبل، فأخبرنا الرجل بأن تكلفة العبور ١٢٠٠ للفرد، وقال إنه عرض خاص لنا، لأن السعر الحقيقي ١٥٠٠ للفرد.

طلب مني شراء سترة نجاة لعبور البحر، فاشتريت ٣ سترات، واحدة لي وواحدة لزوجتي، وواحدة تربطنا ببعضنا البعض. فزوجتي لا تجيد السباحة، ولا أريد أن ننفصل عن بعضنا البعض، إذا انتهي الحال بنا في البحر. حذرني البعض من هذه الفكرة وخطورتها، ولكني أخبرتهم أنني أفضل الموت مع زوجتي عن فقدانها. اكتشفت بعد وصولي لأوروبا أن هذه السترات التي تباع في إزمير لا تصلح للاستخدام، فهي تجارة تعتمد علي بيع المنتجات المقلدة، غير صالحة الاستخدام. في أزمير تدفع ٥٠ يورو مقابل سترة نجاة، لن تنقذك من الغرق، ولهذا نسمع عن كثير من اللاجئين يموتون غرقاً في البحر، أثناء العبور من أزمير لليونان. يمكن لسترة نجاة جيدة أن تساعد إنسان على النجاة من الغرق، لكن ليست هذه السترات. الحمد لله لم يحدث ما يضطرنا لتجربة هذه السترات. 

أخذنا أمتعتنا وذهبنا لشراء بعض الاحتياجات، مثل حافظات من البلاستيك، لحماية أوراقنا وتليفوناتنا المحمولة. وعندما حان موعد اللقاء في تلك الليلة وهو لقاء سري، شعرت بأنني أقوم بعمل غير قانوني. هل تفهم ما أقصد؟ علي أن أثق في أناس لا أعرفهم، ولا أعرف إلي أين سنذهب، ولا كم من الوقت ستستغرق الرحلة. معظم من يقتادوننا يتحدثون التركية، وقليل هم من يتحدثون العربية. حينما تمر بجانبنا سيارة شرطة، يقول الرجل السوري للجميع اخفضوا رؤوسكم. تحدثني نفسي “ماذا أفعل هنا؟” هذه مخاطرة جسيمة، وينتابني شعور سيء. كل ما أريده هو الخروج من هذا الموقف، ولكن ليس لدي خيار أخر، علينا الوثوق بهم. هذا هو الشعور الذي كان ينتابني وكل اللاجئين ممن كانوا معنا.

اقرأ:

خمس سنوات من النزوح: كيف عبرنا الحدود؟.. وليلة في غازي عينتاب (2)

رابط المصدر هنا





Tags: محرر