on
Archived: د. يحيى العريضي: أنت في الروح تعيش
د. يحيى العريضي: كلنا شركاء
بغض النظر عن الفروقات الفردية نفسياً وعقلياً واجتماعياً واقتصادياً، وعن الاختلاف في الظروف التي يعيشعها السوريون خارج وطنهم؛ هناك هواجس وأفكار وهموم مشتركة تجمعهم يتربع الوطن على رأسها… الوطن حتى ولو كان خيمة أو سقف من صفيح. السوري في الخارج بلا وطن حتى ولو حَملَ أي إقامة أو جنسية أي مكان يإوي إليه ويعيش فيه آمناً.
يتوزع أهل الأرض بالنظر إليه في طيف يتراوح بين الاحترام والتقدير مروراً بالشفقة والإزدراء وصولاً إلى الريبة والكراهية. في المحصلة النهائية، لا يهمه ذلك؛ فمهما أعطاه هؤلاء أو أفقدوه، فإنه قد خسر الأغلى.
كثيرون خرجوا بسبب غربة في الوطن الأساس… غربة أساسها غياب الحرية أو الخوف من الاستبداد، أو ضياع الحق؛ وكثيرون نجاةً بأرواحهم من حمم الموت بالبراميل والصواريخ وهدير طائرات كان يفترض ان وجهتها محتل الأرض ومغتصب الحقوق؛ وإذ بالطائرات ذاتها تستهدفه بتوافق وتنسيق مع مغتصب الأرض والحقوق.
يستيقظ السوري في الغربة بعد أحلام رأى فيها الوطن قريباً. يرى نفسه في الحلم وقد أوقفه حاجز. رعب الحاجز في الحلم يعادل رؤية الوطن. يفكّر في اليقضة قليلاً ليجد أن مشكلته لم تعد مقتصرة على الحاجز و بشار الذي كان نقطة بداية حرمانه الوطن. اليوم أضحى من فعل به هذا يُحمل بطائرات المحتل الروسي كبضاعة منبوذه بلا حول ولا قوة ممتثلاً لأوامر المحتل. يزيد ذلك من حسرته وخجله، ويقول : ” لم يكن قوياً إلا عليّ “. يُعاد هذا الذي حرمه وطنه إلى دمشق ليكون جند المحتل الآخر الايراني حماةً له. يشعر هذا السوري بمرارة أكثر.
يسمع السوري فاقد الوطن بعض الأفواه تصفه بالخائن؛ فيبدأ بمساءلة نفسه: ما العهد الذي قطعته على نفسي وخنته؟ هل لم أقم بواجبي بما أتيت من قوة وبما سمحت به الظروف ؟ هل قصّرت بعملي؟ هل قتلت؟ هل سرقت؟ هل تواصلت مع محتل الأرض ومغتصب الحقوق؟ هل دعوت قوة خارجية لاحتلال بلدي كي أحافظ على مكاني؟ هل أكون خائناً لأنني حاولت النجاة من الموت من الظلم من الخوف في وطن ليس لي غيره؟ يجيب السوري وبصدق على كل هذه الاسئلة بالنفي. يصعقه أكثر ويزيد في المرارة ان الاجابة على كل تلك الأسئلة إذا ما طُرحت على من أخرجه من الوطن هي بالايجاب. هؤلاء قطعوا عهودا وأقسموا أيامين وخانوها. هؤلاء قصّروا بأعمالهم إلا بالقتل والاضطهاد والإرهاب. هؤلاء سرقوا؛ والدليل، انكشاف أرصدتهم بالمليارات خارج الوطن. هؤلاء لا يتواصلون مع المحتل فقط بل إن بقاءهم مرتبط بأوامره.
ضمن معمعة الانكسار هذه وفي خضم التراشق بتهم الخيانة، يتذكّر السوري انه بلا وطن؛ ومن أفقده وطنه هو إبن جلدته لا غزاة أجانب؛ وأبناء الجلدة هؤلاء لهم “نبيحة”.. وهم مَن يلاحقون فاقد الوطن باوصاف مَن أفقدهم الوطن. فإن كان سادتهم هكذا، فماذا يمكن أن يكونوا؟ وهل هناك نسخة خيانة ممسوخة؟
يتذكّر السوري ان المسألة لم تعد “معارضة” و “موالاة”؛ إنها ضمير الوطن الذي يعيش في روحه؛ وآخر فقد هذا الضمير، فلم يعد هناك مكان للوطن ليسكن فيه أو ليعرف هو معناه.
لقد قالها محمد الماغوط يوماً: ” سأخون وطني “، فهل كان محقاً عندما قالها؟ ذاك الوطن الذي وصفه الماغوط ؛ والذي وردت بعض أوصافه أعلاه- من وجهة نظره- يستحق الخيانة. ولكن الماغوط ما عاش خارج الوطن، فسَهُلَ عليه إطلاق تلك العبارة. كانت غربته داخلية، فقال ذلك؛ فأي قول كان ليطلق لو أنه عاش الغربتين؟!
أيها الوطن الحبيب؛ حتى لو تجرأ العقل على إطلاق هكذا عبارة فإن القلب والروح لا حياة لهم بدونك ؛ وأنت تسكنهما حتى لو ما كانوا بين ظهرانيك. أيها الوطن، أنت لا تستحق الخيانة؛ أنت في الروح تعيش.
Tags: سلايد