on
Archived: طاهر سعود: العلويون ولعبة بوتين في سورية
طاهر سعود: كلنا شركاء
قبل حصول تفجيرات الساحل بمدينتي جبلة وطرطوس، التي تبناها تنظيم (داعش) الإرهابي في الثالث والعشرين من أيار (مايو) الماضي؛ كان النظام في سورية يعيش أسوأ وضع له منذ اندلاع الثورة في البلاد قبل خمسة أعوام. إذ كانت حاضنته الشعبية، المتمثلة بالطائفة العلوية؛ قد بدأت بالخروج عليه، والانفكاك عنه. وهو ما عبّرت عنه بوضوح تلك التظاهرة الصاخبة التي اندلعت وسط مدينة القرداحة، مسقط رأس عائلة الأسد الحاكمة، قبل أيام معدودة من تفجيرات الساحل الدامية. طالب فيها محتجون من الشيوعيين العلويين بإسقاط النظام. وهي المرة الأولى التي يطالب فيها العلويون علناً بإسقاط النظام. وقد تصدت أجهزة أمن الأخير، وعصابات (الشبيحة) للمتظاهرين بوحشية مفرطة، وتمّ اعتقالهم، وجلّهم من عائلة الخيّر العريقة، التي تعتبر من أهم عائلات الطائفة العلوية، وأكثرها علماً ومكانة، وتحظى باحترام كافة عشائر الطائفة. وإليها ينتمي المعارض المرموق د. عبد العزيز الخيّر، زعيم حزب (العمل) الشيوعي، والمعتقل حالياً لدى أجهزة أمن النظام. وكان تردد أسمه في السابق كبديل عن رئيس النظام في قيادة سورية خلال المرحلة الانتقالية..
وأكثر ما أثار هلع النظام، وهزّ كيانه في أمر تظاهرة القرداحة تلك، التي عتّم الإعلام عليها لأسباب غير مفهومة؛ ليس فقط لأنها تفجّرت في عقر داره، ومن قبل حماته المحليين؛ بل كذلك لكون المشاركين فيها هم من قوى اليسار الشيوعي، المحسوبة تقليدياً على موسكو. وهو ما ولّد قناعة قوية لدى قادة النظام وأجهزة أمنه القمعية، بأن تظاهرة اليساريين العلويين هذه؛ إنما هي من تدبير الاستخبارات الروسية العاملة على الأرض السورية. ورغم اتفاقهم على ذلك إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم على تفسير حقيقة دوافعها. إذ بينما وجد فيها البعض محاولة لتهيئة الأجواء ضمن البيت العلوي لتقبّل فكرة إبعاد عائلة الأسد وحاشيتها عن السلطة ضمن صفقة دولية. يرى آخرون منهم بأنها مجرد محاولة ضغط روسية على الأسد؛ لجعله أكثر طواعية، وتقبلاً لإملاءاتهم. ويربطون ذلك بتسريبات إعلامية مصدرها مسؤلون روس كانوا عبّروا فيها عن انزعاج موسكو من تشدد رئيس النظام، وعناده، وتشبثه برأيه..
والواضح أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، المكلف من الأمريكيين بإدارة الملف السوري نيابة عنهم؛ يريد الإسراع بوضع حد للأزمة السورية على طريقته الخاصة، وتحقيق انجاز يخدم مصالحه في سورية، قبل قدوم الرئيس الأمريكي الجديد، وتغير سياسة الولايات المتحدة حيال الشرق الأوسط. فبقاؤه حيث هو اليوم في ساحل سورية، والذي يعتبر مكسبه من غنيمة الحرب السورية حتى الآن؛ يحتاج لتأييد ودعم من الطائفة العلوية والنظام معاً. فالأخير هو المانح للتواجد العسكري الروسي في سورية صفة (الشرعية). والطائفة العلوية هي بدورها التي تمنح النظام ما تبقى له من (شرعية). لكن تغير مزاج أبنائها حالياً تجاه هذا النظام قد يعطّل على بوتين مسعاه بإنهاء المشكلة السورية مع المحافظة على النظام في ذات الوقت، كما يريد. فلعبته في سورية تقوم على أساس حصر ما جرى في هذا البلد بشخص رأس النظام بشار الأسد، وتحميله كامل المسؤولية عن ارتكابات النظام، من دون بقية جنرالاته الآخرين، بمن فيهم قادة الأجهزة الأمنية، المسؤولين عملياً عن تنفيذ جميع جرائم النظام بحق المدنيين السوريين. وما يحاول بوتين فعله، هو إحداث تغيير شكلي داخل تركيبة النظام في سورية، يطال استبعاد رئيسه مع قلة محدودة العدد ممن هم حوله مباشرة. مع الإبقاء على النظام بنفس وظيفته السابقة، تحت ذريعة (المحافظة على مؤسسات الدولة)، بما فيها طبعاً مافيا الأجهزة الأمنية، والتي هي في الواقع النظام ذاته. وما مؤسسات الأخير الرسمية جميعها سوى واجهات للأجهزة الأمنية، وأدوات لتنفيذ نشاطاتها القذرة. وأما تشدد المسؤولين الروس في مسألة رفضهم القبول ببحث مصير الأسد، بحجة أن هذا الأمر هو من شأن الشعب السوري وحده؛ ليس سوى محاولة من طرف الروس لتحويل الأسد إلى عقدة المشكلة، وورقة حلها النهائية؛ بإبعاده عن السلطة ينتهي كل شيء، وتكون الأزمة السورية قد حلّت تماماً على قاعدة نقل السلطة من النظام الحالي وإليه ثانية، بعد إدخال عملاء موسكو، المحسوبين على المعارضة إليها، ووضعهم في المناصب القيادية العليا فيها..
لقد وجد بوتين في اتساع رقعة الرفض المتزايد للنظام من داخل صفوف الطائفة العلوية خطراً يتهدد خطته في سورية بالفشل. وأن عليه إيقاف تداعي النظام، وإعادة اللحمة إليه مع حاضنته الشعبية، بأي وسيلة كانت. وفي هذه الأثناء وقعت تفجيرات (داعش) بمدينتي جبلة وطرطوس الساحليتين. وسقط فيها عشرات الأبرياء من المدنيين العلويين. حيث أتهم بعض الليبراليين العلويين روسيا صراحة بالمسؤولية عن تلك الجريمة؛ عبر الدفع بأداتها تنظيم (داعش) الإرهابي لارتكابها؛ من أجل التأثير على عملية انفضاض الحاضنة الشعبية عن النظام. والذي يعني في حال تواصله انهيار تام للنظام، وخسارة روسيا ركيزة وجودها العسكري، ونفوذها السياسي في سورية.
وبالفعل فقد أبطأت تفجيرات الساحل الدامية من عملية التباعد التي كانت حاصلة ما بين الطائفة العلوية والنظام الحاكم في دمشق. لكن تبقى قناعة شريحة وازنة داخل الطائفة، بما فيها حلفاء لموسكو نفسها؛ تعتبر أن النظام قد بات وجوده عبئاً ثقيلاً على الطائفة، وما عادت الأخيرة قادرة على استمرار دعمها العبثي له. بعد أن خسرت جراء ذلك الغالبية الساحقة من شبابها، هم معيلوا أهلهم. ولم يعد للنظام القدرة على توفير الحد الأدنى من مستلزمات الحياة الأساسية لمؤيديه. حتى بات البعض منهم الآن يتسوّل الطعام لأطفاله، ويكاد لا يحصل عليه. وقد كان للدور الأوروبي، وتحديداً الفرنسي والبريطاني تأثيراً عميقاً في إقناع قطاعات فاعلة داخل مجتمع الطائفة؛ بأن للعلويين مستقبل في سورية بعيداً عن النظام الحالي. وأن عليهم المساعدة بمشاركة باقي السوريين الآخرين في بناء نظام حكم ديمقراطي جديد في سورية، يؤمن لجميع المواطنين فيها حقوقاً متساوية.
طاهر سعود:
كاريكاتوريست، وكاتب سوري معارض، وسجين سياسي سابق. (من الطائفة العلوية).
Tags: سلايد