on
Archived: د. وليد البني: الاسلام السياسي في منطقتنا، والأحزاب المسيحية الأوربية
د. وليد البني: كلنا شركاء
يحاول الكثير من مؤييدي جماعة الإخوان المسلمين كفصيل اساسي شكل جذر الاسلام السياسي والأحزاب المنبثقة عنها في منطقتنا تبرير وجود أحزابهم وحركاتهم بوجود الأحزاب المسيحية الديمقراطية في الغرب عموماً وفي أوربا خصوصاً. فعند الدخول في جدل مع اي داعم للإسلام السياسي في منطقتنا ، سوف يذكِّرنا بأن هناك أحزاباً مسيحية في أوربا وصل بعضها الى الحكم مرات عديدة من دون أن يؤدي ذلك الى إنقلابات عسكرية ضده أو إزاحته عن السلطة بالقوة كما حصل في مصر عندما فاز الرئيس مرسي في انتخابات حرة تجري لأول مرة هناك، أو كما فعل عسكر الجزائر بالاسلاميين الذي فازوا في الانتخابات البلدية عام ١٩٩١ .
للوهلة الأولى تبدو الحُجّة منطقية ، لكن لو دخلنا أكثر في التفاصيل سنجد أن هناك فرقاً كبيرا بين الأحزاب المسيحية الديمقراطية الأوربية وتنظيم الإخوان المسلمين أو أي تنظيم يرفع شعار تطبيق الشريعة الاسلامية وأسلمة نظم الدولة والمجتمع في منطقتنا ، فالأحزاب المسيحية في أوربا قبلت بعلمانية الدولة وحيادية دستورها وقوانينها ، كما قبلت بوجود ملحدين وغير مسيحيين في بلادها متساووا الحقوق والواجبات مع بقية المواطنين دون أدنى تمييز، وهي قبلت أيضاً باللعبة الديمقراطية كما هي ، أي صندوق إقتراع ودستور لا يفرق بين المواطنين على اساس الدين أو الطائفة أو العرق ، وتبنّٓت أيديولوجيا تقوم على التمسك بالأخلاق الدينية المتمثلة بالمبادئ الإنسانية والأخلاقية الموجودة في جميع الأديان ، تلك الوصايا التي تحض على الصدق والامانة واحترام الغير وعدم الإعتداء والعطف على الصغير ومساعدة المحتاج وعدم الإستقواء على الضعيف ، والتي في جوهرها لا تختلف عن جوهر الدين الإسلامي الذين نشأنا جميعاً على تعاليمه التي تلقيناها من أهالينا ، لكن دون التدخل في حياة المواطنين اليومية ومحاولة فرض نموذج محدد للحياة واللباس والسلوك على الجميع ، وترك أمور الدنيا لعلماء الاجتماع والقانون ونواب الشعب المنتخبين لكي يصيغوها بما يتناسب وحاجات المجتمع وتطور الحضارة البشرية، الأمر الذي لا نجده لدى أحزاب الإسلام السياسي في مجتمعاتنا، بدأً من شعار ( الإسلام هو الحل) وشعار (لن يصلح حال هذه الأمة إلا ما صَلُحٓ به أولها) والمطالبة بتطبيق الشريعة وحدودها وقوانينها التي طبقتها دول الخلافة الإسلامية على مر التاريخ ، بإعتبارها حلاً لجميع مشاكل المجتمعات الإسلامية ، وكأن أربعة عشرة قرناً من الجهد البشري لتطوير حياة المجتمعات وقوانينها ودساتيرها لجعلها أيسر وأكثر قدرة على إسعاد الإنسانية وإيجاد الحلول لمشاكلها لا يعنينا كمسلمين، وإنتهاءً بدعوات تأسيس الخلافة والأمارة وتطبيق حدود الرجم والجلدوضرب الرقاب ، والعودة الى السبي والاستعباد الجنسي التي تنادي بها التنظيمات الجهادية الأصولية كداعش والقاعدة وملحقاتها.
لقد أثبتت تجارب الشعوب في العصر الحديث أن الايديولوجيا الأحادية التي تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة والقدرة على حل جميع مشاكل مجتمعاتها من مثل الشيوعية ونظريتها في ملكية الدولة لوسائل الإنتاج و ديكتاتورية البروليتاريا)، والأحزاب القومية كالبعث الناصرية وشعاراتهما المعهودة (لا صوت يعلو فوق صوت معارك التحرير والتنمية، وقيادة النخبة للدولة والمجتمع ) ، وكذلك الأحزاب الاسلامية التي ترفع شعار تطبيق شرع الله على الأرض ( وفي نفس الوقت تتقاتل فيما بينها على الفهم الأفضل للشريعة وأحقية تمثيل إرادة الله ودينه) بكل ما يحمله هذا الشعار من قدسية الهية تمنع انتقاده تحت طائلة التكفير. جميع هذه الأيديولوجيات فشلت فشلاً ذريعاً في إنجاز أي شيء لدولها يجعلها أكثر تماسكاً ومنعة أو لشعوبها مما يجعلها أكثر سعادة وآمناً( الإتحاد السوفيتي السابق، بعث سوريا والعراق ، إيران ، والحكم الاسلامي في السودان) .
هناك خشية لدى الكثيرين أن هذه الأحزاب والايديولوجيات ستعمل على استخدام الديمقراطية وصندوق الإقتراع لمرة واحدة للوصول الى السلطة ثم تلغيها، وتفرض قدسية أفكارها وأبديتها ثم تعمل على إلغاء غيرها وتُأبِّد نفسها في السلطة( هذا ما حصل في إيران) ، مما يؤدي الى إنتاج استبداداً جديداً قائماً على التكفير أوالتخوين وإستسهال القمع والقتل في سبيل الله أو أولوية المعركة ضد العدو.
إن ما توصل إليه إسلاميوا تركيا وتونس من ضرورة التسليم بعلمانية الدولة وحيادية دستورها وعصرية قوانينها الناظمة لحياة المجتمعات، يشكل خطوة أولى بإتجاه نشوء أحزاب إسلامية ديمقراطية تستفيد من تجربة الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوربا وتتحول الى أحد تلُّونات الحياة السياسية والعملية الديمقراطية في منطقتنا العربية الإسلامية .
Tags: سلايد