Archived: عميد كلية الآداب د. غسَّان مرتضى : الشعب يريد الدكتاتور

د. غسان مرتضى : كلنا شركاء

((أين البديل؟ من البديل؟هاتوا لنا البديل!)) تعابيرُ أطلقها رماديُّو سوريا منذ خمس سنوات، وما زالوا يفعلون، وسيبقون على ديدنهم هذا إلى يوم النشر والحشر.

أين ومَن في هذا السياق أداتا استفهام خرجتا- وفقاً لعلم المعاني – عن مقصدهما، لتؤديا معنى الاستنكار والنفي، أي: ((لا بديل له))، لكنَّ الصيغة الاستفهامية أرسخ دلالة وتعبيراً، أمَّا الأمر في قولهم ((هاتوا)) فالغرض منه  التحدي ونفي وجود البديل، وكأن الذي يعبِّر بهذه الطريقة يريد أن يقول ما في وجدانه: ((الأسد أو نحرق البلد))، غير أنَّه يقولها بصورة حوارية ملطفة.

كيف لأسئلة بهذا المقدار من السخف أنْ تُطرح في حوارات تتناول مصير شعب ووطن؟ وكيف يمكن بهذه الأسئلة ((الذرائع)) تحييد قطاع واسع من شرائح المجتمع، وانتزاع فاعليته؟ وكيف يمكن لإنسان أن يقتنع أنَّ الأمَّة التي تنجب آلافاً وآلافاً من المبدعين تعجز عن أن تنجب بديلاً لشخص ما مهما كان متميزاً؟!

والحقيقة أنَّ من يعرف آليَّات عمل السلطات السياسية في البلدان التي يحكمها طاغية متسلط، يعرف بالضرورة أنَّ هذه الأسئلة ليست عرضية، وأنَّها جزء جوهريٌّ من فلسفة الحكم.

هذه هي الحال مع آل الأسد وصدام حسين وعبد الناصر والبشير والقذافي وهي نفسها حال الدكتاتور الماركيزي في ماكوندو والبطريرك الذي دخل المتاهة، وحال كيم جونغ أون، وحال لينين وستالين وكل الأمناء العامّين للأحزاب الشيوعية الميتين منهم والباقين.

يُمَحوِر الدكتاتور العالمَ حول نفسه، وتُكيِّف له أجهزته المختصة (كما كان يحلو للأسد الأب أن يسميها) وعلى رأسها جهازا الاستخبارات والإعلام كلَّ شيء طوعاً أو عنوة، ليصبح كاللدائن يُشكَّل حسب المطلوب ووفقاً للحاجة. وتشتغل  الماكينات كلُّها لتكريس صورته الأقرب إلى الإله (حاشا لله وكلَّا) حتَّى تُرسَّخ في الأذهان أنَّه مصدر الخوف وإليه الملاذ، وأنَّ الناس يفرُّون منه ليلجؤوا إليه.

تَعزِف الأوركسترا الوطنيَّة ألحان الأناشيد الخاصة ببطولاته ومآثره فيصبح بطل التحرير والتشرينيْن وآذار ونيسان وأيار وهلمَّ جرَّا،   حتَّى يظنَّ بعضُ الناس أنَّه قاد ذي قار وحطين، وتُصنَّع له صور كبيرة بطول البنك المركزي وعرضه، وتنحت التماثيل الضخمة، وتنشد القصائد، وينخرط الجميع في جوقة الدبكة الوطنية العامة.

وتُسلَّط الأضواء والكاميرات عليه، ويُلحَق رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشعب والأمين العام المساعد وكلُّ المسؤولين المتبقين بفريق الأدوات التي تسهر على تنفيذ إرادته السامية الملهمة وتوجيهاته السديدة المحكمة.  ويستكمل رجال الدين حفل السعادين العام بمزاميرهم وطنابيرهم في خطب الجمعة وعظات الآحاد، ليضفوا على هيبة سيادته مسحةً قدسيَّة روحانيَّةً فيها كثير من المحسنات اللغوية والبلاغية والخشوع مستلهمين أساليب معلمي الكار الكفتارو والبوطي والحسون أو غبطة البطريرك الرابع عشر الجزيل الاحترام.

ويدفع السوريون بعد مرور خمسين سنة ثمناً باهظاً عن تهاونهم واستمرائهم الرقص والدبك واستهتارهم في إيقاف هذه المهزلة في اللحظات المتوجبة.

غير أنَّ للسوريين ما يجنبهم المزيد من جلد الذات بعد الثمن المهول الذي دفعوه، بل يمكنهم أن يتخففوا بعض الشيء من وزر هذه اللحظات المؤلمة إذا علموا أن شعوباً كثيرة عاشت الحالة نفسها ولأوقات أطول.

  ها هو الشعب الروسيُّ يُشوى ويُكوى ويُجمَّد ويُجلَّد في متاهة البطريرك  نفسها، دوامة الرئيس الملهَم والمنقِذ، وها هي وسائل الإعلام الروسية ما تفتأ تعرض له صوراً مختلفة، تكشف عن مواهبه وبطولاته، وتظهره طيَّاراً حربباً وغوَّاصاً وقائد منطاد ولاعب هوكي على الجليد وبطل ملاكمة ومصارعة وفارساً يمتطي جواداً وصياد سمك وذوَّاقة للموسيقا والفن…، بصورةٍ تكاد تذكِّر السوريين على الأقل بمعزوفة الفلاح الأول والمعلم الأول والنجَّار الأول والقاضي الأول.

ويركِّز المحللون والإعلاميون  الروس – وهم لا يختلفون كثيراً عن أبواق النظام السوري والفضائيات الممانعة من ناحية الصفاقة وقلَّة الأدب، إلَّا أنَّهم يبزُّونهم دهاء وخبثاً- في سياقات العدوان الروسي السافر على الشعب السوري على قوة شخصيَّة الرئيس بوتين وجرأته وهيبته وحزمه، ويقارنونه بالرئيس الأمريكي باراك أوباما الهزيل الضعيف، ويشيرون إلى أنَّ الذين يحضرون الجلسات التي يتكلم فيها أوباما لا ينصتون إلى كلامه، بل يثرثرون  فيما بينهم، وينشغلون بأمور شتى كأن يفرك أحدهم أنفه أو… ، في حين يصغي الناس لكلمات بوتين مشدودين إلى الغاية القصوى. وقد علَّق رئيس تحرير إحدى الصحف الروسية على هذه المسألة بالقول: ((إنَّ الذين يستمعون لكلام أوباما يعرفون أنه هواء في فراغ، قد يتراجع عنه بسهولة وفي أي وقت، هذا إذا لم يعرقل الجمهوريون تنفيذه في حال تحوَّل إلى قرارات جديَّة. أمَّا ما يقوله بوتين فهو أمرٌ مختلف نوعياً؛ إنَّه قرار روسيا العظمى الذي لا يقبل المناقشة والذي لا يجرؤ أحدٌ على الاعتراض عليه)).

لا يعنينا هنا الكلام الخاص بأوباما علماً أنَّه ينمُّ على جهلٍ فاضحٍ بآليات اللعب السياسي في الإدارة الأمريكيَّة، لكنَّ الخطورة تكمن فيما يخصُّ كلام بوتين، لأنَّه يشي بوضع روسيا الكارثي الذي لا يُبهج غير أعدائها، ويسوء الروس وأصدقاءهم، ويدعوهم إلى الخوف والتوجس على مستقبل روسيا القريب. إنَّه يعني ودون مواربة تقديس الزعيم المطلق، ويعني تقزيم هذه الدولة العظمى وتحويلها إلى دولةٍ تافهة على شكل كوبا كاسترو أو كوريا إيل! دولةٍ ملحقة برئيس مغرور مريض بنرجسيته التي وصلت إلى حدِّ جنون العظمة، رئيسِ لا يكفُّ عن الظهور على الشاشات بصور استعراضية صبيانية، لا تليق بعظمة الدولة التي يحكمها أو بعظمة الشعب الروسي وتاريخه.

لكنَّ الإعلام الروسي الذي يركِّز على شخصيَّة الرئيس القائد الملهَم، يغفل فيما يغفله الحديث عن الشعب الروسي وموقفه من سياسات قيادته العدوانية السافرة تجاه كثير من القضايا الدوليَّة التي يبدو غائباً تماماً عن أحداثها ومُغيَّباً مطلقاً عن القرار بشأنها.

إنَّ ما يجمع بين شعبي سوريا وروسيا ليس تشابه الأحرف المكوِّنة لاسمي الدولتين فقط، وليس الظلم المهول الذي يتعرض له الشعبان، بل هو أشياء كثيرة أخرى كانت أسباباً لمحبةٍ بين الشعبين يسعى بوتين والأسد ونتنياهو لتدميرها.

السؤال المهم كيف قبل الشعب السوري الاستمرار بالدبكة والرقص خمسين عاماً بعد أن عرف لفترة زمنية (1946 – 1958) مذاق الحرية والديموقراطية والبرلمان والمظاهرات؟ قد يبدو الجواب معقداً وشائكاً، لكنَّ العامل الذي لا خلاف حوله في ذلك  هو شعار: (الأسد أو نحرق البلد) وقد اختار السوريُّون أهون الشرين…

والحال نفسها تتكرر – كما يرى أرنولد توينبي في كتابه العالم والغرب –  مع الشعب الروسي منذ أكثر من ستمئة سنة. يقول: ((منذ فجر القرن الرابع عشر تميزت جميع أنظمة الحكم التي توالت على روسيا بالمركزية والفردية، وهذا التقليد الموسكوفي للسياسة الروسية الذي أثقل دائماً كاهل الروسي بدا دائماً بغيضاً مقلقاً في نظر جيرانهم، ولكنَّ الروس لسوء الحظ قبلوا به، بعضهم بحكم العادة والبعض الآخر لأنه شعر بأن عليه أن يختار أهون الشرَّيْن)) (ص11).

إنَّ الشعب الروسي الذي لا يبدو معنياً بالشؤون الخارجية عامةً، ويمرر مآسيه الداخلية تحت الشعار السوري المشهور(هوي منيح، بس اللي حواليه أوباش) سيصبح معنياً في لحظة ما، وقد يدفع ثمناً غالياً لتركه الدكتاتور يتصرف بشؤون البلاد والعباد، وسوف يكفُّ عن اختيار أهون الشريْن كما فعل الشعب السوري.

د.  غسَّان مرتضى : عميد كلية الآداب في جامعة البعث سابقا





Tags: سلايد