Archived: إبراهيم الجبين: لماذا لا نناظر الجهاديين السوريين؟

إبراهيم الجبين: كلنا شركاء

اختارت فئة من المثقفين مقاطعة أولئك الذين سمّوهم “جهاديين إسلاميين” واعتبروا أن فكرهم كلّه مبني على تراكم الظلام، وقرروا أنه لا جدوى من الحوار معهم. في الوقت الذي عرف فيه الجهاديون أنهم مرفوضون سلفاً. سيما وأن فكرة الجهاد التي يجري اشتقاق صفتهم منها، توحي إليهم بأنهم شعب وأن غيرهم شعب آخر.

وفي ظل سنوات خمس من الحرب التي يشنه نظام ديكتاتوري متجذر في سوريا، ضد هؤلاء وهؤلاء. وجد الطرفان العلمانيون والجهاديون أنهم في حاجة ملحة للتحالف تارة، وللتنازع تارة، في ما بينهم. لكن هذه العلاقة المتوترة، القائمة أساساً على خلافات فكرية، تجري لفلفتها في المؤتمرات والوثائق الوطنية المعارضة، واستبدال المعالجة الفكرية بالمعالجة السياسية. لتصبح إشكالاً ضخماً مؤجلاً إلى أجل غير معلوم. وحتى يحين أوان ذلك الأجل، يفشل كل تحالف متوقع بين الثوار السوريين، وتنهار كل ثقة، لأنها تتأسس على فراغ.

وبينما يتفاوض السياسيون في جنيف وغيرها، يحارب الجهاديون على الأرض في سوريا. في لقطتين كأنهما صورتان متناقضتان تبحثان عن هدف واحد وتحاربان عدواً واحداً. لكن ما الذي يمنع من فتح باب المناظرة بين السوريين ممن انتفضوا ضد الأسد ونظامهم الدموي، وإطلاق العنان للفكر كي يتحاور لتفكيك الاختلاف لا لتبادل الاتهامات؟.

وكثيراً ما دارت رحى حرب هنا أو هناك في خرائط العالم الإسلامي الحديثة، وكان رد المسلمين العاجل عليها، رفع راية الجهاد ضد العدو الذي يهدد وجودهم.

هل الجهادي مؤمن؟

غير أن الجهاد الذي بدأ قبل خمسة عشر قرناً من تاريخ الإسلام والمسلمين، كان بدأ لغايات تختلف عما يجري توظيفه فيها اليوم.

وليس أفضل من النظر في فكر الجهاد والجهاديين من جديد، لفهم كيف تعمل تلك الآلية في وعي المقاومة المسلحة. فالجهاد كفكرة لا يقتصر على الحرب والسلاح، كما بات معلوماً اليوم. يقول العالم الدمشقي ابن قيم الجوزية في كتابه الكبير زاد المعاد: “الجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين، فجهاد النفس أربع مراتب أيضاً: إحداها، أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق. والثانية أن يجاهدها على العمل به بعد علمه. أما الثالثة فأن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه، أما الرابعة فهي أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة” .

أما جهاد الشيطان حسب ابن القيم فهو مرتبتان :إحداهما جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان. والثانية جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات .فالجهاد الأول يكون بعده “اليقين”، والثاني يكون بعده “الصبر”.

كل ذلك قبل أن نصل إلى الحرب والقتال. الذي سيرد عند ابن القيم هكذا، “أما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب، بالقلب واللسان والمال والنفس .وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان .أما جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات فثلاث مراتب، الأولى: باليد إذا قدر، فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقبله .فهذه ثلاثة عشر مرتبة من  الجهاد”.

إذاً هي ثلاثة عشر صنفا من صنوف ما يعرف بـ “الجهاد” عند ابن القيم وحده، ناهيك عن تأويلاتها واشتقاقاتها عند بقية العلماء قبله وبعده.

الجهاد ضد من؟

ومن حول الجهاد كفكرة، تدور معظم ملامح الحياة الإسلامية تاريخياً. فهو بالصورة التي وصفت أعلاه، ليس عملاً يخص الآخر، بقدر ما هو فعل ذاتي أولي، يخرج لاحقاً ليلامس العلاقة مع الآخرين. ولذلك لا يمكن النظر إليه كنشاط يمكن عزله عن بقية البنية الفكرية الإسلامية الأصيلة، فهو من أسسها الراسخة، التي تضرب جذروها في وعي وحياة المسلمين.

يفصّل ابن القيم شارحاً باختزال شديد مقصود، كيف وصلنا إلى “الجهاد” والأمر به، “أول ما أوحى إليه (النبي) ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق وذلك أول نبوته. فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه (يا أيها المدثر قم فأنذر) فنبأه بقوله (اقرأ)، وأرسله بـ (يا أيها المدثر، قم فأنذر). ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ويؤمر بالكف والصبر والصفح. ثم أُذن له في الهجرة، وأذن له في القتال .ثم أمره أن يقاتل مَن قاتله ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله .ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله له .ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة”.

هذا التكثيف في نص ابن القيم، يعطي إشارة إلى شعوره آنذاك بضرورة تفكيك معنيين هامين آخرين مرتبطين بالجهاد “القتال” و”العدو”.

ما يوحي بأن مشكلة تحديدهما كانت قائمة منذ تلك الأزمنة. كما هي قائمة اليوم سواء في ذهن الجهاديين أو في أذهان أولئك المصنفين كأعداء للجهاديين، أو من يظنون أنهم مصنفون كأعداء للجهاديين، فيناصبونهم العداء استباقياً.

القتال كما قال ابن القيم، كان موجّهاً حصراً ضد من قاتلوا النبي، وأولئك الذين لم يقاتلوه أمره القرآن بالكف عنهم وعدم التعرض لهم بأذى. فالذين أمر النبي بقتالهم ليسوا أولئك المختلفين في عقيدتهم معه، من أصحاب الديانات والعقائد. ولكنهم حصراً الذين رفعوا في وجهه السيوف، وقاتلوه ابتداءً. فتوجب عليه الدفاع عن نفسه بقتالهم. وهنا يبدأ الفرز وتبدأ مسألة تحديد “من هو العدو الذي يجب أن يقاتله الجهادي؟”.

كان تعبير “المشركين” القرآني يرمي إلى أهل مكة من القرشيين حصراً، الذين لم يقبلوا بدعوة النبي محمد. ورفضوا الاعتراف به وبالقرآن، وحاربوه وفقاً لذلك. ولا يتمكن باي صورة من الصور إزاحته زمانياً ومكانياً عن إحداثياته التاريخية، وجلبه إلى زمننا هذا.

أما الكفار فهم جوهر المشكلة. فقد أصبح تعبير “تكفيري” حاملاً لدلالة سلبية سلفاً، قبل التفكير في “التكفير” ذاته. وفي الكفر في معناه الدقيق. وصارت حرب حسن نصرالله الجهادي الإسلامي الشيعي، مبررة في نظره ونظر دوائر أخرى في العالم، لكونها “ضد التكفيريين”. ولكن من قال إن نصرالله ذاته وفكر الإسلاميين الشيعة غير تكفيري أصلاً شأنه شأن التكفير السني؟

الكفر ليس الإلحاد. وهو اشتقاق لغوي من تقليب الأرض وتربتها لزراعة البذار وردم التراب عليه؟ وهو ماورد صريحاً في القرآن “كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ”، في الآية 20 من سورة الحديد، و”الكفّار” هنا هم المزارعون. فالكفر يعني تغطية الشيء، ومن ثم صار يعني تغطية الإيمان. ليشير إلى مؤمنين يرفضون الاعتراف بإيمانهم. وليس علمانيين ماديين. فهؤلاء لا يغطون شيئاً، بل يعلنون قناعاتهم وعقائدهم دون تورية.

وما دام أهل الكتب السماوية كاليهود ليسوا من الكفار، وكذلك حال المسيحيين الذين لا يعدون من الكفار، ومعهم المذاهب والطوائف الإسلامية التي لا تصنف وفقاً للفكر ذاته من الكفار. فمن هم إذاً الكفرة الذين يحاربهم التكفيريون؟

الخميني تكفيرياً

لنذهب إلى أول اسم يخطر على بال النقاد من غير الإسلاميين، من المتسرعين في فهم في التاريخ وإطلاق النعوت، إنه ابن تيمية الذي يقول في ” اقتضاء الصراط المستقيم ـ الجزء الأول الصفحة212″: “نفرّق بين معنى الاسم المطلق، إذا قيل: كافر، أو: مؤمن ، وبين المعنى المطلق للاسم في جميع موارده، كما في قوله صلى الله علية وسلم : (لا ترجعوا بعدي كفاراً ، يضرب بعضكم رقاب بعض) فقوله: (يضرب بعضكم رقاب بعض)، تفسير الكفار في هذا الموضع، وهؤلاء يسمون كفاراً تسمية مقيدة، ولا يدخلون في الاسم المطلق وإذا قيل: كافر ، ومؤمن). ويقول “إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعيّن، وإن تكفير المطلق لا يسلتزم تكفير المعين” من مجموع الفتاوى 12/487.

أما الكفر فقد وصفه الخميني بقوله “إن الكافر هو من انتحل غير الإسلام، أو انتحله وجحد ما يعلم من الدين ضرورة بحيث يرجع جحوده إلى إنكار الرسالة أو تكذيب النبي أو تنقيص شريعته المطهّرة “.

هكذا، يصبح الإسلاميون في مأزق توصيف الآخر. واتخاذ الموقف الواضح منه. فإن كان الكافر الذي يتوجب قتاله، هو غير المسلم. كما يقول الخميني، فإننا اليوم أمام استحقاق جديد، يتمثل في تحديد من هو “المسلم” الذي ذكره الخميني في تعريفه للكفر؟.

وهذا يعيدينا إلى بداية مراحل الجهاد الطويلة، قبل الوصول إلى القتال. وبعد الدفاع عن النفس. فعبور تلك المراحل، مشقة كبرى على الذات، قبل أن يتفرغ الجهادي للنظر في الآخر وفهمه. إن أراد الآخر الحوار، وتوقف عن مقاطعة المسلمين المؤمنين بالفكر الجهادي لزاماً، فلا يوجد مسلم يحمل عفواً خاصاً عن الإيمان بالجهاد. صحيح أنه فرض كفاية. لكن الإيمان به جزء أساسي من الإسلام. أما وصفه بفرض الكفاية فهو ذاك الذي لا يتعلق بكل مكلف من المسلمين، وإنما الفرض القيام به قياما كافيا من طائفة منهم وليس على الجميع، فإذا قامت به طائفة كافية سقط فرضه عن غيرها، وإن لم تقم به طائفة قياما كافيا، كان فرضا على جميع المسلمين أن يخرجوا منهم من يكفي قيامهم به، ولو لم يكف إلا المسلمون جميعا وجب عليهم القيام به جميعا، ويأثمون كلهم بتركه، فيصبح في هذه الحالة فرض عين لا فرض كفاية”.

الدولة السورية القادمة التي ينطبق عليها القول “دولة للجميع”، لا يمكن أن تنشأ دون نشوء حوار فكري بين المكونات والاتجاهات السورية، قائم على المواجهة والتغييرات المشتركة. والتوقف عن هدم الآخر. وإلا فستبقى “حاكمية المتغلّب” هي الأقوى، سواء مارسها الإسلامي أو العلماني. وهذا لن ينتج سوى دكتاتورية العسكر أو دكتاتورية المتدينين.





Tags: سلايد