Archived: د. يحيى العريضي: إن كنت تدري…

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

سألته: بعبارة موجزة، كيف تصف نظام الأسد؟

قال: ” إنه وكيل خدمات موثوق على درجة عالية من الخبث والمكر؛ فقد خدم هذا النظام تاريخياً المصالح الغربية والإسرائيلية على أحسن وجه يمكن أن يقوم به وكيل مفوض يؤدي وظيفته المنوطة به على أكمل وجه”

تابع ضابط الاستخبارات السابق في النظام: “بالنسبة للغرب كان التعاون الاستخباراتي بيننا وبين أجهزة الاستخبارات الغربية في أوجه، إذ كلما احتاج الأمريكيون إلى التحقيق مع أشخاص بتهمة الإرهاب كانت سجوننا المكان الأنسب للقيام بتلك المهمة.  وكلما رغبت أجهزة الاستخبارات الأمريكية  في الحصول على معلومات عن رجال النظام العراقي السابق كنا نوفرها لها بسخاء منقطع النظير.”

وماذا عن إسرائيل؟ سالته. قال: “بالنسبة لإسرائيل فقد نعمت حدودها الشمالية بسكينة وهدوء كاملين لفترة زمنية طويلة والفضل في ذلك يعود للأسد، حارس حدودها الشمالية.”

***********

تفسر المقدمة السابقة إلى حد بعيد لماذا لم يتطلب الأمر سوى بضع أيام أو أشهر لإسقاط كل من النظام التونسي والمصري والليبي بينما استطاع نظام الأسد إلى الآن أن يُفني أكثر من نصف مليون سوري وأن يقتلع نصف مليون سوري آخر من بيوتهم ومدنهم مع تدمير شامل لما يقارب نصف مساحة البلاد.

تمكن الأسد من النجاة بنظامه عندما سنحت الفرصة المناسبة لرحيله بعد استخدامه للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين الأبرياء في الغوطة في عام 2013 حينما عُقدت صفقة تسليم الأسلحة الكيماوية عبر وساطة روسية بتخطيط إسرائيلي.

وحينما بدأ نظام الأسد باستخدام البراميل المتفجرة ضد المناطق الثائرة كان لابد له من فبركة صورة قاتل قبيح ووحشي بغية التقليل من بشاعته ووحشيته على سبيل المقارنة، وبهذه الطريقة تمت المساهمة  باصطناع داعش ليتم وضع السوريين بين خيارين أشد وحشية من بعضهما البعض، خيار يتمثل في وضع السوريين المطالبين بالحرية بين مطرقة النظام الدموي وسندان داعش المتوحشة.

لكن وبالرغم من مساهمة نظام الأسد في خلق هذا المسخ المتوحش ليبرر وحشيته بالمقارنة مع نظرائه المتطرفين، فإن تلك الحيلة لن تنقذه من مصيره المحتوم، فداعش والأسد وجهان لعملة واحدة.

مع استعار حرب الأسد ضد السوريين  التي تزامنت مع إلانسحاب الأمريكي المتعمد من المشهد السوري، سارع الروس  لملء الفراغ الأمريكي والدولي فشنوا حملة جوية ودعائية زاعمين من خلالها أنهم تدخلوا في سوريا ليلقنوا الغرب  دروساً في كيفية محاربة إرهاب داعش.

لكن سرعان ما تكشفت نوايا التدخل الروسي، إذ تبين بوضوح أن الهدف من حملتهم العسكرية هو ضرب كل من يعادي حليفهم الأسد ولهذا قاموا في هذا السياق بتصنيف كل من يحارب النظام ضمن التنظيمات الإرهابية. ولكي يشرعنوا عدوانهم دعت روسيا بعيد البدء بتدخلها في سوريا إلى عقد مؤتمر دولي وتحويل الانتباه عن القرار الأممي 2118 …….

في هذا السياق بادر الروس إلى عقد مؤتمر فيينا الأول ومن ثم مؤتمر فيينا الثاني حيث سعت كل من إيران وروسيا  إلى تغليب أولوية محاربة الإرهاب على أية مطالب أخرى وتهميش أية محادثات تتعلق بمصير حليفهما الأسد.

في غضون ذلك وعشية إنعقاد محادثات فيينا التي تصادفت مع القمة العاشرة لمجموعة العشرين المنعقدة في تركيا ظهرت بوادرإجماع دولي على أن الطريق الأمثل  لمحاربة الإرهاب واستعادة سوريا إلى درب الحياة الذي  يمر عبر إزاحة الأسد الذي يعتبر مصدراً لكل إرهاب وذريعة لإرهاب داعش وسبباً يقف وراء تدفق آلاف اللاجئين السوريين إلى أوروبا.

وليس من باب المصادفة  بعدئذ أن تتعاقب سلسلة من الهجمات الإرهابية مستهدفة المدنيين في كل من اللاذقية –معقل الأسد –؛وفي برج البراجنة –مكان نفوذ  لحزب الله؛ وفي باريس –عاصمة الدولة الأوروبية الأكثر معارضة لنظام الأسد – قبيل انعقاد مؤتمر فيينا ومؤتمر قمة العشرين في انطاليا بساعات قليلة.

والمفارقة هنا أن داعش أعلن عن مسؤوليته عن هذه الأعمال الإرهابية الثلاثة مما يستدعي إلى الذاكرة القول المأثور ” يكاد المريب يقول خذوني “.

غير أن وجهاً أخر للمفارقة يكمن في واقع افتراض يمكن صياغته على النحو الآتي : مالم تكن القوى الدولية مدركة لألاعيب الأسد فإن تلك معضلة كبرى تتطلب إيجاد حل سريع لها، قد لا يعني ذلك أن  تسمى الاشياء باسمها الصريح وأن يقال للأعور أنه أعور ولكن ذلك يعني بالضرورة الحاجة الملحة لإيقاف هذا “الأعور ” عن قطع المزيد من رؤوس السوريين.

لكن الافتراض الأسوأ في هذه المعادلة يعني أنه في حال كانت القوى الدولية مدركة لهذه الحقائق عن نظام الأسد الإرهابي  فإن استمراره يعني مزيداً من إراقة الدم السوري وأن على العالم انتظار  مزيد من المجازر والفوضى. 

اقرأ:

د. يحيى العريضي: ضرورة داعش



Tags: سلايد