Archived: د. وليد البني: هل كان انسحاباً أم مجرد إعلاناً عن انسحاب؟؟؟

د. وليد البني: كلنا شركاء

أثار إعلان روسيا المفاجئ عن سحب قواتها من سوريا الكثير من التساؤلات حول الغاية من هذه العملية المفاجئة ، وذهبت معظم  التحليلات تقريباً الى اعتبارها نوع من الضغط على النظام ، الكثير من آصحاب النيات الحسنة اعتقدوا أنها عبارة عن تنفيذ لإتفاق أمريكي روسي إقليمي للضغط على طاغية دمشق قبل لقاءات جنيف لدفعه لأخذ هذه المباحثات بجدية، وبالتالي دفعه للقبول بعملية انتقالية ستكون نتيجتها وضع حدا لمافيا الأسد وتحكمها بسوريا من أجل توحيد جهود السوريين والقوى الإقليمية والدعم الدولي لقتال داعش وإعادة الإستقرار الى المنطقة. 

بالنسبة لي لم يكن هذه التحليلات مقنعة تماما ، وقررت أن انتظر لمراقبة أمرين : 

١-سلوك وفد النظام في جنيف ، وتصريحات وفده ومدى المرونة التي سيبديها ، والتي ستكون أول علاماتها الغاء الإنتخابات الكاريكاتورية التي أعلن عنها الاسد و  التعامل بجدية  مع فكرة الإنتقال السياسي والإنتخابات الرئاسية في نهايتها( مصير الاسد).

٢- التصريحات الروسية بعد الإنسحاب . و حجم الإنسحاب الذي سيتم .

سلوك وفد النظام في جنيف : 

ماصرح به الجعفري في اليومين الماضيين واستمرار كلامه الأرعن وتصريحاته الخنفشارية ، التي لم تختلف بشيء عن ما تعودنا سماعه من ممثلي الطاغية منذ جنيف٢ الذي  عقد قبل عامين، وإصراره على رفض مناقشة البند الأهم الذي عقد جنيف من أجله أصلاً ، وهو موضوع الانتقال السياسي، ذلك البند الذي يتوقف عليه وعلى كيفية تنفيذه نجاح أو فشل المسار السياسي برمته، وهو نفس البند الذي طالما أكدت عليه وفود المعارضة كمبرر  لذهابها الى جنيف، وكسبباً وجيهاً لإعطائها  نظام الطاغية كرسيا على طاولة المفاوضات ، وتحويله من مجرم حرب تجب محاكمته في المحاكم الدولية الى  شريكاً في تقرير مستقبل سوريا،  الأمر الذي قبلت به الغالبية الساحقة من السوريين على مضض  أملاً في إنهاء المأساة السورية ووقف شلال الدم السوري المستمر منذ سنوات. 

هذا الاصرار على رفض مبدأ الانتقال السياسي إضافة الى  إصرار النظام على المضي قدما في إجراء انتخاباته الكاريكاتورية لما يسميه بمجلس الشعب، يجعل نظرية الضغط على النظام كسبب لإعلان روسيا سحب بعض قواتها من سوريا ساقطة تماما، فلو أرادت روسيا دفع النظام للقبول بالإنتقال السياسي لما كان له الخيار في القبول أو الرفض ، ولسمعنا كلاما مختلفا من وفده في جنيف. 

التصريحات الروسية بعد الانسحاب وحجم الانسحاب:  

حجم الانسحاب الروسي لم يكن كبيرا على الإطلاق ( بقيت القواعد العسكرية كاملة ، وحوالي أربعين طائرة قاذفة، وألف جندي بين ضابط وخبير ومدرب) . 

أما فيما يتعلق بالتصريحات الروسية فقد غاب عنها تماما أي حديث حول حث النظام على المشاركة الإيجابية في محادثات جنيف ، وركزت على استمرار دعم نظام الأسد ونفي أية رغبة بالتخلي عنه أو دفعه لقبول البدء بمرحلة انتقالية،  يدرك الروس قبل النظام انها ستنهي حكم الطاغية والمافيا العائلية التي يقودها، كما بدأنا نسمع تبريرات من قبل المسؤولين والمعلقين الروس لعملية الإنتخابات التي قرر الطاغية إجراءها، والأهم من كل ذلك  كانت  تصريحات بوتين الأخيرة وهو صاحب الأمر والنهي الوحيد في روسيا، والتي أصر فيها  على عدم وجود أي نية لديه للضغط على رأس النظام ، والذي أكد أيضاً استمرار دعمه له ولقواته ، بل وهدد أن القوات التي تم سحبها ممكن إعادتها خلال ساعات.

إذاً لماذا أعلنت روسيا وبأمر من قيصرها انسحاب جزء من قواتها قبل انعقاد محادثات جنيف مباشرة؟؟؟ 

أعتقد أن سبب هذا الإعلان هو الضغوط التي حاولت الولايات المتحدة واوروبا والسعودية ممارستها على بوتين كي تدفعه للضغط على الأسد للقبول بنقاش مرحلة انتقالية وفق خارطة الطريق التي أقرها القرار ٢٢٥٤.وخاصةً أن السيد بوتين لم يكن ليرسل قواته الى سوريا  لو لا الموافقة الأمريكية وغض النظر العربي،  تلك الموافقة التي اتت بعد أن تمكنت قوات المعارضة من تشكيل تهديد حقيقي على النظام في فترة ما قبل التدخل الروسي مباشرة وخشية بعض الأطراف الدولية والإقليمية من انهيار النظام وتمكن تنظيمات اسلامية  من السيطرة على دمشق. 

لقد أراد السيد بوتين بهذا الإعلان أن يقول للأمريكيين الذين تفاجؤا بإعلان الانسحاب( هو كان اعلان انسحاب أكثر منه انسحاباً) بأن الإتفاق الذي تم بيننا والذي سمحتم لي من خلاله بإدخال قواتي الى سوريا قد انتهى، وأنني هناك اليوم بموجب اتفاقات مع نظام الأسد سمحت لي بإنشاء قاعدتين ، واحدة بحرية وأخرى جوية وعقود نفط وغاز سخية لن يعطيني اياها اي نظام آخر ممكن ان يحل مكان نظام الأسد.

لذلك لا أعتقد أن جولة جنبف الحالية والجولات القادمة ستسفر عن اي نتائج ما لم يتم كسر القواعد الجديدة التي فرضها بوتين على المعادلة السورية ، وهذا قد يتطلب إدارة أمريكية غير إدارة أوباما العرجاء الغير راغبة بأي تدخل فاعل في الشرق الأوسط أثناء فترة ولايتها. 





Tags: سلايد