Archived: إبراهيم الجبين: خيار عادل الجبير الآخر

إبراهيم الجبين: كلنا شركاء

من راقب تصريحات وزير الخارجية السعودي خلال الشهرين الماضيين، وصولاً إلى عتبة جنيف3، وأخبار مناورات “رعد الشمال” السعودية العربية المشتركة في حفر الباطن. سيجد أنه كان يعيد ويكرر جملة وحيدة، دون أن يحاول تجنب قول كلمة واحدة منها، أو تلطيفها أو تعديلها “الأسد لا مكان له في مستقبل سوريا، وسيرحل سواء بالحل السياسي أو العسكري”.

وقد يبدو الأمر نوعاً من بيع الوهم للسوريين، في ما لو تم الترويج لتدخل عسكري سعودي عربي تركي إقليمي في سوريا، دون النظر في أسباب وجوب حدوث هذا التدخل، والتي لا يمكن الفرار منها، فقد بلغ الصراع السعودي الإيراني ذروته. وجاء قطع العلاقات السعودية الإيرانية بقرار من الرياض، ليرسم خطاً نارياً يعبر طولياً مياه الخليج، الذي ما يزال الطرفان يختلفان حتى على تسميته بين خليج عربي وخليج فارسي. خط فصل يعزل دول الخليج عن استمرار بعضها في الانزلاق نحو الهاوية الإيرانية. صراع القطبين الإسلاميين في المشرق. يظهر للمراقبين على أنه صراع مذاهب، ومدارس دينية، وربما اتخذ هذا الصراع شكلاً عرقياً.  وقد وصل مؤخراً إلى حرب حقيقية سواء في اليمن أو سوريا أو في أسواق النفط.

غير أن العامل الأبرز في طبيعة هذا الصراع لم يجر استثماره بعد. وهو ما يبرهن على أن الإدارة السعودية للملف، كانت قد قرأت المستقبل مبكراً. ولم تفاجأ بالأحداث. وهو ما حصل مع بدايات الربيع العربي الذي اتخذت منه السعودية مواقف متعددة ولم تتعامل معه كحزمة واحدة متشابهة. فإرسالها لقوات الدرع العربي إلى البحرين، كان استباقاً لخطوة إيرانية متوقعة. ولو أن دول الخليج العربي تأخرت بعض الوقت. لكانت صورة البحرين مشابهة لصورة سوريا اليوم. وإن كان بعض المتحمسين عاطفياً للربيع العربي، قد رأوا في حراك شيعي يريد إسقاط النظام الملكي (السني) في البحرين، لإقامة نظام دولة الولي الفقيه (الشيعي)، “ثورة” مثلها مثل الثورة المصرية أو السورية أو التونسية أو اليمنية أو الليبية، التي رفعت شعارات تطالب بدولة مدنية (ديمقراطية).

كان السبق السعودي الأول في البحرين. تلاه محاولة لاحتواء الأوضاع في اليمن. بدعم المبادرة الخليجية. ورغبة دول الخليج بحل يرضي الجميع ولا يشطر المجتمع. لكن علي عبدالله صالح لم يلتقط تلك الإرادة التي حرصت على اليمن والشعب اليمني. بل قام بنقل تحالفه سراً من الرياض إلى طهران. ما أدى لاحقاً إلى اتخاذ القرار السعودي بالدرجة الأولى والعربي تالياً بشن “عاصفة الحزم” لاستعادة الشرعية في اليمن وسحق ميليشيات الحوثي وصالح.

حرب بالنيابة

تحولات الداخل السعودي لعبت دوراً هاماً. مع بقاء الاستراتيجية الموجودة غير القابلة للزحزحة. لكن الطرائق والإيقاع والتعبيرات السياسية، اختلفت بتغير القيادة، بعد وفاة الملك عبد الله وتولي الملك سلمان سدة الحكم، ودفعه بالجيل الشاب المتمثل بابن شقيقه ولي العهد محمد بن نايف وزير الداخلية، وولده محمد بن سلمان ولي ولي العهد وزير الدفاع.

يتسرع كثيرون في وصف الموقف السعودي من الربيع العربي، واعتبار أنه، جملة، كان عدائياً ورافضاً للتغيير. في الوقت الذي لم تتردد فيه الرياض بدعم الثورة المصرية والليبية والسورية بكل ما يمكن. بالطبع كان هذا منسجماً وملتزماً بأسلوبها الخاص في النظر إلى الدولة والتغيير الذي يمكن أن يحدث فيها وكيفياته وأنماطه. وكذلك في موقفها من حركات الإسلام السياسي وعلى رأسها الإخوان المسلمين. الذين وللمفارقة، لم يتلقوا دعماً كما تلقوه من السعودية، في جميع نكباتهم. سواء بشكل مباشر بدعم الملك عبد العزيز لحسن البنا عبر الشيخ محب الدين الخطيب. أو بعد ذلك حين صب عليهم جمال عبد الناصر جام غضبه وحكم على قياداتهم بالإعدام في مصر. أو حين شن حربه ضدهم حافظ الأسد في سوريا. فكانت السعودية هي البلد العربي الإسلامي الأكثر استقبالاً للإخوان، فاتحة أبواب مجتمعها ومدارسها وجامعاتها لأعضاء الجماعة بلا أي تحفظ.

لاحقاً، وبعد سنة من الديمقراطية التي أفرط الإخوان فيها إقصاء شركائهم وخصومهم على حد سواء. وبتداعٍ دراماتيكي مرير. اطمأن السعوديون وحلفاؤهم إلى أنه قد تم استرداد مصر من الفخ الإيراني ـ العالمي. الذي بدأت تتكشف تفاصيله مع إعلان الاتفاق النووي الإيراني. المتزامن مع انسحاب أميركا من المشرق.

أرست دول الخليج بقيادة السعودية عمقاً استراتيجياً في مصر. قد لا تكون جميع تمثيلاته كما يريد مؤيدو الربيع العربي. أو حلفاء الإخوان من الخليجيين أنفسهم أو في الشمال حيث تركيا. لكنه في الخلفية يضمن الحد الأدنى الذي تتطلبه طبيعة الصراعات الكبرى في العالم اليوم.

الولايات المتحدة بدورها الذي بدأ يتعرى يوماً إثر يوم، سيما بعد اللحاق بها إلى باب الدار في جنيف 3. كانت إلى جوار دعمها الإعلامي للثورات العربية، وخاصة السورية، تقوم بالدور الأكثر صموداً وتماسكاً طيلة الوقت. والذي تمثّل بمنع دول حاولت دعم الثوار السوريين بالسلاح والمال. وكان على رأس تلك الدول السعودية ذاتها. التي لم تيأس من تكرار ترتيبات رفع مستوى تسليح السوريين. ولطالما وصلت حاويات السلاح المطلوب إلى دول جوار سوريا. ثم قامت واشنطن بنطق كلمة السر التي منعت وبشكل قطعي توزيع أي منها على السوريين. بينما لم تمانع من تخلي نوري المالكي عن عتاد أميركي الصنع في الموصل وغيرها لصالح بضع مئات من مقاتلي داعش.

ولم تشهد مواقف الدبلوماسية السعودية أي لحظة تردد تجاه مطالب شعب سوريا، أوإدنة نظام الأسد، طيلة عهد وزير الخارجية الراحل الأمير سعود الفيصل. وإن بدا للبعض أن هناك تمايزاً ما، إن جرت المقارنة بين الأداء القطري والأداء السعودي في هذا الشأن. وهو ما عاد وتجدّد مع الوزير عادل الجبير. بعد تسوية الخلافات داخل البيت الخليجي.

اليوم لا تستطيع السعودية التسامح مع المواجهة التي فرضت عليها. ولا يمكنها أن تُهزم. وهي بتحريك مسارين؛ سياسي في جنيف3 وما سيليه، وعسكري في مواقع أخرى على الخارطة، إنما تطوّق التهديد الإيراني، مدركة أن السوريين يحاربون لخمس سنوات سبقت، نيابة عنها وعن دول الخليج.

توقفتُ طويلاً عند إصرار المفكر السعودي عبدالله الغذامي على القول إن السعودية “يجب أن تكون محافظة، لأنها تحتفظ بامتيازين ملزمين لها أولاً؛ المكانة الدينية بوجود الحرمين المقدسين مكة والمدينة، والأمر الآخر المكانة القومية العربية، بسبب كونها أصل العرب ومنبتهم”. وقد لا تتطابق الرؤية العروبية السعودية مع المشاريع القومية التي ظهرت في المشرق، من الناصرية إلى البعث وسواهما. غير أنها تمكنت من البرهنة على ثباتها عند هذا المبدأ منذ تأسيسها. وعلى مدى قرابة مئة عام تلت.

الرياض وميثاق دمشق

هذان العاملان، يكبلان الرياض. دافعين باستراتيجياتها نحو حسم الأمور في سوريا، بالضرورة التاريخية والوجودية، أكثر من رفاهية الخيارات السياسية في ظروف السلم. فالتغيير الذي يُحدث التماسك في الجزيرة العربية، يجري إعلانه عادة من دمشق. وكي يقع هذا التغيير لابد وأن تبدأ فصوله في دمشق. لترتد على المشرق كله. كما حين اجتمع شباب من المثقفين في دمشق وخططوا للثورة، في العام 1914. فكتبوا ما عرف باسم “ميثاق دمشق” أو “بروتوكول دمشق”، وهي العهدة التي سلمها أولئك الشباب لفيصل بن الحسين، في زيارته الثانية إلى دمشق خلال مهتمه للتشاور مع المسؤولين الأتراك في استنبول. وتتضمن خريطة للحدود العربية التي تم الاتفاق عليها للمطالبة بالاستقلال عند التفاوض مع البريطانيين.

كتب عن هذا قبل عامين في ذكراه المئوية “حدّدت تلك الوثيقة حدود الدولة العربية في خارطة ونصوص، ووضعت أسس التفاوض مع الإنكليز، وعلى أساسها بدأت المفاوضات مع السير آرثر هنري  مكماهون، الذي اختار الشريف حسين ليتفاوض معه، دون غيره، وكان عمره آنذاك سبعين عاماً، وكان شيطانه إلى جانبه في مكّة والحجاز، لورنس ما غيره، فجرت المفاوضات على شكل خطابات بلغ عددها عشر رسائل، خلال عشرة أشهر. أخطر ما حصل فيها، هو مطالبة الشريف حسين بتنصيب خليفة عربي للمسلمين، بينما لم يأت بروتوكول دمشق على ذكر هذا الأمر، فكانت مطاليبه كالتالي: أن تعترف بريطانيا باستقلال البلاد العربية الواقعة ضمن الحدود التي تبدأ شمالاً: بخط مرسين- أضنة، ممتدًا إلى أورفة وماردين وجزيرة ابن عمر فحدود فارس، وشرقًا: حدود إيران حتى الخليج، وجنوبًا: المحيط الهندي (ما عدا عدن)، وغربًا: البحر الأحمر والأبيض حتى مرسين، بالإضافة إلى إلغاء الامتيازات الأجنبية، وعقد تحالف دفاعي بين بريطانيا والدولة العربية المستقلة، ومنح بريطانيا الأفضلية في الشؤون الاقتصادية.

لكن مكماهون ترك، كل المطاليب، ووافق على مطلب “الخليفة العربي”، وكان يعرف ما الذي يفعله حينها، فأعطى للعجوز المفاوض، الذي بلغ من العمر عتياً ما يلبي رغبته في استرداد إرث الهاشميين في قيادة الأمّة، ليصرف نظره عن مطالب الشباب، ووعده بأن تعترف بريطانيا بالخليفة العربي حين يتم إعلان الخلافة، ولكنه ” حاول إقناع الحسين بإرجاء الكلام في مسألة الحدود المقترحة؛ بحجة أن الموضوع سابق لأوانه.

أرسل الشريف إلى مكماهون في منتصف شهر تشرين الثاني نوفمبر من العام 1915 رسالة قال فيها: رغبة في تسهيل الاتفاق وخدمة الإسلام واجتناب كل ما من شأنه تعكير صفو المسلمين، واعتمادا على نيات بريطانيا العظمى ومواقفها الحميدة. فإننا نتنازل عن إصرارنا على ضم مرسين وأضنة إلى المملكة. إلا أنه تمسك بولايتي حلب وبيروت، غير أن مكماهون بعث إليه برسالة أصر فيها على استثناء حلب وبيروت من الدولة العربية، وحث الشريف على بذل الجهود لإعلان الثورة، فعاد الشريف حسين إلى إرسال مكاتبة أخرى إلى مكماهون يبلغه فيها استعداده للتنازل عن منطقة غرب دمشق وحلب وحمص، على أن يكون من حق العرب المطالبة بها بعد انتهاء الحرب، تجنبًا لإلحاق الضرر ببريطانيا وحليفاتها.

استمر تنازلات الشريف حسين عن هذا البند أو ذاك. حتى وجد نفسه خارج مكة. الأمر الذي يحرم السعودية من أي شيء يمكن أن تتنازل عنه في حربها السياسية وغير السياسية مع إيران وحلفائها في العالم؟.

اقرأ:

إبراهيم الجبين: كيف سيجري التفاوض في جنيف؟



Tags: سلايد