on
Archived: د. محمد حبش: أستاذ النازحين… صفحة من حياة رسول الله…..
د. محمد حبش: كلنا شركاء
لا يوجد إلا تفسير واحد لهجرة السوريين… إنها من الجانب الأخلاقي جريمة مكتملة الأوصاف، يتحمل فيها النظام الجانب الأكبر من المسؤولية، ويتحمل المجتع الدولي جانباَ آخر من المسؤولية في عجزه وفشله عن تأمين ملاذ آمن للسوريين داخل وطنهم يغنيهم عن ذل اللجوء ومخاطر البحر والمرض والموت…..
ولكن الهجرة من الجانب السنني لها دلالات أخرى ولا يجوز أن تتوقف عند حدود اللطم والبكاء…
لقد كانت هجرة الرسول الكريم أيضاً موقفاً مؤلماً أجبره عليه مجرمون قساة، منعوه من حريته وعبادته في أرض مكة، وعذبوا أصحابه، ومسوه في كرامته، وفرضوا عليه الشراد في الأرض، ومع أن ورقة بن نوفل توقع ذلك قبل بدء النبوة ولكن النبي الكريم ظل يقول: أومخرجي هم؟؟ ولم يصدق أن قريشاً أهل الله وحراس بيته سيقومون بجريمة أخلاقية كهذه ويمنعون رجلا من دخول وطنه، وهم يعلمون أنه لا يوجد في الدنيا أحرص منه على حرمة البيت ومجد أهله، ولكنهم أصروا على منعه من المقام بمكة، وأجبروه على الرحيل من بلاده واللجوء عند الغرباء ……
ولكن البعد الأخلاقي لغربته وشراده لم يقف به عند حدود الأسى والأسف والرثاء، وحين كان أصحابه يرثون ببكاء وأسى ذكرياتهم في المدينة، وحين كان منشدهم أصيل يصف بصوته الشجي ذكريات مكة وحاراتها وأهلها، قال له الرسول الكريم بحنان … ويهاً يا أصيل.. دع القلوب تقر.. اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة…
وحين كانت نساء المهاجرين يقلبن أبصارهن في وجهه يكاد يقتلهن الحزن والأسى من حرمانهن من بيوتهن وأوطانهن وذكرياتهن… لم يكن يجد ما يجيبهن إلا الأمل… والرضا بقضاء الله…
لم تكن كل أيام هجرته عسلاً ونعيماً، وأغنية طلع البدر علينا التي طالعته بها صبايا المدينة لم تكن هي كل الحقيقة، ولم تكن المدينة ورداً وفرحاً وأغنية…. فقد ظهر في المدينة حزب كاره للغرباء، يطالب باخراجهم من المدينة واعادتهم لارضهم، وقدم اعضاء معروفون في هذا الحزب دراسات لئيمة تثبت ان المهاجرين تسببوا في وهن اقتصادي كبير، وفوتوا فرص عمل لابناء المدينة وأنهم تسببوا في تقويض أمن المدينة وباتت قريتهم الوادعة مهددة من جيوش قريش وحلفائها بين الحين والآخر….
استمر هذا الموقف اللئيم صعودا وهبوطاً، وانتقل من مجلس إلى مجلس، وبدأ همساً ثم صار علانية، وفي يوم أليم وفيما كان الرسول عائداً من المصطلق اختصم انصاري ومهاجر على بئر المريسيع ووقع بينهما شر، وأوشك أهل المدينة أن يبطشوا بأهل مكة وانفجر رئيس الحزب العنصري بتصريح لئيم تناقلته كل وسائل الإعلام آنذاك يقول فيه: أو قد فعلوها؟؟!! كاثرونا في مالنا وأرضنا وبلدنا حتى نازعونا ماءنا!!! إنها والله خيبتكم يا أهل المدينة… أسكنتموهم بيوتكم وأوطأتموهم فرشكم حتى غلبوكم على بدلدكم وأرزاقكم، ولو حبستم عنهم ما بأيديكم لتحولوا عنكم… وفي تحدٍ جلف لئيم قال: ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كمثل القائل سمِّن كلبك يأكلك…!!!
كأني أنظر إلى المدامع في مآقي شرفاء مكة وهم يسمعون إهانة لئيمة من هذا النوع تطال أول ما تطال نبيهم وكرامتهم وتاريخهم ….
كانت مشاعر الاسى والغصب تملأ قلوبهم تجاه حكامهم الأشرار من قريش الذين وضعوهم في مكان الذل هذا، على الرغم من أنهم أصحاب حرم الله وذؤابة بني هاشم وبني المطلب….
لقد كانوا يسمعون ذلك كله ويرون بأعينهم اموالهم وأرزاقهم التي تركوها بمكة وقد تحولت نهباً بيد زعران قريش يمضون بها في تجارة فاجرة إلى الشام ويقتسمون بدون حياء ولا خجل أموال النازحين التي تركوها على أمل العودة بعد شهر أو شهرين….
وكان أشد ما يؤلمهم أولئك البائسون الذين لم يستطيعوا الخروج من مكة وعلمت قريش بنواياهم في الانشقاق، أو توقعت انشقاقهم فأوثقتهم بالحديد، وجعلتهم للناس نكالا، وقام أبو جهل بربط عياش بن ابي ربيعة حين هم بالانشقاق وأوثقه أشد الوثاق ودخل به مقيداً على مكة، وقال يا معشر قريش هكذا فافعلوا بصبياكم وسفهائكم.
كل هذه المآسي كانت ترتسم بين أعينهم، وكانت نظراتهم تتقلب بين الأرض والسماء، حتى استيئس الرسول والذين آمنوا وظنوا أنهم قد كذبوا…….
ولكن الرسول الكريم وقف جباراً في مواجهة أقداره، وقال لاصحابه قوموا فلا وقت للبكاء إما البكاء للعاجز، ولن نهلك من عجز وبؤس، وعلى الرغم من تآمر الأشرار على رسالته، وتمكنهم من إخراجه من أرضه ووطنه، ولكنه لم يشا أن يتوقف عن الحياة وانطلق يبني المدينة ويطلق فيها برامج الأمل والتفوق والنجاح…
لم يشا أن يحعل دار هجرته قاعة انتظار كئيبة يكتب على جدرانها إنا لعائدون، ولم يعلن في صحبه ان النوم حرام حتى تسترد الارض والزرع والضرع، ولم يقسم أنه لا يشرب باردا ولا يطعم حارا حتى ينتزع حقه من قريش!! ….
لقد قرا واقعه من أفق آخر.. وبدأ مشوار الحياة من جديد ونظر إلى الهجرة في إطار سنني، وانها قانون الله في التدافع ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض … وأصبح يرى في هذا الكفاح لوناً من دورة الأرض الجديدة ، وأن مكانه في مسرح الحياة قسم مرسوم ولم ينظر إليه على أنه سجن من زقوم، وراح يعمل على صناعة الحياة….
يثرب القرية الوادعة من حوله أطلق فيها برنامجا طموحا للحياة، والخيام التي نزل بها أصحابه تحولت إلى ورشات عمل وإرادة، وأطلق صاحبه طلحة بن عبيد الله وزيراً للري والزراعة ودفع إليه أهل الصفة من الفقراء، ليبدأ بهم برنامجا طموحا في الاحسان إلى الأرض، وخلال عام واحد حفر أربعة وخمسين بئراً، وبدأ ري البساتين في المدينة بالجوابي والقنوات بعد أن كانت تروى بالناضح، ونزل معهم إلى بساتينهم وساهم معهم في راعة الأرض ونحج مرة وأخفق مرة، وأمرهم بالجد في العمل، واعترض على قيامهم بالتأبير وظنه من وهم الجاهلية فلما تركوه لم يحمل الا شيصاً، وتقبل خطأه بروح رياضية وقال لأصحابه بكل شجاعة أنتم أعلم بأمور دنياكم مني!!! وأطلقها قانوناً عقلانيا رائعا يحكم كفاحه وكفاح من بعده.
وبدأ بمشروع طموح لم يتم من قبل في أي مكان آخر في جزيرة العرب وأمر تميم بن أوس الداري أن يسرج في عوالي المدينة ودفع اليه أصحابه من المهاجرين الذين لم ينجحو في بناء أسر، ونجح في تنوير المدينة بالكهرباء والسرج، وصارت كأنها قطعة قمر، ولأول مرة وبكل ثقة واقتدار أعلن أننا أنهينا عصر القرية ودخلنا عصر المدينة، وأن البلدة الوادعة صارت منذ الآن عاصمة الفعل الحضاري في جزيرة العرب، ومن حقها أن تسمى بالمدينة، ولم يكن في جزيرة العرب مدينة أخرى، وبذلك حقق لارض هجرته ترقية فريدة ونقلها من عضو في نادي القرى، حتى تجاوز بها أم القرى نفسها ومنحها لقب المدينة.
في المدينة كانت حياته وعمله وأمله، لم ينطفئ في قلبه الشوق لمكة، ولكنه لم يتوقف عند مشاعر الشوق، لم يعش يبكي أطلالها كالعذارى، لقد قام بكل ثقة ببناء الحياة، وبادلها البسمة والأمل والعمل.
ولك تكن كل أيام تأتي على هذا النسق من النجاح، فقد ذاق حلوها ومرها، وحين قام ذات يوم يبشرهم بكل أمل وفرح أنهم ذاهبون إلى البيت الحرام مقصرين ومهللين أقبلوا معه يملؤون الوادي تكبيرا واشتعلت قلوبهم بالشوق لمكة التي فارقوا قبل سنين ثمانية وراحوا يبشر بعضهم بعضا باسترجاع بيوتهم وأموالهم والعودة الى بساتينهم وذكرياتهم… ولكن قريش قلبت حساب الحقل على حساب البيدر وأعلنت أن أحكاما بالإرهاب تنتظر هؤلاء المتآمرين الخارجين على القانون، وأنه ما من ملاذ آمن لهم، وأن مكة حرم الله لا تؤوي المارقين، وعليهم أن يعودوا من حيث جاؤوا أو يواجهوا محاكم الإرهاب والزندقة!!
يروي كتاب السير نصوصا كثيرة من اعتراضات الصحابة على الموقف البراجماتي الذي اتخذه الرسول لجهة التخلي عن دخول مكة على الرغم من أنها كانت على مرمى حجر، ولكنه تمسك بموقفه وعاد بنصف صلح ونصف عهد ونصف نجاح على الرغم من الحرج الشديد ولم يتمكن تحقيق وعده لهم ان يطوفوا محلقين ومقصرين .
وحين نجح في النهاية أن يستعيد مكة، ونزل زعران مكة عن مواقعهم لأشرافها، لم يشأ أن يعود لمكة ويهدم ما بناه في المدينة، وقال لأهل المدينة المحيا محياكم والممات مماتكم يا معشر الأنصار، واختار العودة إلى المدينة حيث بدأ مشروعه منذ عشر سنين وآن له أن يقطف ثمرات كفاحه وعطائه وعمله.
وحين جاءه الأجل لم يشأ ان يأمر بحمل رفاته لمكة، ليسكنها بين الركن والمقام، ويحعلها للناس صلاة وجحا، لقد تجاوز ذلك كله، وتصرف بمنطق أن الأرض الله وان العباد عباده، وأن هذه القرية الكونية هي بيت ابن آدم… وأن أرضها وماءها وهواءها سواء، وأنه في كل الدنيا هناك أهل وحبايب، وفي كل مكان أهل حسد وغيظ.
في النهاية فقد كانت تطوف بخاطره تصريحات الفريق العنصري الكاره لوجوجه ووجود اصحابه بيثرب، والمواقف اللئيمة التي واجهه بها الزعيم الخزرجي ابن سلول الذي كان قومه يعدون له الخرز ليكون ملكا على يثرب، لقد أصدر الرجل كل ما يخظر ببالك من تصريحات جاحة قاسية لئيمة، وألقاها عن عمد في مسامع المهاجرين وخواطرهم المكسورة، ولكنه اليوم رحل وبقي المهاجرون، وجاء جيل جديد اولهم ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي يتمسكون بالمهاجر الأول وأصحابه، ويعتزون بوجودهم على مدينتهم وأنه حمل إليهم البركة والخير والنور، وأصبح المهاجرون شركاء في الارض، ونالوا جنسية المدينة شركاء كاملين، تماما كما تصنع الأمم المتحضرة في القرن العشرين وانكفأ بكل خيبة ذلك التيار الشوفيني العتصري الكاره للمهاجرين.
ليست هذه المواقف رواية توثيقية في السيرة النبوية، إنها تأملات أهديها للسوري التائه في الأرض، المهاجر إلى حيث لم يكن يريد، وبإمكانك أن تعتبر القصة قصة نجاح، مارسها نازحون في ظروف قاسية وتفلبوا فيها على الغربة والظلم والقهر والصدود.
لم يتغير شيء فالتشريد جريمة بشعة من الجانب الأخلاقي، ومن سلب الناس بيوتهم وأموالهم واعتقل أحباءهم وعذبهم، فقد ارتكب أبشع أنواع الظلم، ولكن الرسول الكريم لم يشأ أن يعالج الظلم باللطم والتكبير والبكاء على البكاء، ونظم قصائد الأسى والأنين… لقد تصرف كبطل وصنع قدره بيده، ولم يترك وقتا للاحزان لقد قام يصنع الحياة، ولم يشأ أن يعد للعودة منهكاً بائساً، يحطمه الحوع والإحباط، ولم يشأ أن يمضي أيامه يتسول على أبواب مكة… لقد فارقها كارها مرغما ولكنه عاد اليها قويا متينا، وأجبرهم على أن يقلبوا ابتساماتهم الصفراء الماكرة إلى عبارات توبة واعتذار، وقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم…. وسقطت في لحظة واحدة كل البروباغندا التي فجروها ضد شخصه الكريم، وسقطت أحكام الإرهب والخيانة والزندقة التي علقوها على باب الكعبة يتهمونه فيها بالزندقة والفساد في الأرض.
السوريون اليوم في كل مكان…. ونحن على وشك أن نطلق ديواناً يسجل فيه إبداعاتهم في الأرض… وكلي أمل أن يكون المهاجر الذي يقرأ هذه السطور واحدا من اولئك الذين ندخلهم قوائم صناع الحياة في قطار القهر.
Tags: سلايد