on
Archived: د. محمد حبش: المسار الثاني… على هامش لقاءات زيوريخ
د. محمد حبش: كلنا شركاء
أولاً ليس لهذا العنوان علاقة بالطريق الثالث الذي يتناوله كثير من السوريين باستخفاف على الرغم من أنه أنبل مشروع حقيقي حاول أن يوقف الانهيار المريع في تاريخ سوريا قبل أن تقع الكارثة، وظل يصرخ في وجه النظام على شفير الوادي: اوقفوا جنون المخابرات قبل أن يأتينا كل مجانين الأرض، وأن لا أحد سيربح في هذه الحرب المجنونة وأننا ذاهبون إلى الكارثة، وأن النار لا تطفأ بالنار، وأن الرصاص أطرش والبرميل أعمى والظلم ظلمات والثأر ماكر والجوع كافر، إلى آخر مراثي عصر العقل.
أما المسار الثاني الذي أقصده فهو مجموعة من الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها عادة شخصيات وطنية ومنظمات دولية ليس لها مواقع رسمية في النظام أو المعارضة أو الدول الراعية، وتتولى رعاية الجهود الداعمة للمسار التفاوضي وتشجيع الأطراف التي تباشر الصراع والتفاوض على إتاحة مساحة أكبر للعقل والحكمة، وتشجيع كل خطوة ايجابية تحقق تقدماً في التفاوض وبالتالي محاولة تجنب العثار والسقوط في الجوانب السلبية من التفاوض.
وفي كل صراع دولي فإن هناك جهداً غير منظور لرجال السلام الذين يعملون في ظروف مختلفة بقصد تحقيق الممكن من العدالة ووقف الحرب، وحين تمت مناقشة الربيع العربي في كواليس جائزة نوبل وقع الاختيار على الرباعي التونسي الذي عمل في اطار مسار ثان وتمكن أن يحدث تأثيراً إيجابياً على الأحداث وأن يدفع نحو نهاية سعيدة لأخطر منعطف في تاريخ تونس، وأن يحقق الاستثناء الوحيد في البلاد التي نكبها الربيع العربي وأعادها الاستبداد والقهر الى ظلمات العصور الوسطى.
والمسار الثاني الذي ينطلق في زيوريخ بمشاركة عدد من الشخصيات السورية والدولية ليس إلا جهداً واحداً ينتظر أن تصاحبه جهود كثيرة من كل سوري يغار على بلاده ويعمل لأجل الخلاص.
وفي الواقع فإن جهود المسار الثاني لم تتوقف خلال السنوات الأخيرة، وتمكنت منصات المسار الثاني من جمع قادة المعارضة وقادة الثورة وفريقاً ممن يمثل وجهة نظر النظام، وأطرافاً دولية مهتمة بالمسالة السورية، ودارت حوارات انتهى كثير منها الى لوبيات ضغط أو إلى مشاريع إغاثة وتعاون وتواصل، وأزعم أنها أسهمت في إقناع زعماء مجموعة السبعة عشر الراعية لمؤتمر فيينا بوجوب حل القضية السورية ووضع حد لجنون الحرب.
ومن هذه المبادرات نعد مبادرة مركز بروكينغ ومركز سويس بيس وأديان من أجل السلام وغيرها من المنظمات التي قادت مفاوضات جيدة في أوسلو وفيينا واستوكهولم وجنيف وغيرها من العواصم العالمية.
وليس هدف مقالي هذا تقديم رواية صحفية لما يجري من الحوارات، بل هو دعوة السوريين لاستنفار شامل على مستوى المسار الثاني لدعم مسيرة التفاوض والحل السياسي التي ستبدأ خلال أسابيع، والتي تنطلق وسط غبار معارك شرسة فرضها من جديد التدخل الروسي وولع من جديد شهوة النظام الدموية في الحل العسكري وإذلال الناس وشهوة الانتقام والثار من كل سوري خارج عن الطاعة.
قبل أسابيع جمع بشار الأسد فريقه الحكومي والعسكري وكان مضمون اللقاء لقد نجحنا في إدخال الروس الى سوريا، الجيش الروسي الجبار ليس قادما لينهزم، ولا ليعقد صفقات ديمقراطية ومصالحات ناعمة مع الثوار، هو قادم ليفرض نفسه لاعباً أساسياً في العالم وقطباً أول، وسوريا هي فرصته وملعب قوته… الكلام عن سلام ومفاوضات ومصالحات أصبح من الماضي، ومع أننا سنشارك في هذه المسرحيات وفق اللعبة الدبلوماسية، ولكن هناك فقط حسم عسكري وليس أمام المدن الثائرة إلا الاستسلام أو مواجهة الموت!!
في ظل واقع كهذا فإن التفاوض لإنهاء الحرب على أسس عادلة يبدو في وضع أكثر قتامة وبؤساً، وقبل أسابيع كانت فرصة نجاح المفاوضات أكبر مما هي عليه الآن عدة أضعاف، فبعد الرياض وقع الصدام الروسي التركي العلني وانتهت سنوات المجاملة والتكاذب، وضربت أعناق مؤيدي إيران في الرياض، وقطعت العلاقات وطرد السفراء وضربت طبول الحرب على طول البوابة الشرقية للوطن العربي المنكوب مع الجار الفارسي الهائج، وأصبح كل شيء في المنطقة على كف العفاريت، ولا أحد إلا الله يدري إلى أين تتوجه الأيام القادمة.
إنها تطورات توجب علينا التوحد في مواجهة التحدي الذي يزداد كل يوم شراسة ولؤماً، ولا نملك من أسباب قوتنا الا الاعتماد على هذا الشعب الصابر وعزيمته وإرادته.
المسار الثاني ليس هو جهد المنظمات الدولية، هو أيضاً جهدك أنت وصوتك أنت وسعيك أنت، فالمفاوضون في النهاية بشر ينتظرون ثناء الناس ويسعون الى تجنب سخطهم، ولديهم كما سائر الناس رغبات بالنجاح والتوفيق وإنقاذ البلاد، ولا أحد يعمل إلا وهو ينتظر الثناء، وليس في رغبة عاقل أن يلقى الصدود والجحود عندما يقدم ما يعتقده خيرا للناس.
إنني آسف أن تأتي مقالتي على هذا النسق من الوعظ وأخشى أن أتهم بالفوقية والانفصال عن الواقع، ولكنها عقيدتي ومبدأي أن تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام.
ومع ذلك فلا أجد أدق من كلمة النبي الكريم لأوجز مقالي هذا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.
Tags: سلايد