Archived: د.محمد حسن كيوان: الـJet-ski و باصات “الحرب على الإرهاب”

د.محمد حسن كيوان: كلنا شركاء

بعد هجمات باريس بساعات، بثت محطات التلفزة الفرنسية شريط فيديو صور في سوريا (في حريتان عام 2013) يجري فيه المدعو “عبد الحميد أباعود” مقابلة و هو يسوق سيارة “بيك آب” دفع رباعي، و يتذكر نفسه “أيام الضلال”:
“الحمدلله ، فسابقاً كنا نجر وراء سياراتنا موتورات الـ Jet-ski (موتورات التزلج على الماء)، و الـ Moto-cross (نوع من الموتورات الرياضية التي تتسلق الجبال و الكثبان و الرمال)، و عربات “الدباّب” الرياضية، و نجر مقطورات صغيرة مليئة بالهدايا التي نذهب بها في العطلة إلى المغرب”.

يتابع باعود كلامه واصفاً “توبته” هذه التي تأتي على حساب رقاب أبناء الشعب السوري الذين لم يسمعوا في حياتهم كلها باسماء هذه المعدات الرياضية الترفيهية :

 
“أما الآن، فقد أنعم الله علينا و أصبحنا نعيش في أرض الجهاد و نجر بدلاً من ذلك، جثث الكفار و المرتدين.”

و هنا ينتقل المصور إلى خلفية البيك آب التي يسوقها أباعود، فنرى أنها فعلاً تجر 8 جثث من مقاتلي الجيش الحر أو المدنيين السوريين و لتلقيهم في إحدى المقابر الجماعية التي خصصت لهذا الأمر.

الجهادي البلجيكي ـ المغربي عبد الحميد باعود هذا، و هو الذي تصفه بعض وسائل الإعلام بأنه أحد مخططي ومنفذي هجمات باريس، هو نفس الشخص الذي قتلته شرطة التدخل السريع الفرنسية في الشقة التي كان يختبئ فيها في ضاحية سان دوني الباريسية الشهيرة.

على أي حال، و مهما بلغت سرعة شرطة التدخل السريع الفرنسية، إلا أن بشار الأسد قد فاقها سرعة  بمراحل عندما ظهر على شاشات التلفزة الفرنسية قبل مرور 12 ساعة على هجمات باريس محاولاً استغلال الهجوم الإرهابي لمصلحته و موبخاً الرئيس الفرنسي على ضعفه و عدم قدرته على “حماية المدنيين الفرنسيين”. ولا داعي في هذا الموضع للحديث عن قدرات هذا الرجل “الفذة” في حماية المدنيين و الاستجابة إلى هواجسهم الأمنية (فخرائب المدن و القرى السورية شاهد حي على ذلك). على أي حال، و كما درجت العادة في هذه اللحظات، يسوق الأسد نفسه كالمحارب الوحيد القادر على دحر الإرهاب في حال تمت إعادته إلى حظوة الدعم الغربي.

وواقع الأمر أنه، و منذ تفاقم أزمة اللاجئين في القارة الأوروبية في أواخر الصيف الماضي، بدأت الأصوات المطالبة بـ”الحديث” مع بشار الأسد بالارتفاع في أوروبا عامة وفي فرنسا خاصة حيث كثفت شخصيات مختلفة من مختلف أطياف المعارضة الفرنسية من حملاتها على السياسة “المتصلبة” التي كان يتبعها الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند.

و تمتد هذه الحملات (التي تشمل نواب في الحزب الاشتراكي الحاكم) من أقصى اليسار، حيث طالب جان لوك ميلانشون (زعيم جبهة اليسار) بتفعيل الاتصالات مع بشار بحجة ضرورة التعاون للقضاء على داعش، إلى أقصى اليمين، إذ ما فتأت زعيمة الحزب المتطرف اليميني الفرنسي (الجبهة الوطنية)، تطلق منذ سنوات، التصريحات الداعمة لبشار الأسد، فهو برأيها “ديكتاتور” و لكن ليس “بربرياً”، مروراً برئيس الوزراء الفرنسي الأسبق فرانسوا فيون (أحد وجوه حزب “الجمهوريون” اليميني) الذي ظهر عدة مرات على الإعلام الفرنسي بعد الهجمات في باريس، و دعا الرئيس هولاند إلى التعاون مع بشار الأسد و فتح السفارة الفرنسية في دمشق و استئناف العلاقات الأمنية و السياسية مع النظام.

“ترقية” الأسد إلى رتبة العبادي؟

و على الرغم من انتشار هذه الأفكار تبدو فعاليتها محدودة عند تفحص أداء حكومة العبادي في العراق في مواجهة داعش.

فالعراق أكثر استقراراً من سوريا و الجيش العراقي، رغم ضعفه النسبي و تفككه، يظل في حال أفضل من ما تبقى من جيش بشار الأسد الذي لا يستطيع استرجاع جوبر أو داريا المحاصرة منذ سنوات. بالإضافة إلى ذلك، العراق بلد غني يملك موارد نفطية أكبر بكثير من سوريا، تمكنه من التزود بالسلاح و التدريب و حشد المقاتلين و شراء الولاءات لمواجهة داعش.
و لكن و رغم الدعم الدولي الذي حظيت به حكومة العبادي بعد أن تم تقديمها على أنها أكثر تمثيلاً لمكونات الشعب العراقي، لم ينجح العبادي بالحصول على الإجماع الوطني المطلوب. و يبدو، حتى الآن، أن الحكومة العراقية عاجزة عن استقطاب الشرعية الشعبية اللازمة لدحر داعش من المناطق الغربية (السنيّة) في العراق و بناء بديل سياسي يمثل كل مكونات الشعب العراقي.

وقد جردت حكومة العبادي عدة حملات (آخرها الحملة الحالية على الرمادي في الأنبار) لاستعادة المدن التي تسيطر عليها داعش، لكن تبقى نتائج “حملات التحرير” هذه غير مشجعة أبداً، و ما تزال هذه المناطق مدمرة بالكامل. مثلاً في مدينة جرف الصخر على ضفاف الفرات (مدينة ذات غالبية سنية تبعد 80 كيلومتراً فقط عن كربلاء(، أطلقت الحكومة العراقية الجديدة (حكومة العبادي) بعيد تشكيلها حملة عسكرية تحت اسم “عملية عاشوراء”  لدحر داعش من المدينة بالتعاون مع قوات الميلشيات الشيعية (فيلق بدر) و دعم عسكري إيراني (بقيادة الجنرال قاسم سليماني) و قصف جوي أميركي. تمكّنت هذه القوات من إخراج داعش من المدينة لكن، و رغم أن الحكومة العراقية أعلنت المدينة “منطقة آمنة” منذ حوالي السنة تقريباً، إلا أن أحد من سكانها لم يجرؤ على العودة إليها لأنهم اُعتبروا حاضنة شعبية لداعش و لذا كان عليهم الاختيار بين الهرب مع قوات داعش أو الارتماء في مخيمات اللجوء. و فرص التحسن تبقى مرهونة باتفاق حكومة العبادي مع ممثلي العشائر السنيّة (1).

و في تكريت، و هي المدينة الأكبر التي استعادتها الحكومة العراقية و حلفائها من ميليشيات إيرانية و عراقية من سيطرة داعش، تمّ احراق أحياء كاملة تقريباً من المدينة و أجزاء كبيرة من السوق المركزي بعد التحرير انتقاماً من مجزرة سبايكر التي قتلت فيها داعش مئات من طلاب القوات الجوية العراقية الشيعة بعد دخولها للمدينة. و نتيجة لذلك، لم يعد السكان للمدينة رغم مرور أكثر من 7 أشهر على استعادتها (2).

و في مدينة ربيعة (محافظة نينوى) الحدودية مع سوريا، تمكّنت الميليشيات الكردية من دحر داعش من المدينة، و لكن الاستقرار و السلم الأهلي ما يزالا بعيدي المنال، إذ بعد فترة قصيرة من خروج داعش من المدينة، تعالت أصوات شكاوي السكان العرب (عرب شمّر) من الانتهاكات التي يقولون أن الميليشيات الإيزيدية ترتكبها ضدهم بعد اتهامهم بالانخراط  في صفوف داعش بالجملة (3) و ماتزال المنطقة، حتى الآن، تعيش التبعات الاقتصادية و الأمنية و الاجتماعية لهذا الصراع (4).

وفي الأنبار، بدأت المعركة قبل عدة أشهر، و لكن التقدم كان بطيئاً بسبب حالة التخبط التي أثارتها البلاغات المتكررة التي أذاعتها الحكومة العراقية معلنةً في كل مرة أن سقوط الرمادي أصبح وشيكاً. و الأمر الأكثر إثارة للبلبلة كان ما تناقلته وسائل الإعلام أواخر شهر تشرين الثاني نوفمبر عن طلب الحكومة العراقية من سكان الأنبار إخلاء مدينتهم وهم يرفعون الرايات البيضاء لأنها ستقصف. لاحقاً، حاولت الحكومة العراقية إصلاح الموقف و تحدثت عن توفير ممرات آمنة للمدنيين و عن عزمها على تحرير المدينة  بالإعتماد على القوات الحكومية النظامية دون الاستعانة بالميليشيات الشيعية المسلحة و ذلك سعياً لتجنب تكرار الانتهاكات التي حدثت في تكريت عندما دخلتها هذه القوات. و تدور في هذه الساعات معارك شرسة بين جهاز “مكافحة الإرهاب” العراقي و مقاتلي داعش داخل مركز مدينة الأنبار و قد تمكنت أعداد من المدنيين من الهرب من المدينة. أما مسألة عودتهم إليها فعلينا انتظار الأشهر القادمة لمعرفة مآلات هذا الأمر.

و بمقارنة ما سبق مع الحالة السورية، يبدو واضحاً أنه حتى و لو تمت إعادة تأهيل بشار الأسد و “ترقية” نظامه دولياً ليصبح في منزلة مشابهه إلى حالة الحكومة العراقية، فإن وعود بشار بالقضاء على الإرهاب تبقى وعوداً بلهاء دون أي أمل في التحقيق. و الأسوء، أنه على العكس من الحالة العراقية، حيث تنحصر داعش في الزاوية الشمالية الغربية من العراق، تسيطر داعش على مركز الخريطة السورية و تقف على مشارف المدن الرئيسية في حلب و حمص و حماة و حتى العاصمة دمشق. و بينما تتحكم داعش بحوالي 15 بالمئة فقط من صادرات النفط العراقي، تستحوذ في سوريا على حوالي 60 بالمئة من الصادرات السورية التي ينجح في تسريبها إلى السوق الدولية بسهولة و بأسعار زهيدة و منافسة (باعت داعش النفط السوري بـ 18 دولار فقط عندما كان سعر البرميل يصل إلى 107 دولار (5)). بالإضافة إلى ذلك، يتمتع التنظيم بموارد دخل أخرى مثل الزراعة حيث تقدر إحدى الدراسات إجمالي الدخل الذي تستطيع داعش تحصيله من تجارة القمح و الشعير بـ 200 مليون دولار و ذلك بعد افتراض أن التنظيم يبيع هذا المحصول بنصف سعره الأصلي (6; 7). و التجارة  بالآثار (استناداً إلى بعض التقارير، تُقدر أعداد القطع الأثرية السورية المنهوبة التي عُرضت للبيع في بريطانيا أوائل سنة 2015 بما يقارب المئة قطعة (8)). كذلك، و على العكس من العبادي الذي يستطيع تقديم الوعود بالاعتمادعلى الجيش النظامي العراقي، شكلياً على الأقل، و الإقلاع عن الاستعانة بالميلشيات الشيعية، يبدو مجال المناورة في سورية ضيقاً جداً، إذ ثبت عجز الجيش السوري (المكروه أصلاً من غالبية السكان) عن التقدم دون دعم الميلشيات اللبنانية و الأفغانية و الإيرانية و العراقية الحليفة له.

عدو ضروري

و على الرغم من العداء الظاهر بين الطرفين (النظام و داعش)، يبدو أن كل منهما يعتبر الآخر ضرورة مرحلية ملحّة، فمن جهته، يستخدم بشار الحرب المتفرضة على داعش و الإرهاب كذريعة لتأجيل موضوع الحل السياسي و تبقيه جاثماً إلى الأبد على تل الخرائب السورية من خلال تكريس معادلة “إما أنا أو داعش”.

أما داعش فترى في بشّار عدواً مثالياً يحقق كل صفات الخصم المثالي التي تنص عليها الكتب و المنشورات التي بشّر بها منظرو الجماعة منذ زمن ليس بالقصير. و لعل كتاب “إدارة التوحش” لأبي بكر الناجي هو أحد أبرز هذه الكتب. يعتبر الناجي في هذا الكتاب، أن توحش النظم العربية و دمويتها في قمع شعوبها في سبيل الحفاظ على نفسها هو بحد ذاته ما يقوض سيطرة هذه النظم ويثير الشعوب عليها و يقضي على بنيان الدول. ثم يأتي دور “الدولة الإسلامية” التي يتوجب عليها عندها وأد كل بديل  بشكل ممنهج بغرض تقديم المشروع السياسي الوحيد البديل عن للنظام. و بذلك يتحول المشهد إلى حرب بين “فسطاطين” (صيغة المثنى من كلمة فسطاط) لا ثالث لهما (النظام و داعش) تنتصر فيها داعش و تسقط الدول بسهولة في يدها كثمرة ناضجة (9).

و باستمرار لعبة  “إما الأسد أو داعش” هذه التي يلعبها الجميع في الشرق و الغرب، يسقط الشعب السوري من الحسابات فإما أن  يجره “التائبون” بسيارات البيك آب إلى المقابر أو تجره قوافل الأمم المتحدة إلى خارج “الوعر” الحمصية أو تدفعه البراميل المتفجرة اليومية إلى قوارب المطاط باحثاً عن الأمان في أوروبا حيث تنتظره مشاكل البطالة و اليمين المتطرف. و لا يبدو قرار وقف إطلاق النار الذي صدر قبل أسابيع في مجلس الأمن قادراً على تحرير السوريين من هذه اللعنة و قد أكد سلاح الجو الروسي على هذه الحقيقة عندما قام بارتكاب مجازر ضد المدنيين في ادلب و الغوطة بحجة ضرب داعش، قبل حتى أن يجف حبر القرار الأممي. و في ذات الوقت، تُقدم الدبلوماسية الروسية اتفاقاً مريحاً لداعش يقوم النظام بموجبه بإجلاء أربعة آلاف من عناصر التنظيم إلى الرقة بباصات النقل الداخلي الحكومية الجديدة بينما يموت  المحاصرون في مضايا من أجل  كسرة من الخبز.

المراجع
  1. التميمي, محمد. العبادي يسعى لتشكيل جبهة تدعم إصلاحاته. الحياة. 2015.
  2. Canada, Radio. Reprise à l’État islamique, Tikrit n’est plus que débris بعد تحريريها من داعش، لم يبق من تكريت سوى الحطام. 2015.
  3. السامرائي, نزار. الهجوم البري على تنظيم الدولة.. السياقات والمآلات. http://www.aljazeera.net/. [En ligne] 2015. [Citation : 1 12 2015.] http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2015/2/11/%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D9%82%D8%A7.
  4. فندي, أمير. منطقة ربيعة في العراق تنهكها حرب البشمركة و تنظيم الدولة. Al Jazeera Arabic. [En ligne] 2 8 2015. [Citation : 1 12 2015.] https://www.youtube.com/watch?v=6UJNusREYpo.
  5. Fayad, Ma’ad. ISIS in control of 60 percent of Syrian oil: sources. http://english.aawsat.com/. [En ligne] 11 July 2014. [Citation : 1 12 2015.] http://english.aawsat.com/2014/07/article55334174.
  6. Brisard, Jean-Charles et Martinez, Damien. ISLAMIC STATE: THE ECONOMY-BASED TERRORIST FUNDING. s.l. : Thomson Reuters, 2015.
  7. Humud, Carla , Pirog, Robert et Rosen, Liana. Islamic State Financing and US Policy Approaches. Washington, DC:  : Congressional Research Service, 2015.
  8. Deane, Daniela. Islamic State is selling looted Syrian art in London to fund its fight. Washington Post. [En ligne] 25 February 2015. [Citation : 1 12 2015.] https://www.washingtonpost.com/world/is-looted-syrian-art-showing-up-in-london-to-fund-activities/2015/02/25/785ab630-bcd0-11e4-b274-e5209a3bc9a9_story.html.
  9. Henin, Nicolas. Jihad Academy. Paris : Fayard, 2015.
  10. Glasman, Frantz. Vie locale et concurrence de projets politiques dans les territoires sous contrôle de l’opposition, des djihadistes et des Kurdes en Syrie. Paris : Etudes Prospectives et Stratégiques (Pour la Délégation aux Affaires Stratégiques, Ministère de la Défense), 2014.





Tags: سلايد