on
Archived: د.محمد حبش: الإعدامات للتكفيريين…فمتى يتم إعدام التكفير؟
د.محمد حبش:كلنا شركاء
قامت السعودية بتنفيذ 47 حكم أعدام قصاصاً بحق عدد من المدانين بالإرهاب.
ينص أول بند في الاتهام: اعتناق المنهج التكفيري المشتمل على عقائد الخوارج, المخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؛ ونشره بأساليب مضللة, والترويج له بوسائل متنوعة.
لن أناقش في الشأن الإجرائي والقانوني لهذا القرار الصارم، فكل الدول تحمي أمنها، ولكنني معني هنا بمناقشة المنهج التكفيري الذي كان وراء إعدامهم كما تنص الفقرة الأولى من القرار، والكارثة أن الفكر التكفيري المذكور في نص الاتهام هو ما يتم تدريسه وتقديسه بشكل متواصل في المدارس الدينية والعامة في السعودية وغيرها من البلاد العربية، عبر فقه إسلامي متشدد لا نزال نخاف الاقتراب منه ونعتبره شأناً خاصاً برجال الدين.
وسأستبق الاعتراض التفليدي الذي سيثار هنا: هل تريد تبديل شرع الله، وهل يجب أن نستجيب لمطالب أمريكا وبريطانيا بإلغاء آيات الجهاد حتى نعتبر أمة متحضرة، وهو جدل يتكرر كل يوم وينتهي عادة بالآية الكريمة: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ختى تتبع ملتهم.
والحقيقة أن هذا الوهم ناشئ من ضيق معرفتنا بسعة الفقه الإسلامي، وانحشارنا في وعي واحد منه وفق اختيار إمام محدد، ولو أننا كنا أكثر انفتاحاً واستجابة لكان بالإمكان أن ندرك ان الفقه الإسلامي مرن ومتطور وقد تمكن من أن يكون مرجعاً للحياة في عشرات الدول في التاريخ الإسلامي، وفي ظلاله نمت الحضارة الإسلامية وعاش فقهاء وفلاسفة ومسلمون ونصارى ويهود، ومتدينون وعلمانيون، وسنة وشيعة.
وقناعتي أن السعودية التي تحظى باحترام كبير في العالم الإسلامي تحتاج لمراجعات عميقة في فكرها الديني، وتحتاج للاستعانة بخبراء من الفقهاء العاملين من مذاهب متعددة للوصول إلى تعليم ديني صحيح يتجاوز ثقافة الإلغاء والإقصاء.
الدولة السعودية الأولى التي قامت في الدرعية 1844 واستمرت الى عام 1818 كانت في الواقع تعكس هذا اللون من الفقه المتشدد، وقد خاضت سلسلة غزوات لم تتوقف ضد كثير من القبائل والمدن المجاورة وفي تاريخها غزوة المدينة وغزوة النجف وغزوة البصرة، وقد كانت هذه الغزوات مؤسسة على مبدا وجوب مفاتلة المرتدين والمشركين وكانت كلمة المشرك المستوجب للقتل والقتال تطال كل من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، ووجوب قتال كل فئة ذات شوكة ممتنعة عن البيعة، وكل من ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام العشرة التي أعلنها الشيخ محمد عبد الوهاب، وفيها من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة ومن زار قبراً يعظمه ويقدسه، ومن احتكم إلى تشريع غير الإسلام، ومن رضي بتحكيم غير الشريعة وإن اعتقد أن الشريعة أعظم.
كانت هذه المواقف الفقهية البسيطة بعد أن ملكت أدوات السلطة كافية لإشعال جزيرة العرب بالحروب والنزاعات المستمرة، وكان فقهاء الدرعية ربما حكموا على قبيلة كاملة بالقتل بتهمة الردة أو بتهمة فئة ممتنعة ذات شوكة و كما واجهته قبيلة الشرارات والرملات التي أعدم منها المئات تحت هذا العنوان، واشتعلت نزاعات وحروب متواصلة ولم تتوقف حتى جاءت مصر والشام وبقيادة ابراهيم باشا في جيش عرمرم تدعمها السلطنة في تركيا وقد انتهى بالقضاء الكامل على الدولة السعودية الأولى عام 1818 ودمار الدرعية بالكامل.
كان الإصلاح الرئيس الذي قدمه الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة هو التخلي عن أحكام الجهاد التقليدية في فقه الامام أحمد، ووقف الغزو ضد المخالفين لنشر العقيدة، والتحول بدلاً من الغزو إلى الدعوة والموعظة الحسنة، والتزمت أجهزة الدولة العسكرية والأمنية هذا الموقف فيما يقيت المعاهد والجامعات والحلقات الدينية ملتزمة بالخيار القديم في تكفير المخالف والتوسع في أحكام نواقض الإسلام، ولكنها لم تعد تملك بالطبع أدوات الدولة التنفيذية.
وقد أدى هذا التحول الجوهري في ثقافة الجهاد إلى بناء علاقات معقولة مع دول الجوار، وبناء استقرار جيد في البلاد وفتح علاقات هادئة مع الدول الإسلامية العلمانية والقومية والاشتراكية وكذلك مع سائر دول العالم، وذلك بسبب التحول إلى آراء الفقهاء الشافعية والمالكية في بناء المعاهدات الدائمة مع المشركين إن جنحوا للسلم، وهو ما كان يرفضه الفقه الحنبلي الذي يوجب قتال العالم حتى يدخل الناس في الدين الحق أو يدفعوا الجزية صاغرين، وهو الفقه الذي كان يقسم العالم بشكل صارم إلى دار إسلام ودار وحرب، وهو ما سماه ابن لادن الفسطاطان.
ولم يمر هذا التحول بدون نزاع فقد خرج على عبد العزيز طائفة مهمة من متشددي المذهب الحنبلي تسموا باسم إخوان من أطاع الله واتهموا عبد العزيز بانه تخلى عن ثوابت العقيدة بقبوله الهدنة والصلح الدائم مع المشركين، وأن الأصل في علاقة المسلم بالمشركين هي الحرب والجهاد وليس السلم والموادعة.
ويمكن القول إن تمرد إخوان من أطاع الله وإن انتهوا عملياً عام 1948 ولكنهم عادوا للظهور بأشكال محتلفة منها الجيهماني 1980 وكذلك تنظيم القاعدة وأخيراً الشبكات المتطرفة التي أعدم النظام مؤخراً بعض افرادها.
لا يتسع المقال لتقديم قراءة شاملة للمسالة ولكني اعتقد أن السعودية والبلاد العربية الأخرى وقد أنجزت إصلاحاً جوهرياً في فقه الجهاد على مستوى السلوك الحكومي، ولكنها لم تفعل شيئاً بالنسبة لمناهج التعليم التي لا تزال تدرس منطق إخوان من أطاع الله، وتأمر بالحرب ضد المشركين، وقتال المخالفين، وحتى لا أتهم بالمبالغة فإن أحكام القتل بالردة مثلا لا يزال جزءاً من دروس الفقه الإسلامي العامة في المساجد والمعاهد الشرعية وكليات الشريعة، والردة هنا تشمل الكفر بالله، أو إنكار الغيب والنبوة، كما تشمل ترك الصلاة كما تشمل انكار الصيام أو الحج أو إنكار الحلال أو الحرام.
وأي دراسة لنواقض الإسلام التي يتم طباعتها وتسويقها ونشرها باستمرار التي من ارتكبها يصبح مهدور الدم فإنك ستجد أن معظم المسلمين قد وقعوا في بعض هذه النواقض، ناهيك عن غير المسلمين.
إن الخلاص من كارثة الفكر التكفيري لا تنتهي بأحكام قضائية مبرمة بحق بعض المدانين وإنما تتطلب منهجاً وطنياً شاملاً يشترك فيه الدين مع التربية مع الاقتصاد مع السياسة لوقف نمو التطرف من الجذوز.
Tags: سلايد