Archived: د. يحيى العريضي: عقيدة أوباما وانفصام الرؤية

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

لم تلكف أمريكا عملية إنهاء هيمنة الأسد على لبنان  لربع قرن أكثر من مكالمة هاتفية. وكانت الذريعة آنذاك اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. لكنَّ مهمة الأسد في لبنان قد تمت؛ فإسرائيل بأمان وجارتها الشمالية (لبنان) أضحت علّتها أبدية.

ما ارتكبه الأسد ضد شعبه في الواحد والعشرين من آب/أغسطس 2013، فاق اغتيال رئيس وزراء؛ لقد استخدم الأسد الأسلحة الكيماوية في قتل مئات من شعبه. والإدارة الأمريكية – وبافترضها القوة العظمى الوحيدة في العالم- يحتم عليها واجب أخلاقي تجاه جرائم الحرب أن تقوم بشيء.

“تشك هيغل”، وزير الدفاع الأمريكي، وفي مقابلة حصرية مع صحيفة  “الفورين بولسي” فضح إدارة أوباما. إن النظام الذي طُرد من لبنان كان لا بد من طرده من سورية وذلك لارتكابه جريمة الحرب تلك. “هيغل”، وفي الثلاثين من أغسطس 2013، كان يتوقع مكالمة هاتفية لبدء عملية إسقاط نظام الأسد في سورية، عقوبة على جرائم الحرب المرتكبة؛ ولكنه بدلا من ذلك، تلقى تلك الليلة اتصالاً يطُلب إليه أن يقدم استقالته. وهذه فضيحة إدارة أوباما التي لا تريد الإطاحة بالأسد.

بعد يوميين من تلك المقابلة، خرجت صحيفة “الول ستريت جيرنال” بمقالة تظهر إن الإدارة الأمريكية ذاتها كانت تفكر وتحاول الإطاحة بنظام الأسد. ما أبداه “هيغل” كان فضيحة، وما أبدته “الول ستريت جيرنال” كان فضيحة أكبر. في المقام الأول عندما تنتهج دور القوة العظمى وتترك طاغية ينجو بجريمة حرب، فإنك فاسد أخلاقيا. وعندما تدّعي بأنك تحاول الإطاحة بنظام، فإنك فاسد أخلاقيا أيضا!

منذ بداية الثورة السورية، زعم النظام أن الولايات المتحدة تتآمر عليه. وخرجت “الول ستريت جيرنال” بمقال يتحدث عن اتصالات مع رجال داخل سورية لإسقاط النظام. هذه المقالة اشبعت ولبّت ما كان يدّعيه الأسد منذ بداية الانتفاضة الشعبية في سورية بأن هناك مؤامرة تحاك ضده.

في الحقيقة، وما هو مُثبتٌ تاريخياً، أن الولايات المتحدة لا تعدم الحيلة لتقوم بإسقاط الأسد في 24 ساعة، كما زعم كل من الأسد و”الول ستريت جيرنال”. على أي حال، لدحض هذه الإدعاءات التي قدمها كل من الأسد و”الول ستريت جنرل”، قالت مصادر مطلعة إن الأسد خلال الأربع سنوات والنصف الماضية كان دائما تحت أعين الولايات المتحدة؛ وذلك لحمايته وليس لإسقاطه. وفي أحدى المرات، أضاف المصدر، فقد الأمريكان اتصالهم مع الأسد لخمس عشر دقيقة، فجن جنونهم حتى عاد الإتصال من جديد، فكيف لهم أن يعملوا على إسقاطه وهو تحت بصرهم وأعينهم  على مدار الساعة!

لم يترك السيد أوباما عذرا أو تكأةً لحماية الأسد إلا وقام به، ولم يستثن أي عذر لعدم التدخل في إيقاف نهر الدماء السوري إلا وقدمه. ولو لم يكن الروس جاهزين لاستخدام حق النقض الفيتو (لمنْع أي إجراء من قبل مجلس الأمن تجاه الجرائم المرتكبة من قبل نظام الأسد ضد شعبه) لكانت إدارة أوباما قد استخدمت حق النقض نفسه.

ولموازنة الموقف اللأخلاقي واللإنساني هذا، لم تترك إدارة أوباما لفظاً قبيحا إلا واستخدمته لتوصيف نظام الأسد؛ كل هذه الألفاظ لتبرير التقاعس تجاه هتلرية العصر المتجسدة بطاغية دمشق.

كان العذر الأهم الذي تقدّم به أوباما هوالحفاظ على أرواح الأمريكيين وأموالهم؛ ولكن مراقبين ردوا على أوباما قائليين ما من أحدٍ توقع أو أراد أوباما أن يرسل قوات أمريكية إلى أرض سورية؛ وما كان حتى مرجوا منه أن يؤسس منطقة حظر جوي في سورية؛ ولكن على الأقل إطلاق يد من أبدى استعداده لينشيء تلك المنطقة أن يقوم بهذا العمل. لكن أوباما عارض ذلك.

وفي النهاية كافئ أوباما بوتن على الفيتوالمتكرر بإطلاق يده في سورية ليقتل كل من قال “لا” للأسد. لايمكن لأوباما أن يُلام فقط لأنه لم يقم بشيء تجاه إنقاذ حياة البشر في سورية، لكنه يلام لأنه حتى لم يحاول.

لا يتوقع أن تدفع  الولايات المتحدة ثمن موقف أوباما اللا أخلاقي المخزي من فورها، ولكنَّ اللعنة السورية ستبقى وصمة عارٍ على جبين التاريخ الأمريكي.

ويبقى السؤال المحيّر: إذا كان بوتن قابلاً للبيع بثمن بخس، فلأي حزب أو فئة أو محفل يقدّم السيد أوباما نفسه؟

اقرأ:

د. يحيى العريضي: قائمة الأماني…وأدوات شرط (كيري) غير الحازمة





Tags: سلايد