Archived: العميد الركن أحمد رحال: إحراق جبهة الساحل … قوة أعداء أم ضعف أصدقاء؟؟؟

العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

خلال الـ (45) يوم المنصرمة على التدخل الروسي نجد أنه قد طرأت ثلاثة متغيرات على الإستراتيجية العسكرية الروسية في سوريا, وتلازمت بشكل كامل مع تطورات الموقف العسكري على الأرض, حيث بدأت الإستراتيجية الروسية بخطة هجومية (جوية- أرضية) وبتعاون تام بين الجهد الجوي الروسي وعناصر ميليشيات الأسد وحلفائه (إيران, حزب الله, فصائل عراقية, مرتزقة), وكانت تهدف لتطبيق اتفاق (قاسم سليماني) مع القيادة الروسية الذي حصل بزيارته الأخيرة إلى موسكو, وتقضي تلك الخطة (كما كان مخطط لها) بإحداث خرق نوعي في جهات القتال, تستعاد من خلاله محافظة إدلب ومنطقة جسر الشغور ويستعاد معها شرياني الإمداد الأكبر الواصلين من الساحل وحمص إلى حلب, ولكن مع ثبات وصمود الثوار وإفشالهم للجبهات الخمسة التي فُتحت, أعلن ضمنياً عن إيقاف تلك المرحلة والانتقال إلى الخطة البديلة (ب) والتي تقضي بقطع خطوط إمداد فصائل الثورة القادمة من الحدود الشمالية مع قصف المعابر وقوافل الإغاثة وتضييق الخناق على الثوار ومن ثم العودة للجبهات في الداخل بعد إنهاكها على الحدود.

وجاءت حادثة إسقاط الطائرة (سوخوي-24) من قبل تركيا كذريعة للجانب الروسي للانتقال لتلك الخطة, لكنها أيضاً لم تثمر عن شيء باستثناء تدمير المشافي والمدارس وقتل المدنيين, وبقيت جبهات القتال ما بين شد وجذب وحرب استنزاف لا تطيقها روسيا بل وتخشاها, فالسيطرة على بلدات الحاضر أو تلة العيس أو قرية (بانص) في جنوب حلب من قبل حلفاء (الأسد) ومن ثم استعادتها بعضها من قبل غرفة عمليات جنوب حلب مع مقتل أكثر من (80) شبيح من قوات النجباء, وتبادل السيطرة على جبل (زاهية) في جبل التركمان ليس مثمراً لروسيا, كذلك السيطرة على مطار مرج السلطان من قبل ميليشيات النظام بعد حرق الغوطة الشرقية ودوما جواً ومن ثم استعادته في اليوم الثاني من قبل ثوار الغوطة, أيضاً لا يرضي روسيا.

مع هذا الواقع وصلت القيادة الروسية لقناعة تتلخص بعدة نقاط:

– أن ميليشيات الأسد وحلفائه لا يملكون إرادة القتال.

– أن الواقع الميداني لا يمكن تغييره بجهد جوي مهما تعاظمت قدراته.

– أن لا مصلحة لروسيا بنزيف قتالي قد يمتد لأشهر وحتى لسنوات في ظل وضع اقتصادي وداخلي في روسيا يعاني من التمزق والتشتت.

– أن مصالح روسيا الاقتصادية والعسكرية تنحصر في محافظة حمص والقلمون والساحل وعليها الالتفات لسوريا (المفيدة) التي تمتد ضمن هذا الحيز الجغرافي.

– النقطة الأهم التي تخشاها موسكو أن نظام (الأسد) متآكل ومهدد بالانهيار في أي لحظة وبالتالي فإن موسكو قد تخسر كل ما راهنت عليه بتدخلها العسكري في سوريا وأرادت من خلاله ابتزاز الغرب.

مع تلك القناعات عادت روسيا للخطة البديلة الاحتياطية (ج) والتي تقضي بالحفاظ على مصالحها في حمص والساحل السوري, ومن هنا انطلقت حملتها الجوية نحو الساحل في جبلي الأكراد والتركمان وبهدفين: أحدهما يخدم حماية النظام بالساحل وحماية حدود الدويلة (العلوية) والثاني يهدف لإبعاد كتائب الثوار عن أمدية وأقواس النيران التي تطال قواتها في قاعدة (حميميم) التي تحوي معظم قواتها في العراء كون المطار مدني وغير مجهز لاستقبال طائرات أو أية معدات حربية.

من أجل تحقيق الهدف الثاني مورست حرب إبادة من قبل الطيران الروسي والأسلحة الثقيلة ضد قرى وبلدات جبلي التركمان والأكراد وصلت لحد جعل الأرض والمنطقة جرداء بسياسة الأرض المحروقة التي أتبعت عبر جهد جوي لا يتوقف رامياً بحممه وصواريخه على كافة المناطق, وأرضياً كانت راجمات الصواريخ تبيد البشر والشجر والحجر, ووصل الأمر لاستخدام القاذفات الإستراتيجية (تو-160,تو-95,تو-22) وأكملت بالصواريخ الباليستية (كاليبر) وحتى البوارج البحرية مثل الطراد (موسكوفا) والطراد (كارباخ) والغواصة الإستراتيجية (روستوف) التي شاركت بصواريخها من بحر المتوسط قبالة اللاذقية وفور وصولها, وطالت بصواريخها معظم الساحل السوري حتى أصبح الساحل ساحةً لتجارب للأسلحة الروسية المطورة وحتى الأسلحة المحرمة دولياً كالعنقودية والفوسفورية والارتجاجية لم تبخل بها روسيا على ريف الساحل المحرر, وترافقت تلك الحملة الجوية مع هجوم بري من ميليشيات النظام وحلفائه وعبر أربعة محاور قتال:

محور غمام- الزويك- الدغمشلية – دير حنا- جبل النوبة, في جبل التركمان.

محور نبع المر- قمة 46 – الكبير- جبل زاهية, في جبل التركمان.

محور دورين- ترتياح- كفر دلبة – كفر عجوز- سلمى, جبل الأكراد.

محور قمة النبي يونس- جب الأحمر- عرافيت, أبو ريشة, جبل الأكراد.

الحصيلة الآن تقول أن هناك ما يفوق الـ(60) قرية في ريف الساحل المحرر قد أصبحت خاوية تماماً من السكان, وأن هناك حوالي (25) قرية أصبح نصف مهجرة, وضاقت الحدود الشمالية بلاجئيها بعد إغلاقها من قبل الجانب التركي, وحتى تلك المخيمات على الحدود لم تسلم من رمايات الطيران الروسي, ومن خلال المعارك استطاع النظام السيطرة على عدة قرى وعلى عدة مواقع محورية في جبل الأكراد على حدود بلدة (الجب الأحمر) مع ما تشكله تلك المناطق من أهمية إستراتيجية للمدافعين عن الجبل وحتى للدفاع عن سهل الغاب كونها تطل عليه وتشكل نقاط استناد نارية لا يمكن التخلي عنها.

المعارك في جبلي الأكراد والتركمان تميزت باستخدام الروس لحوامات متطورة ومصفحة فاجأت الثوار بعملها على ارتفاعات جداً منخفضة وصلت لعدة أمتار عن سطح الأرض وكانت تناور حتى بين أشجار التفاح في ظل عدم القدرة على التأثير عليها برمايات المضادات الجوية المتوسطة (رشاشات 12,5و14,5و23)مم, أما طائرات الاستطلاع فكانت لا تغادر سماء ريف الساحل وشكلت مادة وبنك من الأهداف للطائرات القاذفة.

يأتي هذا النوع الجديد من أساليب وطرق القتال في ظل تقييد شبه كامل لأي دعم أو إمدادات تقدم لكتائب الجيش الحر المقاتلة في جبلي الأكراد والتركمان, والتي يعترف الجميع باعتدالها وتوافقها مع معايير الغرب في تقييم الفصائل مثل الفرقة الأولى والثانية ساحلية أو اللواء العاشر وغيرها من الكتائب المدعومة من غرفة (الموم).

الساحل السوري الآن بخطر, وخسارة المواقع الإستراتيجية بجبلي الأكراد والتركمان قد تضعف المدافعين, وما يمكن أن يخسره الثوار قد لا يمكن استعادته مرة أخرى, وتأثير تلك الخسارات (إن وقعت) ستنعكس سلباً على كامل المناطق المحررة وستجعل جسر الشغور وسهل الغاب بحالة حرجة.

أحد الدهاة قال متفاخراً: من شدة دهائي ما وقعت في مشكلة إلا وخلصت نفسي منها, فقال له آخر أنا أدهى منك … أنا لا أوقع نفسي في مشكلة أساساً.

فهل نتعظ ونقوم بما يمليه علينا الواجب الآن في الساحل كي لا نضطر غداً لما لا تحمد عقباه ؟؟؟؟؟

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي





Tags: سلايد