Archived: د. محمد حبش: مصارحات في وجوب إصلاح المناهج الدينية …. إيمان البغا…. نموذجاً

 

د. محمد حبش: كلنا شركاء

مع قيام داعش باجتياح الموصل قبل سنتين كتبت تحليلاً دقيقاً عن داعش وقلت فيه إن داعش هي ثقافتنا التي علمناها لجيلنا على مقاعد الدرس، وإنها موجودة بشكل واضح في درس الديانة حيث يتم تكفير اليهود والنصارى وتارك الصلاة، وموجودة في درس السياسة حيث يتم التخوين والتشويه لكل معارض ينشد الحرية.

لم يوافق كثير من أصدقائي على اتهام مناهجنا بالتطرف، وظل الخطاب المريح الذي نمارسه هو أن داعش صنيعة مخابراتية خارجية لا علاقة لها بمناهجنا في التربية الإسلامية من قريب ولا من بعيد.

وعلى الرغم من سيل التحليلات التي لا تنتهي في أسباب قيام داعش وداعميها ومموليها وطبيعة المؤامرة الكونية وراء قيامها… إلى آخر التحليلات التي يطرحها الروس والنظام والايرانيون والسعوديون والأتراك والفيسبوكيون والتويتريون ….

ولكنني شخصياً أفهم الأمر بطريقة مختلفة تماماً، وأعتقد ان المصارحة والمكاشفة لاتحتمل مزيداً من التكاذب، فهناك بكل تأكيد قوى إقليمية ودولية وراء قيام داعش، ولكن ذلك كله لا يجوز أن ينسينا الجانب الأكثر أهمية في قيام هذه الطاهرة وهو ثقافة الكراهية الرهيبة التي نتلقاها على مقاعد الدرس، وهي تعيش فينا خلايا نائمة، تتفاقم بفعل الظلم والقهر، ثم تنفجر في النهاية في إطار انتحار جماعي للإنسانية يجد إحباطه في الأرض وآماله في السماء.

إيمان مصطفى البغا، دكتورة متخصصة في العلوم الشرعية، وأستاذة الدراسات الإسلامية في جامعة الدمام السعودية، قررت قبل عام مضى أن تترك عملها الأكاديمي المتخصص في الفقه الإسلامي وأن تلتحق بتنظيم الدولة الإسلامية في الموصل وأن تعلن بيعتها للخليفة البغدادي إماماً للأمة وخليفة شرعياً يحكم بكتاب الله وسنة رسول الله.

أما والدها فهو الشيخ الدكتور مصطفى البغا أشهر المحققين من علماء الشريعة في الشام، وله أكثر من خمسين كتابا في التحقيق والشرح والنشر لأمهات كتب السنة النبوية، وأشرف فيما أعتقد على أكثر من خمسين رسالة ماجستير ودكتوراه لطلاب الشريعة في جامعات سورية وأردنية ولبنانية، ولم يتوقف عن الكتابة والنشر حتى اليوم، وظل سنوات طويلة خطيب جامع زين العابدين اكبر مساجد الشام بعد الأموي.

أما أخوها الدكتور الحسن فهو عميد كلية الشريعة بدمشق لسنوات طويلة، وهو أيضاً متخصص بالفقه الإسلامي وأصوله، وهو رجل دمث الأخلاق ودود.

إيمان كانت أستاذة في جامعة الدمام السعودية، وكانت تمارس التعليم الجامعي فهو مهنة العائلة التقليدية وهي تدرس في السعودية أكثر بلاد الله تمسكاً بالفكر السلفي، وهو عماد المدرسة الدينية فيها.

إيمان مصطفى البغا أعلنت أنها بايعت الخليفة البغدادي يحفظه الله تعالى وأنها وجدت فيه خصال الخليفة المسلم وأن ما يقوم به من دعاء للإسلام هو أفرض الفرائض وألزم الواجبات وهو الصورة الحقيقية للإسلام القوي والعزيز.

تكتب إيمان البغا على صفحتها في الفسبوك منذ عام كامل وبدون انقطاع تمجيداً مستمراً بكل أفعال التنظيم، وتعتبرها تطبيقاً دقيقاً للفقه الإسلامي، وفق رؤية السلف الصالح، وتعتبر أن كل أي إنكار لسلوكيات داعش هو تنكر للإسلام نفسه، وما أوصى به من القوة والحزم!!

لا تمارس إيمان البغا التملق والتزلف للبغدادي، ولكنها تقدمه بلغة فقيهة محكمة رائداً في تطبيق شرع الله، وتقدم لكل سلوك من السلوكيات التي مارسها تنظيم الدولة الإسلامية سلسلة من الأدلة الفقهية المحكمة، وهي تقوم بإيراد الأدلة بلغة المحدثين المتينة وتؤكد أن تطبيق الدولة الإسلامية لهذه الأحكام لا يعدو شرع الله وأمره قيد أنملة.

شخصياً لا أعرف ايمان مصطفى البغا وإن كنت على معرفة تامة بعائلتها وأسرتها العلمية، ولكننني على يقين بانها أكثر أهلها انسجاماً مع ما تعلمته وعلمته، وهي فيما أعتقد لا تعاني أي عقدة نفسية أو اجتماعية فهي تمارس بالضبط ما تعلمته على مقاعد الدرس وما علمته لطلابها في الجامعة والمدارس.

تتحدث بكل وضوح نعم أنا إرهابية، والإرهاب يا عميان القلوب هو ديننا وشريعتنا، إن الله قال: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم،  فما هو وجه الإهانة حين يقول لنا الغرب إننا إرهابيون؟ لقد صدق الغرب وهو كذوب، والإرهاب منهج إسلامي ضروي لا بد منه لنشر الرعب في أولئك الذين انغمسوا في الشرك والشهوات، ليفرض عليهم الخضوع للإسلام بوصفه الدين الحق الناسخ والمبطل لكل دين سواه.

وأما حز الرقاب وقطع الأعناق، فهل هي من عند البغدادي يا فقهاء الشريعة؟ أليس في سيرة النبي الكريم أنه حز الرقاب وفتح المقابر الجماعية لأعداء الأمة من بني قريظة وغيرهم؟ ألم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم شاكراً لله يوم جاءه ابن مسعود مع الغلامين الصغيرين من بني عفراء وهم يركلون راس أبي جهل بنعالهم بعد أن احتزوا رأسه وفصلوه عن جسده؟ وهل تريدونا أن نقدم الإسلام في استخذاء وضعف حتى يطمع بنا كل طامع؟… إن الذين يعترضون على قيام رجال الدولة بالذبح والقطع وحز الأعناق هم أولئك الذين لا يريدون لشريعة الله أن تسود ولا يريدون للإسلام أن يكون ديناً مهيمناً على الحياة.

(والكلام ما زال للدكتورة البغا على صفحتها الرسمية)

النصارى واليهود كفار لا شك في كفرهم والنصارى أكفر من اليهود لأن نزاع اليهود في النبوات ونزاع النصارى في الإلهيات، ولكن كفرهم وضلالهم لا يعني الاعتداء عليهم، سنحميهم ولكن سنبين لهم كل يوم ما هم فيه من ضلال وكفر وغباء، وكل ما نطلبه منهم أن يخضعوا للدولة الإسلامية وان يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

والطوائف المنحرفة من باطنية ودروز ونصيرية كفار ضالون، وعلى الأمة قتالهم لإعادتهم إلى الدين الحق أو استئصالهم من الأرض، فلا يوجد مكان في العالم يسع التوحيد والشرك معاً، وقضى الله أن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

والسافرة فاسقة ضالة، وهذه ليست شتيمة تنتاولها بها بل هو وصف النبي صلى الله عليه وسلم ومن أنكر هذا الوصف أو رده فليرده على رسول الله، (والكلام للدكتورة البغا) فهو من وصف السافرات بالمائلات المميلات كأسنمة البخت المائلة، وأنا لم أجد امرأة صالحة إلا محجبة، وحيث نزعت الحجاب فقد نزعت ستر الله عنها وهي فاسقة ضالة، وخبرتي أنه لا يوجد في السافرات إلا من هي قليلة الأدب والأخلاق والعفاف والدين.

وهذه الفقرات الخمس الأخيرة من كلام الدكتورة البغا هي ثقافة شائعة في هذا الشرق المنكوب، يمكنك أن تقراها في كل مكان من المناهج ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى على صفحتي أنا من خلال ما نواجهه كل يوم من ردود انفعالية مختلفة تطالبنا بهذا تماماً.

وفي كل يوم تكتب الدكتورة إيمان البغا جديداً في الإعجاب بالخلافة الجديدة، وتدعو المسلمين إلى الهجرة إلى دار التوحيد في الموصل والرقة، ويزداد إعجابها بالخلافة حين تضرب في باريس وليبيا وتونس ونيجيريا ومالي، وتشيد بإحراق الكساسبة وغيره من الأسرى، وتعتبر القتل بالحرق والتغريق والتفجير تطبيقاً للسنة النبوية في الإثخان بالمشركين، وتشيد ببسالة المجاهدين الصغار من داعش الذين يقومون بذبح عناصر (المشركين) سواء كانوا من الجيش السوري أومن الفصائل الإسلامية الممتنعة عن البيعة، وتعتبر انخراط الصبيان في هذه المذابح تطبيقاً عملياً لفتيان الجهاد الأول أسامة بن زيد والقاسم بن محمد الثقفي ورافع بن حديج وسمرة بن جندب الذي قادوا المعارك والحروب وهم دون السابعة عشرة من العمر.

ليست إيمان البغا ظاهرة استثنائية، وهي ليست سيدة تائهة، إنها تطبق بأمانة ما تعلمته وعلمته، وربما نحن التائهون الذين نستمر في تعليم هذه الفظائع، ونصر على تدريس أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ومن بدل دينه فاقتلوه، ونقول إنها شرع الله وسنة نبيه ثم نغضب حين يمارسها جيل الجنون تماماً كما رويناها وعلمناها.

إنها ليست استثناء بل هي واحدة من مئات المتخصصين في الفقه الذين انضموا لداعش، أليس البغدادي نفسه متخصصاً بالشريعة، خريج كلية الشريعة في جامعة صدام.

لست ساذجاً لأصدق أن الأزمة مجرد أزمة ثقافة وان تصورات كهذه يمكن أن تقلب العالم رأساً على عقب بهذه الطريقة المريعة، فهذه الثقافة موجودة منذ قرون ولكنها لم تستولد حرباً كهذه، إنها بكل تأكيد مسالة قهر وظلم واستبداد في المقام الأول، وفي ظل الظلم والقهر تنمو ثقافة الكراهية، وينفجر الناس على الحياة غاضبين حاقدين.

ولكن لا بد من القول بأن مسولية كبيرة تقع على عاتق الخطاب الديني الذي يكتفي بالنقل من الماضي ويعجز عن مواجهة بصيرة وشجاعة للنصوص العنيفة، ويستمر في روايتها بغباء ويصر أنها خطاب الله لكل زمان ولكل مكان… ثم نقول… ومن أين تأتي داعش؟

اقرأ:

د. محمد حبش: تفجيرات الضاحية… عقيدة الحاضنة وجنون الحرب…..



Tags: سلايد