Archived: د. محمد حبش: سياسة بلا ضمير…بؤس الديمقراطيات الكاذبة

د. محمد حبش: كلنا شركاء

ألا يخجل الروسي الذي رفع يده بالفيتو أربع مرات لمنع أي تدخل عسكري في سوريا حتى عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ألا يخجل من تدخله اليوم بالطائرات والصواريخ منحازا بشكل مخجل للطرف الأكثر دموية وقمعاً في هذه الحرب المجنونة؟

ألا يخجل الروسي الذي صدع رؤوسنا بتصريحاته كل يوم بأن مستقبل سوريا يحدده السوريون دون تدخل أحد، ثم يذهب بأساطيله ليقصف عن عمد السوريين الثائرين من أبناء حلب وإدلب وحماه وحمص، دون أن تصيب قنابله أياً من الغرباء الدواعش الذين جاء معظمهم من روسيا الاتحادية للقتال في الشام.

قبل شهرين تلقيت دعوة لافروف للمشاركة في لقاء موسكو الذي جمع شحصيات سورية معارضة، وكان العنوان هو جمع المعارضة للبحث في حلول سلمية لإنقاذ سوريا.

لقد كتبت يومها في رفض اللقاء والمشاركة وذلك استناداً على قاعدة بسيطة هي أن الوسيط ينبغي أن يكون محايداً، ولا يوجد في سلوك الروس حياد لنجاح أي مبادرة حوار بين السوريين، فالروس لم يظهروا أي اعتراض على قصف المدن السورية بالبراميل، ولقد أظهرت في رسالتي للافروف بشاعة القصف بالبراميل التي يمارسها النظام، ووقع في خاطري للحظات بأن الروس سيقرؤون الرسالة بمسؤولية وجدية وأنهم سيقومون على الفور يتوجيه تنبيه غاضب للنظام السوري للتوقف فوراً عن هذه الممارسات الإجرامية الطائشة التي تمنع الحل السياسي وتتسبب في مزيد من القهر والظلم للسوريين.

وفق مبادئي وأفكاري فإن الروس أكثر من مائة وسبعين مليون إنسان، وهم أكبر دولة في الجغرافيا في العالم ومن المؤكد أنهم يمتلكون قدراً عظيماً من الحكمة، ولا شك أنهم لن يرضوا بانتهاك حقوق الإنسان بهذه الطريقة المخجلة.

لم يكن يخطر ببالي أبدأً أن الروس على وشك التدخل العسكري السافر في سوريا وأن لقاء موسكو الذي دعينا إليه ليس إلا جزءاً من حفلة إطلاق الجيش الروسي إلى غزو سوريا، وأن من المفيد أن يحضر بعض الإسلاميين إلى موسكو في إطار حملة إعلامية ليقولوا للعالم بأن الإسلاميين أيضاً يرحبون باحتلالنا لسوريا واستباحة أرضها.

لقد قمت بتسليم الرد للسفارة الروسية أصولاً، وأنتظرت الرد، وكانت العبارات التي قدمتها في غاية الوضوح والصرامة، وقد سلمتهم الرسالة بالعربية والانكليزية، ولكن .. خلال أسابيع كان الجواب ما ترى لا ما تسمع، وجاءت روسيا بالعقلية الستالينية المدمرة، بأسطول جوي وبري، وعلى الفور أظهر الروس أنهم بالفعل مستاؤون من القدرات التدميرية المحدودة لجيش النظام، وأعلن الروس بوضوح أنهم قادمون ليقوموا بما يعجز عنه النظام من إبادة الشعب وترحيله، وإضافة لطائرات السوخوي المدمرة، فقد أطلق الروس صواريخهم العابرة للقارات من بحر قزوين، وعليها توبيخ واضح للنظام… لم تكونوا متوحشين بما يكفي!! وكان عليكم ان تتعلموا من الروس فنون الإبادة!!.

وفي سلسلة تصريحات لا صلة بها بأي دبلوماسية محترمة أعلن الروس أنهم ذاهبون لقتال أعداء النظام، من أي جهة كانوا، وأن المعارضة المعتدلة وهم لا وجود له، وأن الشركاء الممكنين في أي حوار سوري هم أولئك المعارضون الذين جاؤوا إلى موسكو والذين يمكن أن يكونوا أعضاء في الدورة الجديدة من مجلس الشعب السوري الإصلاحي القادم برئاسة عضو آخر من القيادة القطرية لحزب البعث…..

أما الملايين التي نزحت من بيوتها ومئات الآلاف الذين فقدوا حياتهم، ومئات آلاف المفقودين فهم أضرار هامشية ومجرد أرقام يجب أن لا تفسد مهرجان المصالحة والمشاركة، والتي ستقوم بمباركة القواعد الجوية الروسية التي أعدها الستالينيون الجدد لإنجاز محاصرة جغرافية محكمة للعدو التاريخي العثماني.

لا يصدق الناس تصريحات الروس ولا مواقفهم، ففي مجلس الأمن الدولي رفع الروس الفيتو مراراً ليمنعوا أي تدخل عسكري في سوريا، ولكن الروسي لم يطلب قرار مجلس أمن أصلاً ولم يتساءل عن الفيتو الذي استخدمه أربع مرات ليمنع أي تدخل عسكري في سوريا ولكنه ذاهب بنفسه إلى حمام الموت السوري بدون تفويض من أحد.

مجلس الدوما يمنح التدخل موافقة ودعماً بالاجماع، وهو يذكرك بمجلس الشعب السوري الذي لا يبخل أيضاً على القيادة بالإجماع المطلوب حيث تكون مصالح النظام.

حتى الكنيسة الأرثوذكسية فإنها لا تبخل بتأييدها لرغبات القيصر، ويقال إنها وصقتها بالحرب المقدسة، وإن كان الكثير يشككون في الترجمة الدقيقة لبيان الكنيسة.

لا أشك أبداً أن لو كانت روسيا تمتلك حفنة من الديمقراطية لسارت شوارعها بالغضب على سياسات النظام الضاربة عرض الحائط بكل قيم حقوق الإنسان والسيادة الوطنية، ولوجد القيصر الطائش ألف مؤسسة ديمقراطية تقف في وجه أطماعه، وننبئه بالخطر الماحق الذي يتهدد المصالح الروسية في المنطقة ومستقبل النظرة العدائية التي كرستها سلوكياته في دعم نظام تسبب في تشريد نصف شعبه، وتسبب في مليون ضحية بين قتيل ومفقود ومعاق.

لقد تمكنت الديمقراطية من إيقاف خطط كاميرون وأوباما للتدخل في سوريا، رغم أنه كان في سياق قرارات الأمم المتحدة، وتيريرات هيئات حقوق الإنسان، وفي جانب ثوار الحرية والكرامة ضد الاستبداد، وبدا الرجلان أمام العالم يقومان بأشياء سخيفة لا يستطيعون إقناع برلماناتهم بها، وأجبر الزعيمان على اختيار سلوك آخر فرضته قيم الديمقراطية الناضجة.

الديمقراطية أولاً…. إذا ما أردنا لهذا العالم أن يذهب إلى خيار جميل، والديمقراطية هي التي تمنع ظهورالقياصرة من جديد، وتكف الجيوش الهائجة عن الولوغ في الدماء، وتجبر الأنظمة على الرضوخ لرغبات الجماهير وفطرتها البيضاء.
ليست لدي خبرة بالحرب، ولا أومن بها ولا أعتقد الشرف في أي بندقية، ولكنني مع ذلك وفي قراءتي للسنن والآيات في هذا الكون فإني على يقين أن الشر زاهق والخير منصور، ولن يكون مصير المحارب الروسي في الشام مختلفاً عن مصير المحارب السوفيتي في أفغانستان أو الأمريكي في فيتنام، وأمراء الحرب لهم نهاية واحدة سواء كانوا هتلر ام ميلوسوفيتش أم القذافي أم بوتن، والعاقبة للمتقين.





Tags: سلايد