Archived: د. محمد مرعي مرعي: أبو حافظ الصغير يسلّم البلاد مثل أبي عبد الله الصغير والتاريخ يتكرّر

د محمد مرعي مرعي: كلنا شركاء

عندما يرث شخص صغير نظام حكم أكبر من قدراته ، يكون ذلك الشخص غير مؤهل لقيادة دولة . عندئذ،أي اهتزاز يصيب نظام حكمه يجعله يرتبك ، ثم يترنح ، ويفقد القدرة على القيادة، ويتبعها حالة هستيرية في سلوكه ، ويصاب بالجنون و يسلّم الوطن لمن يعده بالبقاء حاكما ، وأخيرا ينتهي بالطرد والفناء والنسيان . أعيد نشر ما كتبته سابقا باختصار .

 الصغير الأول : أبو عبد الله الصغير (محمد بن حسن بن نصر) الذي ورث عن أبيه عرش غرناطة في الأندلس ذات الإمتداد السوري في عام 1482، ولم يتجاوز عمره 25 عاما. كانت الأندلس آنذاك مملكتين ( ملقه لأبي عبد الله الزغل ،وغرناطة لأبي عبد الله الصغير ), وكانا يتنازعان على كل شيء إلى حد أن الأسبان عندما هاجموا ملقة للاستيلاء عليها هزموا على يد أبي عبد الله الزغل وأصبح بطلا شعبيا يسعى لاستعادة الأمجاد والخروج من دائرة الذل والمهانة. عندئذ، شعر أبو عبد الله الصغير بالغيرة جراء شعبية الملك ( الزغل ) وأراد أن يقلّده، فخرج في جيش يريد قتال الأسبان لكنه هزم ، وأسره الأسبان عامين خرج بعد أن وقع إتفاقا سريا مع (فرديناند ملك الأسبان وزوجته إيزابيلا)، ينص على إعادته لعرش غرناطة مقابل التبعية للتاج الأسباني ويناصرهما ضد سلطان ملقة (الزغل) .لم يدرك أهالي غرناطة الصغير على حقيقته بعد خروجه من الأسر ، بل رأوا فيه مجاهدا ولم يعرفوا أنه خرج من الأسر وباع شرفه ووطنه للعدو لقاء استمراره في الحكم،وعاد أبو عبد الله الصغير بأسلوب جديد إلى أبناء مملكته في غرناطة، يدعوهم إلى التصالح مع الأسبان والتفرغ للعمل والتجارة، الأمر الذي سبب الانقسام ومكّن الأسبان من السيطرة على مواقع جديدة، وتتابعت الأحداث وبدأت المناطق تسقط الواحدة تلو الأخرى،فسقطت(ملقه) واستسلم الزغل وغادر إلى المغرب. أما “أبي عبدالله الصغير ” فقد أذعن لأسياده وقع اتفاقا جديدا مع الأسبان ينص على تسليم غرناطة ، لكن شعب غرناطة رفض الإتفاق وأرغم  الصغير على الخروج للحرب وتم حصار مملكته، وشرع وحاشيته في حملة تعبئة تظهر أن لا طريق سوى الإستسلام ، واستسلم ، ووقع إتفاقية سنة 1491 م تنص على تسليم المملكة للأسبان وتسريح الجيش ومصادرة السلاح… الخ. مع ملحق سري للاتفاق يتضمّن منح الصغير هبات مالية مع أتباعه المقربين،وعاد إلى أمه باكيا ووقف أمامها مذلولا ، حيث كانت شاعرة وحكيمة ، قدمت النصح لابنها الصغير بالتحالف مع أبناء وطنه وأمته ولم يأخذ به، و انشدت :

     كفى تبكي كالنساء على ملك              لم تستطع أن تحافظ عليه كالرجال

بعدها ،غادر الصغير عام 1493 ومعه إتباعه وأهله ،ونزل (مليلة) ومنها إلى (فاس) واستقر هناك ،وحلّت في تلك السنة مجاعة، قال الناس أنها لعنة الذي ضيّع الأندلس . أما هو فقد بنى قصرا على الطراز الأندلسي،وصار ينفق من ثمن غرناطة الذي قبضه،وعاش بعدها حياة مجهولة,و ترك من الأولاد أحمد ويوسف ،وذكر المؤرخ ” المقري ” أنه رأى أبناءهما في فاس شيوخا يتسوّلون ويعيشون على الصدقات عام 1618 . إنها نهاية الصغير الأول الذي دام حكم سلالته 260 عاما .                                                                                           

والصغير الثاني: أبي حافظ (بشار الأسد )الذي ورث جمهورية سوريا عن أبيه عن عمر 34 سنة وتربّى في القصر وعاش حياة الدلال والرفاهية المطلقة ولم يسمع كلمة (لا ) من أحد طيلة عمره . ورث حكما أكبر من مقاسه وترقّى من رتبة ضابط ملازم إلى رتبة فريق أول خلال 6 سنوات ، وأحاط به عصابة من المتحكمين بالقرار العسكري الموزّع على فرق عسكرية طائفية يقودها عسكريون من الصف الثاني من الطائفة العلوية رقّاهم بطريقة الولدنة ، لتولّي السلطات المطلقة وجمع الأموال عبر أعمال النهب المنظمة ، وسرّح قادة الصف الأول الفاسدين الذين قبلوا بحكمه خوفا من افتضاح فسادهم في حكم الأب المورّث حيث ساعدوه في توطيد أركان حكمه .

بدأت فترة حكم أبي حافظ الصغير مستفيدا من أسس حكم الأب المورّث وعلاقاته الدولية العلنية والمخفية ، وشرع في طرح خطوات الإصلاح بمواكبة شعارات التطوير والمقاومة والممانعة إلى أن ظهرت بوادر حراك شعبي يطالب بالحرية السياسية والعدالة والحقوق فبدأت تتكشف حالة عدم قدرته على إدارة البلد جراء كونه ولد وإبن القصر الذي لا يعرف سوى اللهو والملذات، وأن حالة التعاطي معه كبالون تم نفخه ليصبح حجمه كبيرا لم تغيّر من الأمر شيئا لأن البالون عرضة للتنفيس والعودة إلى حجمه الطبيعي مع الزمن أو ينفجر عند مواجهة أية صدمة. بدأت الظروف والأوضاع المحيطة بسلطته تتغيّر كعالم السياسة المتقلب، ولم يستطع مواجهتها كحاكم مؤهل والتعامل معها كسياسي ، بل بدأ يغيّر ركائز العلاقات المحيطة به التي أرساها أبوه على قدر خبثه ، وانطلق من الدائرة الصغيرة فاستقدم مرتزقة ومجرمين من أبناء قرابته وطائفته ثم من لبنان و الميليشيات الفلسطينية وانتهازيي حزب البعث ،ثم حدث ما لم يفعله أبوه مع إيران الفارسية الشيعية وسلمّها القرار السياسي والأجهزة الأمنية والعسكرية والقرار الاقتصادي تحت ستار العلاقات الإستراتيجية والقرار الثقافي والديني لنشر الديانة الشيعية التي فهم بأنها ستحميه من الجوار العربي الاسلامي والقوى الدولية ، وأدخل الجيش الروسي القيصري إلى سوريا لحماية سلطته ، ثم وقع اتفاقا سريا مع روسيا وايران لتسليمهم ما يحكم من سوريا مقابل ضمان خروجه مع عائلته وأمواله إلى روسيا دون محاكمة جنائية دولية أو شعبية .

لكن ما بناه ذلك ابو حافظ الصغير بدأ يرتدّ عليه وعلى عصابته إذ عندما انطلقت الثورة السورية ، لم يدرك هذا الصغير أن الشعب كان ينتظر هذا الربيع منذ أربعين عاما وينتظر حاكما صغيرا مثله لا يعرف كيف يدير نفسه فكيف سيدير سوريا بتاريخها العريق ، وأزماتها التي خلقها نظام حكمه الفاسد ومواجهة التغيرات التي تحصل في العالم،وبقي يكرّر كل يوم على إمتداد الثورة (آ في شيء،خلصت) حتى أصبح يسيطر فقط على 17 % من مساحة سوريا بمساعدة جيوش ايران الفارسية ومرتزقتها الشيعة وروسيا القيصرية . لكن أم أبي حافظ الصغير ،الجاهلة الجشعة نصحت صغيرها بإبادة الشعب السوري الذي ثار عليه والتحالف مع أعداء الشعب والأمة العربية والاسلامية للحفاظ على سلطتهم الموروثة وعلى مئات مليارات الدولارات التي سرقوها ، وانطبق عليها قول الشاعر بتصرّف :  

           من ورث بلدا دون جهد                             يهون عليه تسليم البلاد

واندفع الصغير بشار بوحشية لا مثيل لها ، وتسبب بقتل 350 ألف من الشعب وجرح مليون آخر واعتقال 200 ألف  ثائر وتشريد 12 مليون من بيوتهم ، لأن هذا الشعب قرّر دون رجعة أن يجرّد عائلة الأسد / مخلوف وحكمهما الطائفي ومرتزقتهما من حكم سوريا الذي دام 42 عاما على شاكلة ما انتهى إليه أبي عبد الله الصغير .

من غرائب الدهر : أن الصغيرين احتسبا حكاما على تاريخ سوريا الطويل ،و كل منهما أداة هدم نظام حكم عائلته التي ورثها عن أبيه ، وسلّما البلاد لأعداء الوطن . حقا ، انها نهاية حكم عائلة والتاريخ يعيد نفسه بعد 500 سنة. 

اقرأ:

د. محمد مرعي مرعي: لن تكون الثورة السورية فريسة رباعي قوى الاجرام العالمي



Tags: سلايد