Archived: د. محمد حبش: مناسك ومنافع……. بانوراما المسألة السورية

د. محمد حبش: كلنا شركاء

قد لا يكون مفهوما أن نكتب في إصلاح الحج عبر نشرة سياسية سورية خاصة بعذابات السوريين ومستقبلهم، ولكنني أعتقد أن من حقنا أن نستشرف رسالة الحج الأعظم في حماية الحقوق والدفاع عنها، وما يتصل بذلك مما يمكن أن يقدمه الحج للشعوب الإسلامية المنكوبة.

والحج وفق القرآن الكريم مناسك ومنافع، ولا أعتقد اننا في وارد تجديد شيء في إطارالمناسك، فهي تجري بشكل حميد وينتظم فيها الملايين في سلوك متناغم متجدد تلتقي فيه القلوب والأرواح وتتجمع القلوب ويهتف الحجاج والمعتمرون هتافهم السماوي الطاهر: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك.

وهكذا فإنني أعتقد أن مناسك الحج تعيش في عصرها الذهبي، ويلتزم الحجاج مناسك اتفاقية متشابهة، تتم في أجواء روحانية وإيمانية عالية، ينظمها الفقه الإسلامي ولا تحتاج لاي اجتهادات من خارج الفقه الإسلامي الذي اعتنى بشكل كبير ببيان أحكام المناسك وفق ما علمه الرسول الكريم بقوله خذوا عني مناسككم.

ولكن الجانب الذي يتطلب الإصلاح في هذه المناسك العظيمة هي المنافع، منافع الحج التي دل عليها القرآن الكريم مرات كثيرة، ليشهدوا منافع لهم، وهو الجانب المنطفئ في شعيرة الحج المعاصر، ولعله أكثر ما يثير القلق والنزق لدى اللجنة العليا للحج حيث يرتبط في أذهانهم مباشرة بالمحاولات الهائجة لتسييس الحج التي فرضت صداماً دمويا بين الإيرانيين والشرطة السعودية وأفسدت روح المناسك وظهرها وقدسيتها.

وفي هذا السياق تلتزم السياسة السعودية بصرامة إبعاد نسك الحج عن السياسة كلها، وقد يكون هذا موقفاً حكيماً في المناسك وأنا لا أطالب باي نشاط داخل النسك، فالحج نسك مستغرق لا يسع غيره، ولكن هل الجموع المليونية التي تملأ المشاعر بلا قلوب؟ وهل من الحكمة أو الذوق أو الإنسانية أن تتعالى عن العناء الذي يكابده السوري في أرض الشام الشريف التي كانت تاريخيا أرض تواصل وتكامل منذ عهد الإيلاف ورحلة الشتاء والصيف إلى عصر المحور العربي السعودي المصري السوري، مروراً بسير الحج التاريخي إلى مكة عبر بيت المقدس ودمشق.

لقد طالبت منذ سنين طويلة بان يكون على هامش النسك من عمرة أو حج بانوراما للشعب الفلسطيني، يقصدها زوار بيت الله الحرام بعد أداء مناسكهم فيشاهدون فيها ما يشرح للناس عناء الفلسطيني ومحنته، وما يمكن أن يقدمه له إخوانه في الدين من العون والغوث، وان تطرح هذه البانوراما بشكل مستمر برامج تنمية وإغاثة وتعليم محددة ومفهومة ومراقبة يباركها أغنياء المسلمين القادمين إلى النسك وينخرطون فيها لتكون جزءاً من برنامج حجهم ونفقات عبادتهم.

البانوراما السورية التي يجب أن تستضيفها المناسك في تصوري، قاعة عظيمة بين مكة وجدة، تعد فيها برامج إغاثية وتنموية وإسعافية وإعلامية لهذا الشعب المنكوب، يتعرف عليه إخوانه في الدين في هذه الأيام الكريمة، وينخرطون في برامج العون، وفق ما يتيسر من هذه المشاريع، تدعمها حكومات ومؤسسات وطنية ومحلية وإقليمية، تساعد السوريين في الخلاص من النكبة الرهيبة.

بانوراما كهذه يمكن أن تستقطب كل مواهب السوريين لابتكار حلول انسانية لمأساتهم الرهيبة وتمكنهم أن يجدوا على الخير أعواناً، فالقلوب منفتحة خلال المناسك لكل عمل إنساني نبيل، والجود في الحج أقصى غاية الجود.

ومن جانب آخر فمثل هذه البانوراما تقدم أوضح رسالة إعلامية بحقيقة العذاب الذي يكابده السوري في رحلة التيه التي يواجهها هذه الأيام المريرة، وتكون مناسبة لتكريم أبطال الغوث الإنساني والثناء على مواقف الرؤساء والملوك بما يقومون من واجب نبيل تجاه هذه الشعب في نكبته.

ووجود برامج مراقبة ومدعومة من دولة في حجم السعودية يمكن أن يساهم في تخفيف عناء الآلاف من السوريين في الداخل والشتات، ويمكن أن توفر للناس برامج من العطاء والخير وأن تدفع العالم للإسهام في رفع المعاناة عن الإنسانية المنكوبة.

ليس امراً صعباً ان تكون برامج كهذه خالية من السياسة عبر رقابة حكومية صارمة، فليس من هدف هكذا مبادرة الترويج لأحزاب او هيئات وإنما الترويح لرفع العذاب عن الإنسان والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

بانوراما سورية وأخرى عراقية وليبية ويمنية هذا أقل ما يجب أن يتعرف عليه المسلم القادم من أطراف الأرض، عبر برامج حقيقية تحظى بدعم حكومي تدعمها بالتالي مؤسسات وهيئات تجارية واقتصادية وإنسانية.

بانوراما الإنسان .. هكذا أتخيل اسمها وتحصص في كل عام للشعوب المنكوبة لتروي لإخوانها في الدين عذابها ومآسيها، وبالتالي لتطرح برامج وحلولاً يمكنها أن ترفع المعاناة او تخففها، وأن تصحح الصورة الإعلامية التي رسمها الظلم والقهر على وجوه المستضعفين.

إنه أمر عرفه المسلمون في موقف النبي الكريم في خطبته التاريخية في عرفة، فقد كانت خطبة النبي الكريم يوم عرفات ثورة اجتماعية وإنسانية في العمق، وبياناً حقوقياً بالغ الأهمية، ولذلك فإنه  استهلها ببيان قدسيتها ومنزلتها ومكانتها ولم يوجهها للمسلمين وحدهم وإنما قصد الإنسانية بقوله مراراً : أيها الناس… في أي شهر أنتم … في أي يوم أنتم… حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه… قالوا في شهر حرام في بلد حرام … قال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.

وفي خطبة عرفة قام  النبي الكريم بترتيب علاقات العرب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفيها نص على حقوق الإنسان في العدالة والمساواة، كلكم لآدم وآدم من تراب، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

وفي تأكيد لافت على انتهاء عصر الامتيازات العائلية، فغنه أعلن هدم ما بني من ثروات عن طريق الامتياز العائلي وقال: إلا وإن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله.

وفي بيان غير مسبوق للعدالة الانتقالية أكد الرسول الكريم أن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، وهو ابن عم النبي الكريم، في إشارة واضحة إلى طبيعة الانتقال الى الحياة المدنية بعد موجة الفوضى والتوحش التي تسود في منعطفات التغيير الكبرى في حركة التاريخ.

وفي خطبة الوداع أيضاً أعلن الرسول عن سلسلة نظم اجتماعية في علاقات القبائل رسمت ملامح التواصل الاجتماعي لعدة قرون آتية.

بالتأكيد هذه الانجازات لا تشبه اليوم في شيء خطبة المناسك التي يقدمها المفتي السعودي في جامع نمرة، وتنقلها عنه آلاف المؤسسات الإعلامية، ولكنها لا تتجاوز في مخيطها ومحيطها مناسك الحج في الإحرام والطواف والسعي، والأضحية وعدد الجمرات ومواقيت النفرات، وغيرها من تفاصيل النسك الصغيرة وتغيب عنها مطالب الشعوب الإسلامية في الحرية والكرامة، وعناءها الذي تكابده في محاولات القيام، وما ينبغي أن تقوم به الملايين لمساعدة هذه الشعوب المنكوية.

من المدهش أن تكون العرب في جاهليتها تعرف ما يمكن أن يحمله هذه اللقاء الروحي الغامر من مصالح حقيقية للناس، فكان موسم الحج هو موسم النوادي الأدبية والشعرية، حيث كانت تكرم الأعمال الإبداعية الأدبية وتعلق على جدار الكعبة في إشارة لمنزلتها وممانتها، وكانت التحالفات بين القبائل العربية تنعقد في الحج كما في بيعتي العقبة، وكانت الأسواق الاقتصادية الكبيرة تنعقد في أطراف مكة المكرمة، في المجنة وذي المجاز وسوق عكاظ، وقد اختص الأخير بالعمل الفني والأدبي الإبداعي.

فهل تشهد أرض المناسك التي تشهد اليوم أكبر توسعة في تاريخها على مستوى الحجر.. هل تشهد توسعة حقيقية على مستوى البشر تعيد رسالة الحج الإنسانية والاجتماعية في نهضة الأمة وتحقيق العدالة؟

سؤال نضعه بريسم مركز أبحاث الحج والبلد الحرام، وبرسم حكومة السعودية المسؤولة عن رسالة الحج الأعظم.

اقرأ:

د. محمد حبش: هل تلغي مصر بصمة رفح كما ألغت ألمانيا بصمة دبلن؟



Tags: سلايد