on
Archived: د. محمد حبش: الجهاد… من حروب الغزو والفتح… إلى الجيش الوطني
د. محمد حبش: كلنا شركاء
صدر عن أكاديمية العلم والسلم في ألمانيا كتابي الجديد: الجهاد من حروب الغزو والفتح إلى الجيش الوطني…..
إنها محاولة لمقاربة ثقافة الجهاد التي تفرض أسئلة كبيرة وخطيرة في واقع الأمة، وتدفع بثقافة الريب والظنون إلى الغاية.
لاتوجد كلمة في حوار الشرق والغرب أشد هولاً من كلمة الجهاد، إنها تختصر أشكال الصراع ومظاهره ومحدداته وتضع المسلم مباشرة أمام تحديات الدولة الحديثة ومسؤولياتها وواجباتها.
والكلمة بالمناسبة لم تعهد بحاجة إلى ترجمة فالغربي كما العربي يفهمها تماماً، وقد أصبحت مصطلحاً عابراً للغات، يفهمه كل متابع في العالم، ويعتبر منطلقاً أساسياً لمبررات ثقافة الكراهية في شاطئي الاسلام فوبيا والغرب فوبيا.
والكلمة في تفسيرها الحنبلي، الداعشي منه تحديداً عنوان صراع أبدي بين الاسلام والعالم، فهي قتال الناس لإدخالهم في الدين الحق، ولا يبالي هؤلاء أين يذهب هذا اللون من التأويل، ويصر البغدادي في خطابه الأخير على تكرار ما قاله الفقيه ابن رجب الحنبلي بأن الإسلام جاء ليفرض على الناس بالقوة، مصحف يهدي وسيف ينصر، وأن الذين يقولون ان الاسلام انتشر بالدعوة والحكمة واهمون وجاهلون، وأغبياء ساذجون، فالناس ليست مستعدة لترك أهوائها وشهواتها من أجل مثل أخلاقية، وعلينا أخذهم إلى الجنة بالسلاسل!!
وفي توضيح للمزيد من موقف السلفية الجهادية فإن ابن رجب الحنبلي وهو أكثر فقهاء التاريخ الإسلامي تأثيراً في حركات الجهاد السلفي، يقول إن الله بعث محمداً بالحق فمن اتبعه نجا، ومن أسلم عصم دمه وماله، ومن لم يتبعه فإن من حق المسلمين قتاله وقتله وأخذ أمواله غنائم ونساءه سبايا، ويسمى هذا فيئاً لأن المال هنا يفيء أي يعود إلى صاحبه الحقيقي الذي هو الله يقسمه فيمن أطاعه من المجاهدين!!.
تراهن هذه الدراسة على فهم مختلف لموضوع الجهاد، وذلك من خلال ممارسة الرسول الكريم للجهاد الذي لم يكن في جوهره إلا بناء للجيش الوطني، وهو ما تمارسه وتحترمه كل دول العالم، وهو فهم يختلف اختلافاً حاداً عما تتصوره السلفية الجهادية من معنى الجهاد في إرغام الناس على الدين، عن طريق الغلبة والقهر، أو أخذ الجزية منهم وهم صاغرون.
تراهن الدراسة أن هذا الوهم الشائع في فهم الجهاد، والذي تكرسه منابر الجمعة في مسامع الملايين هو فهم يتناقض تماماَ مع التطبيق النبوي للجهاد كما فهمه الرسول الكريم وعلمه.
فقد عاش أكثر من نصف عمر الرسالة يواجه الكيد والبطش والاضطهاد، ولكنه لم يوافق على اي عمل عنيف، ولم يرد في رواية صحيحة أو ضعيفة أنه ابتكر فصائل انتحارية لتنفيذ أوامره على خصومه، بل كان خصومه هم من لطحت أيديهم بدمه ودم أصحابه وكان هو من يصر على رفض كل عمل عنيف، وكان من الممكن أن يستمر على ذلك، لو لم تفرض عليه مسؤولياته في بناء الدولة الجديدة بناء جيشها الوطني.
خمس محاولات قام بها الرسول الكريم لبناء دولته في مكة ثم في الحبشة ثم في الطائف ثم في الحيرة وأخيرا في المينة المنورة، وخلال هذه المحاولات الخمس لم يأذن أبداً باي عمل عنيف، لقد كان نضالا ديمقراطيا سلمياً بامتياز، وحين تعرض نفسه لاقسى اضطهاد وقمع في الطائف، وسال الدم من راسه إلى أخمص قدميه لم يشا أبداً أن يحول نشاطه السلمي إلى أي افق عنيف، ومن اللافت ان الرواية تشير ايضا الى بعد ميتافيزيقي حيث طلب جبريل من الرسول الكريم ان يستعين بغضب السماء وينتقم منهم بزلزال رهيب ويطبق عليهم الأخشبين، ولكنه لم يقبل أيضا وقال اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون.
وحين قامت دولته في المدينة وبعد إلحاح طويل من الصحابة، قام بما تفتضيه مسؤوليته في الدفاع عن أمن البلد والناس، وأسس جيشه لمواجهة الاعتداء الخارجي، وخلال ثمان سنوات فرضت عليه الحرب 27 مرة ولكنه تجنبها في 21 مرة ولم يسمح بالتحام حقيقي بينه وبين خصومه، ونجح في النهاية ان يدخل مكة بسلام، وفي العامين الأخيرين من عمر الرسالة أيضاً لم يخض أي حرب تذكر، وتمكن من حماية حدود الدولة الشمالية يوم تبوك بالمعاهدات والمصالحات.
إن النتيجة التي لا يمكن الشك بها لأي قارئ للسيرة النبوية هي أن الدولة بنيت أولاً ثم الجيش، الدولة هي التي تأتي بالجيش وليس الجيش هو الذي يخلق الدولة.
إن ممارسات الحركات الإسلامية الجهادية تقرأ السيرة النبوية منكوسة، وفي الفقه الخوارجي فإن دعاة الحق مأمورون أن يقاتلوا في سبيل الله، بغض النظر عن موقف الدولة، وإذا بلغ عددهم أربعين فقد اصبحوا مكلفين بالقتال ضد الدولة التي تعطل الجهاد، والجهاد هنا هو جهاد الطلب الذي يأتي في رأس أهدافه إدخال الناس في الدين الحق.
يؤكد الكتاب أن فكرة جهاد الطلب التي اقترحها كثير من الفقهاء هي فكرة مناقضة لمنطق الرسول الكريم في إدارة الحرب، فلم يذهب دعاته بالسيوف إلى الحبشة ولا إلى مصر ولا إلى العراق ولا إلى البحرين، وإنما مارس الجهاد حين فرض عليه جهاد دفع لا جهاد طلب، وأن مبررات جهاد الطلب التي استخدمها الخلفاء المحاربون زالت بالكامل حين أصبح متاحاً للداعية المسلم أن يدخل أي بلد لنشر الإسلام فيها ودعوة الناس، ولم يعد أي معنى ليكون السيف مشرعاً فوق رؤوس الفاتحين ليأخذهم بالإسلام رغباً أو رهباً.
وحين تحدث عن فتح الشام والعراق كان يمارس دور الجيش الوطني المحترم في تحرير كامل ترابه الوطني من احتلال الروم للشام العربية واحتلال الفرس للعراق العربي والكردي، وهو أمر تم واكتمل برحيل كسرى وقيصر من حيث جاءا فيما بقيت الشام لعدة قرون بأغلبية مسيحية وكذلك العراق.
الجهاد الذي مارسه الرسول كان دفاعاً عن بيضة الأمة، ورداً لأطماع الكائدين، وكل حرب رويت في غير هذا المعنى فإنها من تصرف الرواة وضعها متحمسون يرغبون أن يروا النبي الكريم فاتكاً من فاتكي العرب لا ينزل عن حصانه ولا يغمد سيفه، ولم يشاؤوا أن يقرؤوه كما كانت سيرته الكريمة أشد الناس بغضاً للحرب وكراهية لها، يتجنب لقاء العدو ما استطاع، ويخندق حول مدينته، ويوقع صلح الحديبية الذي استفز أشد أصحابه إيماناً، ويطرح الحلول السلمية الممكنة ليجنب الناس الحرب، وغاية حربه السلم وليست الاسلام، وقرآنه يقول وإن جنحوا للسلم فاجنح لها، فجعل جنوحهم للسلم كافياً لإنهاء الحرب ولم يشترط جنوحهم إلى الاسلام.
يحاول كتابي الجديد أن يفتح الأبواب نحو جهاد بصير يرضاه الله ويحترمه العالم، يمضي فيه الجهاد في سياق بناء الدولة المحترمة القوية وليس في سياق الغزو والفتح الذي كان سائداً في العالم آنذاك، ولم يشا النبي ان يمارسه ولكن مورس بكثرة لافتة بعد رحيله.
الجهاد في الإسلام هو الجيش الوطني الذي يقوم بواجباته التدريبية والوقائية والإعمارية، ويحقق الجاهزية لتجنب الحروب وليس للانخراط بها.
قناعتي ببساطة أن الجهاد الذي قدمه الرسول الكريم هو محل احترام العالم الحر، الذي تقر كل قوانينه تأسيس الحيش في ظل الدولة وليس خارج المؤسسات.
يبقى السؤال هل تقدم الجيوش العربية صورة لجيش الجهاد في رسالته وبسالته؟ أم أنها تحولت علقة عناء وعذاب على الشعب الذي صار يتقي شرها وبطشها أكثر مما يتقي بطش عدوه.
من المؤلم أن الكاتب الذي يخط هذه السطور دفاعاً عن الجيش الوطني ومسؤولياته الوطنية يطارده هذا الجيش بتهمة دعم الارهاب وتمويل الإرهابيين…..
اقرأ:
د. محمد حبش: سياسة بلا ضمير…بؤس الديمقراطيات الكاذبةTags: سلايد