on
Archived: إبراهيم الجبين: كيف سيجري التفاوض في جنيف؟
إبراهيم الجبين: كلنا شركاء
ليس مهماً التوقف عند الخبر الذي نقل عن إخضاع أعضاء الوفد السوري المعارض إلى جنيف، لدورات في التفاوض. لأسباب عديدة أولها أن الوفد المقابل ليس جهة جديرة بالتمرّن على مفاوضتها. فحججه خارج منطق المساومات العقلانية والسياسية. وما يمكن أن يقدّمه ليس أكثر من التهديدات أوالتشبث بالمواقف الوحشية وحصار المدن وابتزاز الآخر بالمعتقلين الذي تم اعتقالهم بهذه الأعداد من أجل مهمات من هذا النوع، لا باعتبارهم مواطنين يتشاركون مع نظام الأسد بالهوية. بل باعتبارهم أسرى حرب.
بالمقابل، فإن الدول التي ترعى الأسد وما تبقى من هياكل قائمة في مؤسسته الأمنية. هي التي ترسم حدود التنازلات وآفاق التفاهمات. وبالتالي لا ضرورة للتحسب مما يمكن أن يطرحه وفد بشار الأسد بأي صورة من الصور. ما دام الرعاة يديرون الأمور بتنسيق دولي مسبق.
أمام وفد الهيئة العليا للمفاوضات، والتي تمثل جانب المعارضة السورية. مهمة أكبر من التفكير في ما يجب التفاوض عليه. بالتركيز على ما يتوجب عدم الخوض فيه. ومنع وفد نظام الأسد من طرحه على الطاولة. وعدم الانجرار خلف كل متاهة تشكلها العناوين الجذابة لدي مستورا التي يمكن أن يتلاعب بها وفد الأسد.
القضايا التي تسمّى تساهلاً بـ “القضايا الإنسانية”، وهي جوهر الصراع الشعبي ضد بشار الأسد، وليس “الانتقال السياسي” كما آلت إليه الأمور. أي إيقاف قصف المدن والأرياف وفك الحصار عنها وإطلاق سراح المعتقلين والتوقف عن اعتقال المزيد منهم. تلك القضايا التي يراد لها أن تكون بوابة “سهلة” للحديث عن البعد السياسي للمفاوضات. ستكون هي الحقل الملغّم الذي سيعمل وفد الأسد على استدراج وفد المعارضة إليه. وكما تحدث رئيس وفد النظام بشار الجعفري في أول مؤتمر صحفي له. فإن هذه القضايا ستتطب الكثير من البحث. “لن يكون هناك مفاوضات، بل مشاورات لبحث الامور الإنسانية”. ومن ذلك على سبيل المثال ما اعتبره الدبلوماسي السوري الذي رفضت بسببه إيران الطلب الروسي بتعيين وليد المعلم رئيساً للوفد السوري، تبادلاً للافراج عن الأسرى. مطالبا المعارضة بالكشف عن مصير الآلاف ممن سمّاهم مخطوفين. أي أنه صنّف أسرى الحرب من جيش النظام مقابل المعتقلين المدنيين في سجون النظام. مضيفاً إليهم ما أقدمت داعش والنصرة على أسرهم.
ومن خلال تجربة الزبداني ـ الفوعة كفريا السابقة. فإن نظام الأسد لا يفاوض على ما يعنيه وحسب. بل هو مندوب عن الإيرانيين وحزب الله والميليشيات العراقية والأفغانية التي تدعمه. مستخدماً المسائل الإنسانية لتحقيق تغييرات دميغرافية سكانية تعتمد التهجير الطائفي. بينما ذراعه الكردي حزب البي ي دي بزعامة صالح مسلم يمارس التهجير العرقي ذاته ضد القرويين العرب (وفق ما برهنت عليه منظمة العفو الدولية وتقارير لجان التحقيق) في الشمال السوري. في المناطق التي تحررت من نظام الأسد وطردت منها ما تعرف بقوات الحماية الكردية كتائب الحر في وقت مبكر قبل ظهور داعش.
الابتكار الذي يعتقد المبعوث الدولي دي مستورا أنه قد توصل إليه. هو عقد مباحثات منفصلة، للفريقين كلاً على حدة. وهو الأمر الذي جربه سلفه الأخضر الإبراهيمي. قبل أن يعلن استقالته محملاً نظام الأسد مسؤولية فضل المساعي السياسية. مبرراً موقفه لاحقاً بأن وفد النظام لم يقبل على الإطلاق تقديم أي بادرة لحسن النية أو على الأقل تعاملاً لائقاً مع وفد المعارضة، “كانوا يصفون إخوتهم من المعارضين السوريين بأفظع الأوصاف، كخونة وإرهابيين وغيرها”. ذلك الابتكار سيساعد دي مستورا على إطالة عمر المفاوضات. على الأقل إن تحلى هو بالصبر. فربما كانت دوافعه الشخصية تختلف عن دوافع الإبراهيمي الذي كان قد ساهم في صناعة اتفاق الطائف حول لبنان من قبل. والذي يتأثر لاشك بذاكرته العروبية أيام ثورة الجزائر وتداعيات الأوضاع العربية من أيامها حتى لحظة الربيع السوري الذي حوّله نظام الأسد إلى بحر من الدماء.
لاشك أن الفارق ما بين الضمانات التي تحدث عنه بعض أعضاء وفد المعارضة، والتطمينات التي تحدث عنه آخرون في الوفد ذاته. والتي قيل إنها أعطيت من قبل الوزراء العرب والغربيين لهم لدفعهم إلى الالتحاق بركب جنيف. سيكون عاملاً حاسماً في استمرار وفد المعارضة في المدينة السويسرية المزحمة بالإعلاميين، والذين يراقبون كل صغيرة وكبيرة في أداء وفدي الأسد والمعارضة.
وفي الوقت الذي تذهب فيه المعارضة السورية مدعومة هذه المرة، بترتيبات سعودية عربية إقليمة ودولية كبيرة، لم تنس أن تحتفظ لنفسها برصيد من تكرار الأخطاء التي سبق وأن وقعت بها، على مستوى الأداء المهني في ما يتعلق بالتسويق والمواكبة الإعلامية. معتمدة على الآخرين، كما حدث عشرات المرات خلال السنوات الخمس الماضية.
وكان عضو وفد التفاوض المعارض محمد علوش ممثل جيش الإسلام، الذي خسر قائده زهران علوش مؤخراً في عملية اغتيال في ريف دمشق، قد أعلن عن مشاركته في جنيف لإحراج العالم، والبرهنة على أن نظام الأسد غير جاد في التوصل إلى حل سياسي. علوش قال في السعودية قبل أيام إن وفد المعارضة قد بدأ بالتدرّب على أصول التفاوض مع النظام، وفقا للاختصاصات المسندة إلى كل شخص خلال عملية التفاوض. مضيفاً أن الوفد “المنبثق عن الهيئة العليا، يشمل كل الاختصاصات من جوانب حقوقية ومتخصصين في القانون الدولي، مبينا أن الفصائل العسكرية مقتنعة بنسبة تمثيلها في الوفد”.
ووسط أنباء عن نية كيري ولافروف القدوم إلى جنيف الثلاثاء القادم لدعم العملية التفاوضية وتطبيق ما تسرّب عن تفاهم دولي مسبق تكون جنيف مجرد منصة إعلامية له، يبدو الحل السياسي الذي ستكون المفاوضات بوّابته حلاً شديد التعقيد. ومن المستبعد التوصل إلى أي تقدم فيه. بعد خمس سنين من رفض نظام الأسد الاعتراف بوجود معارضة تنازعه على حكم سوريا. وتخالفه الرأي في كيفية إدارة شؤون البلاد. كما في كل دول العالم.
لم يتلعثم الجعفري ممثل نظام الأسد في جنيف، حين قال إن من يأتي إلى المفاوضات مطالباً بشروط مسبقة هو “هاوي سياسة”، وليس محترفاً. في إشارة إلى مطالبة وفد المعارضة بتطبيق فقرات قرار مجلس الأمن 2254 المتعقلة بضرورة التوقف عن قصف المدنيين وفك الحصار عن المدن وإطلاق سراح المعتقلين. ولو كان لدى وفد المعارضة فريق إعلامي مرافق لكان وجّه أصغر صحفييه عمراً سؤاله إلى الجعفري على الشكل التالي “ولكن يا دكتور جعفري، ألا تأتون أنتم إلى مفاوضات جنيف بشرط مسبق عريض؛ التمسّك ببشار الأسد رئيساً لسوريا حتى بعد أن دمّر البشر والحجر، مطبقاً شعار مؤيديه (الأسد أو نحرق البلد)؟”.
اقرأ:
إبراهيم الجبين: ما تريده روسيا من جنيف3Tags: سلايد