on
Archived: د. يحيى العريضي: تجَرُّع المُر و فَلُّ الحديد
د. يحيى العريضي: كلنا شركاء
في عالم سنوات حروبه أضعاف أعوام هدوئه وسلامه، بزغت قاعدة تقليدية تقول: “لنتكلم بالسلام، ونجهّز للحرب”. لخمس سنين متواصلة، ما انفك العالم عن الكلام بالسلام لسورية، لكنه ماجلب لها سلاماً، بل ساهم بتأجيج أوار حربها.
ديمومة سفك الدم السوري لم تأت من خصوصية هذه الحرب( نظام يقتل شعبه، لأنه أراد أن يتنفس بطريقة طبيعية) بل من رغبة كامنة لدى كثيرين باستمرارها؛ ومن جشع خاص لدى جهة بعينها لهذا الدم؛ إلا أن تدفق اللاجئين واقتراب الحرائق من فاقدي المناعة، دفع العالم لاجتراح قرار دولي يأتي على ذكر تفاوض ووقف لإطلاق الموت.
لم يكن مصير القرارت الأممية السابقة إلا الفشل؛ ليس لأنها لم تتحدث عن السلام، بل لأنها كانت إعدادات لمزيد من الحرب والدم. ولن يكون مصير آخر قرار دولي إلا مشابها لسابقاته، فلم يكد يجف حبره إلا وبدأت طائرات أحد مهندسيه تدك أرواح السوريين. فكيف لقرار يدعو لمفاوضات بين النظام والمعارضة أن يُنَفَّذ، عندما يكون من أصدره هم أنفسهم أصحاب قرار ديمومة الحرب وليس الطرفين المجلوبين للتفاوض حتى الهدن الصغيرة في مختلف مناطق سورية تتم من قبل جهات ليست سورية.
لا بد للتفاوض أن يكون بين طرفين متوازييين بالقوة والثقل؛ فإن كانا بلا قوة ولا ثقل ومصيرهما بيد غيرهما ، فلا يستقيم أن يقررشيئاً على الإطلاق. كل المدعويين في ورطة: المعارضة بين تعب الناس والرغبة في إيقاف القتل بأي ثمن، وبين ضغط المصالح الدولية المتأرجحة بين امتداد النار إلى ديارها ورغبتها في حصرها في الجسد السوري، والنظام بين مطرقة فقدان السيادة والحلم بإعادة التأهيل. وأيُ قدر من هذه الأقدار لاينسجم مع الآخر.
مايعنيني ها هنا ليس ماعلى النظام فعله، فله ما ومن يدبّر أمره بدفعه للتفاوض كورقة نجاة جديدة؛ علَّ حلم إعادة التأهيل يتحول إلى حقيقة. مايعني هو من رمته الأقدارأو اختار لنفسه ليكون على الضفة الأخرى أو الجانب الآخر من طاولة التفاوض. لقد اقترح أحدهم أن تقوم كل الأجساد الساسية على الضفة الأخرى بإعلان حل نفسها، وتشكيل مجلس ثوري لينطق باسم قضية الشعب السوري المذبوح لخمس سنين. أميل إلى الموافقة على هذه الرؤية لإيماني أن الثورة الحقيقية لا تركض وراء أحد، وإنما يُركَض وراءها وتُسترضى وتُعزز حتى في الأزمان الحقيرة. أميل إلى ترك هذا العالم – الذي يستحث مفاوضات بين المجرم والضحية، بين القاتل والمقتول، بين الظالم والمظلوم – أن يواجه المأساة السورية وما ولّدته وتولّده وستنشره من فوضى عالمية بنفسه؛ وليحمل أعباءها؛ وليحترق بحريقها، لأن السوري مابقي لديه شيء ليخسره بعد الجوع والتشرد والسجن والقتل والدمار الاجتماعي والنفسي.
أتفق أيضا مع النظرية التي تقول إن الأجساد السياسية يجب أن لا تكون شاهد زور أو ديكور يزين المأساة السورية. الفعل السياسي او الدبلوماسي في عالم يحكمه منطق القوة والعربدة والتزوير، لا قوة المنطق والحق والانصاف عاد فاعلاً او ذا قيمة؛ وما هو بقادر على وقف حرب يشنها نظام مجرم على شعب طلب جرعة أوكسجين طبيعية. لتدع تلك الأجساد السياسية المتعبة والمستهلكة هذا العالم ينظف الأوساخ التي ساهم بتراكمها وتفاقمها. ومن هنا أعتقد أن أهل الدم وأهل المعاناة والآلام الأسطورية من السوريين سيكونون حتى بحالة امتنان لتلك الاجساد إن هي اراحت واستراحت.
ولكن… ولكن… – وبعد املاءات “السيد جون كيري” مبعوث إيران وروسيا للتواصل مع المعارضة – وإن … وإن لم يكن هناك بد من تلك الجلسات المشؤومة على طاولة المفاوضات مع القتلة، فعلى من يجلس على ضفة الشعب المكلوم أن يتذكر أن مالم يتم الحصول عليه بالقوة؛ لايمكن الحصول عليه بالمفاوضات. ومن يعتقد ان المفاوضات مع نظام القتل من اجل السلطة مخطئ. إن كان ممثلوه سيسعون للاحتفاظ بسلطة فقدوها بحكم إجرامه، فإن الثورة ستسعى لاستعادة وطن وتحريره من الظلم والاحتلال وتعيد هذا الوطن الى الحياة.
بداية وبشكل مواز لأي فعل سياسي لا بد من العمل على تأسيس “المجلس الثوري” لخلق توازن قوة ورعب على الأرض؛ فوقف إطلاق النار مسألة مستحيلة دون قرار دولي وقبعات زرق دولية. وهذا يجب أن يكون المطلب الأول للمسار السياسي؛ والذي لن تتمكن الأمم المتحدة من رفضه. مطلب رفع الحصار والتجويع يصعب رفضه أيضا؛ وخاصة بعد مضايا.
طاقم النظام المفاوض لن يلجأ هذه المرة إلى تضيع ولخبطة جدول الأعمال و الأولويات، بل إلى الشتائم و الشخصنة والوقاحة المفضوحة دون وجل أو حياء. ومقابل ذلك لا بد من تقديم الوثائق اللازمة التي تصر على العدالة الانتقالية والمحالكمة الدولية وملاحقة مجرمي الحرب من النظام؛ ومقابلة الشتائم والشخصنة بما يدين أولئك شخصيا وبالوثائق.
أما عن محاربة داعش والإرهاب، فيجب ألا يكون لها مكان في النقاش مع هكذا إرهابيين. فعلى المفاوضين من جهة الشعب أن يعدّوا خطة خاصة بهم قوامها الجيش الحر لمحاربة داعش ومقاومة الإرهابيين الجالسين أمامهم على حد سواء.
على المفاوضيين ألا يقبلوا بأي دستور تشرف عليه الأمم المتحدة له صفة الديمومة في هكذا ظروف استثنائية، ويكتفوا بإعلان دستوري لتنظيم الفترة الإنتقالية فقط
إن كان لابد من تجرع هذه المرارة والجلوس مع القتلة، وفي عالم ماكر خبيث أخلاقه في إجازة مفتوحة، لابد من شيء من الجسارة النادرة، لأن الأخلاق في هذا المقام ذل وهوان وحتى لا أخلاق بعرف العصابة الحاكمة. لابد للسفيه ممن يرد سفهه إلى نحره وخاصة عندما يكون قاتلاً. قوة تحدي هكذا مخلوق تكمن بأنك لست قاتلا. إنه تجرع المر الذي ربما لابد منه؛ ولكن هذا قد لا يكفي؛ ولا بد من أن يقترن بفلِّ الحديد.
اقرأ:
د. يحيى العريضي: بوتين، وخطاب نصر (صوري) لا (سوري).. تكتبه له أمريكا
Tags: سلايد