on
Archived: إبراهيم الجبين: المعارضة السورية واختبار اللحظة القادمة
إبراهيم الجبين: كلنا شركاء
تمكّن نظام حافظ الأسد عبر ثلاثين عاماً حكم فيها سوريا، من تحقيق أهدافٍ ثلاثة بنجاح فائق. الأول كان التخلص من كل منافسيه داخل مؤسسة الحكم التي جاء منها، حزب البعث، ومعهم القيادات العلوية التي رافقت مسيرته قبل تشكيل اللجنة العسكرية التي استولت على ثمار انقلاب الثامن من آذار والذي قاده ضباط ناصريون وبعثيون.
المهمة الثانية التي حرص الأسد الأب على إتمامها، كانت تمزيق المعارضة السورية بأطيافها، سواء الإسلامي منها أو اليساري الديمقراطي والثوري، وذلك بتقديم مقترحات جذابة لشخصيات مثل خالد بكداش وغيره، ممن سارعوا، بعد عامين فقط من تولي الأسد سدة الحكم، إلى تشكيل الجبهة الوطنية التقدمية مفارقين رفاقهم في النضال مثل رياض الترك وغيره. فتشكّل للأسد نظام حكم قوي، وفي الوقت ذاته، معارضة ملائمة له.
النجاح الثالث لحافظ الأسد، والذي يعدّ، بتصوري، الأخطر. كان خلق الفراغ السياسي الذي ستسبح فيه ذلك النمط من المعارضة السورية الذي لم ينخرط معه في نظامه الجديد. وهو الفراغ الذي تدفع اليوم ثمنه تشكيلات المعارضة التي تقود العمل السياسي لانتفاضة الشعب السوري التي اندلعت في ربيع العام 2011.
الفراغ الفكري السياسي
كان الأسد قد استفاد من غض الطرف الدولي المديد عنه وعن ممارساته وطبيعة نظامه، لمعالجة جميع المشكلات التي تسبب بها هؤلاء وبطرق مختلفة. فكانت خياراته للتعامل مع معارضيه، تبدأ من شلّ حركتهم وهم طلقاء، أو اعتقالهم وزجهم في السجون لأعوام طويلة، أو تفجير العلاقة معهم إلى حدود الصدام المباشر، كما حصل في حماة ودير الزور وحلب وجسر الشغور في بداية الثمانينات. حينها لم يكن الأسد يصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها جماعة إرهابية، ولم يلصق بها أي اتهام بالقيام بتمرّد عسكري أو تفجير هنا أو هناك. بل حاول استثمارهم على قدر ما استطاعن وهم سلموا له قيادهم بفضل الميزة التي نكرر أن الجماعة اشتهرت بها ” ارتكاب الأخطاء التاريخية”.
إذ بعد تفجير “مدرسة المدفعية” في حلب يوم السبت 16 من حزيران ـ يونيو من العام1979. فوجئ الأسد بوفد من مشايخ مدينة حلب يزوره في مكتبه. وكان من بين أعضاء الوفد قيادات في جماعة الإخوان المسلمين. وكان علماء حلب يريدون منع انزلاق المدينة إلى “الفتنة” كما قالوا. وقد عبروا عن رفضهم لأساليب فروع المخابرات السورية في التحقيق وتعذيب المشتبه بهم.
عاد المشايخ إلى حلب، بوعد من حافظ الأسد. وقابلوا بتوصية منه، رؤساء الفروع الأمنية فيها. وخرج العقيد علي سعد الدين رئيس فرع أمن الدولة في حلب، ليعلن أن الإخوان المسلمين أبرياء من حادثة المدفعية، وأن تنظيم الطليعة هو المسؤول الوحيد. وقبل أن ينتهي العام 1979 كان أمين يكن نائب المراقب العام للإخوان المسلمين، يزور القصر الجمهوري، ويلتقي مع حافظ الأسد مبرماً معه اتفاقاً يقضي بإطلاق سراح معتقلي الجماعة من السجون.
الإخوان شركاء من؟
في الـ 23 من آذار مارس من العام 1980، ألقى حافظ الأسد خطاباً قال فيه إن “الإخوان المسلمين في سورية ليسوا مع القتلة. ولا خلاف لنا معهم إطلاقا بل نحن نشجعهم. ولهؤلاء الحق، بل وعليهم واجب أن يقترحوا علينا وأن يطالبونا بكل ما من شأنه خدمة الدين ورفع شأن الدين”.
لكن الأمر كان قد أبرم. وكان الأسد قد أخذ من الإخوان المسلمين ما أراد، بالإطباق على الطليعة وكل تمرّد آخر وقع حينها. ولم يطق الديكتاتور العسكري إطالة الصبر. فقد كان يدرك أن عليه التخلص من التزامه مع الإخوان. ولم تمض أربعة أشهر على ذلك الخطاب الذي تغنى فيه بفضائل الإخوان، حتى أصدر الأسد القانون 49 في العام 1980 الذي يقول بالحرف “يعتبر مجرماً ويعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين”.
منذ تلك اللحظة، وبمسيرة تخللها الكثير من المآسي التي دعمها الأسد بمجازره، اعتبر الإخوان المسلمون أنفسهم ضحية تاريخية للأسد، بسبب معارضتهم له. رغم تفاهمهم معه كما سلف. وأضيفوا إلى ذلك القسم من معارضي الأسد من غير الإسلاميين. غير أنهم كانوا قد قدموا للأسد فرصة أن يتهم كل مخالف لحكمه، إن كان مسلماً سنياً، بالانتماء إلى تلك الجماعة التي اعتبرها الأسد إرهابية وأصدر بحقها قانوناً يحكم على من يؤمن بأفكارها بالإعدام. فتم تنميط الغالبية من الشعب السوري بالتلويح بالتهمة التي يمكن أن تودي بحياة صاحبها. وأصبح كل مسلم سني سوري، إخوانياً، حتى تثبت براءته.
في تلك اللعبة الدموية ـ السياسية، كانت أطراف تنتظر التخلص من المعارضة الإسلامية، لتعقد صفقتها بدورها مع الأسد. فكان جمال الأتاسي قد حضّر مشروع التجمع الوطني الديمقراطي الذي اعتبر هو الفضاء الذي “حُبس” فيه ما تبقى من أطياف المعارضة السورية. تشكل التجمع من خمسة أحزاب يسارية سورية. هي حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي بقيادة حسن عبد العظيم الذي كان قد أعلن تأييده للحركة التصحيحية التي أعلنها حافظ الأسد في العام 1970 ودخل مجلس الشعب. ثم ما لبث أن انسحب محتجاً على المادة الثامنة من الدستور. حزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي بقيادة إبراهيم ماخوس الذي فرّ إلى الجزائر وعمل فيها طبيباً وواصل معارضته لحافظ الأسد بعد أن كان أحد أركان حكم البعث حتى العام 1970. الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي أو جناح رياض الترك، حزب العمال الثوري بقيادة الياس مرقس ثم طارق أبو الحسن، وحركة الاشتراكيين العرب التي تعتبر امتداداً لأكرم الحوراني. وكانت فلسفة الدكتور جمال الأتاسي تقوم على اعتبار نظام حافظ الأسد “أمراً واقعاً” وأن معارضته يجب أن تنحصر في كونها سلمية مهما فعل.
لم ينته عقد الثمانينات إلا وقد أكمل حافظ الأسد معالجته تلك مع كافة الأطياف المعارضة السورية. فاستقر نشاط تلك المعارضات، على الجانب التنظيمي القائم على مبدأ حفظ التنظيم من الانهيار والتبدد، أكثر من التركيز على الأداء السياسي. كونها كانت تعيش تحت تهديد الملاحقة والاعتقال والنفي. فقضى العمل السرّي والاعتقال والبعد عن البلاد، على أي خبرة يمكن أن تكتسب على مستوى الأداء السياسيى ومعالجة الملفات. وهو الأمر الذي استمر خلال العقود اللاحقة عبوراً إلى عهد بشار الأسد.
ولم تجد نفعاً محاولات ما عرف بربيع دمشق ثم إعلان دمشق في كسر الطوق. فالحال ذاتها بقيت ثابتة. ونظام الأسد الابن كان يكرّر ما فعله نظام الأسد الأبد. وبدورها كانت المعارضة السورية تكرّر ما فعلته أجيال مضت منها، وبعض قياداتها كان ولم يزل على قيد الحياة. فذهب إلى السجون من ذهب، وواصل العمل السري من واصله، وخرج إلى المنافي من خرج.
هذا المشهد هو ما استيقظت عليه المعارضة السورية صبيحة اندلاع الربيع العربي في العام 2011. وإذا بها ترى الجموع تخرج في الشوارع، وتواجه الرصاص، وترفع شعارات الحرية والكرامة. وكان عليها أن تفعل شيئاً إزاء هذا الجديد. فهي المرة الأولى التي يتقدم فيها الشارع على نخبته. ويقودها بدلاً من أن تقوده.
ارتباك طويل
الشباب هم من أراد التغيير. المجتمع والبسطاء والمرأة والطفل، الذي لم يكتف برمزية الحضور، بل كان أول من خطّ عبارة “الشعب يريد إسقاط النظام” على جدران مدرسة في درعا، وكان من أوائل الشهداء والمعتقلين. ولم تجد المعارضة التي “هرمت” وشاخت، سوى أن “تؤيد” حراك الشعب. وأن تمضي خلفه، لا أمامه. وأن تبحث عمّن يعترف بتأييدها ذاك للشعب، من بين أفراد الشعب ذاته، ولم ينجح الجميع في هذا. بل أخفق كثيرون في سباق لياقة اللحاق بمطالب الشارع. فانقلبوا إلى مترددين ثم إلى رماديين، وانمسخ بعضهم (ممن دفع ثمناً غالياً في السجون في الماضي) إلى عدوٍ للانتفاضة الشعبية السورية، ملتصقاً بنظام الاستبداد.
اندفعت الناس إلى الشوارع، وارتبك نظام بشار الأسد. وارتبك معه المجتمع الدولي. صحيح أن الأخير كان قد فهم الدرس من تجربتي تونس ومصر، فسلّم قياد الأمور إلى المجلس العسكري في مصر، وطبق حلاً أممياً عسكرياً في ليبيا. وفوّض دول الخليج لمعالجة المسألة اليمنية.
غير أنه في ما يتعلق بسوريا، لم يتوقف يوماً عن وصف تلك الثورة الشعبية التي اشتعلت فيها، بأنها “ثورة بلا قيادة”، مطالباً الجماهير بالتعبير عن ذاتها من خلال “التمثيل”. ومن خلال القيادات التي تراها مناسبة لحمل مطالبها. وبدأ يتردّد قول غوستاف لو بون في كتابه”سيكولوجيا الجماهير” أنه “لا جماهير من دون قائد. ولا قائد من دون جماهير”، فتشكلت هيئات ومجالس وتيارات خلال السنوات الخمس الماضية أكثر مما كان يخطر ببال كل المعارضين السوريين في يوم من الأيام.
لكن هذا التمثيل واجهته تعقيدات المشهد السوري إقليمياً ودولياً. وكان عليه، كي يحصل على المزيد من الشرعية، أن يردّد هتافات الجماهير التي خرجت إلى الشوارع بشكل يومي. وكان يتورط أكثر وأكثر في استحقاقات ذلك التمثيل وتلك الشعارات. فقيادة الثورة تفترض تلبية ما تحتاجه تلك الثورة وما ينقص الناس في المخيمات والمدن المدمرة والمقاتلين ممن حملوا السلاح، لتبدأ دوامة لا أول ولا آخر لها.
حصل هذا كلّه، وسط غياب واضح وجلي لأي مشروع سياسي جديد، يحمل مبادئ وأفكاراً طرحته الانتفاضة السورية في مطاليبها. وكان تجميع الناس تحت تلك الشعارات أمراً غير مجدٍ، فالمشروع يتطللب رؤية واسعة، لم يتقدم بها أحد. رغم كل الدراسات التي تحدثت عن “اليوم التالي” لسقوط الأسد. وعن “العدالة الانتقالية” وعن مواثيق الوحدة الوطنية.
الغائب الأبرز
لكن العامل الغائب بقي على الدوام، كان المستهلك. حين تجري المقارنة المؤلمة بين تسويق أي أي بضاعة، وتسويق أي فكرة أو مشروع وطني. والمستهلك الأوحد هنا، ليس الجهات الداعمة غربية كانت أو شرقية، التي ستموّل تلك المشاريع، أو تحاكمها وتحكم عليها بالتعددية والديمقراطية والليبرالية. بل الشعب ذاته، الذي تركته المعارضة نهباً لثلاثة أطراف لم ترحمه؛ نظام الأسد الذي دمّر حياة السوريين ومدنهم وقراهم وأمانهم، وتنظيم داعش الإرهابي الذي جاء ليكمل مهمة الأسد ومعه أشباهه، والتيارات الإسلامية الجهادية التي اضطرت على مضض للتوقيع على تصور لسوريا غير الذي تراه في أدبياتها. فلا خلافة ولا دولة إسلامية ولا تطبيق للشريعة ولا من يحزنون.
تختار المعارضة التقليدية السورية، أن تبقى “معارضة” لنظام تقول إنه لم يعد شرعياً. وفي الوقت ذاته ليس في جعبتها سوى المشاريع السياسية القديمة التي لو طرحت اليوم على الاستفتاء لما وجدت من يصوّت لها، فمن هذا الذي يريد دولة ماركسية في سوريا؟ أو دولة اشتراكية ناصرية؟ أو بعثاً من جديد؟ وبالطبع لا أحد سيوافق على دولة إسلامية سيما بعد تجربة داعش.
ولا يمكن لي أن أنسى شخصياً، عدد المرات التي هرب فيها معارضون سوريون من أسئلة هامة وحساسة، كنت ولا زلت أعتبرها استحقاقات أساسية في مخاطبة وعي الناس، وحقاً من حقوقهم، وواجبة الطرح على من يعمل في الشأن العام؛ أسئلة من نوع “ماذا عن الهوية؟ ماذا عن العروبة كهوية اجتماعية وثقافية للعرب السوريين، ودمشق ركن أساسي لها، وهي في قلب المشروع العربي الإقليمي الذي لا يقوى على النهوض من دونها والذي يفترض أنه هو من سيدعم ثورة الشعب حتى تنتصر؟ ماذا عن إسرائيل؟ ماذا عن الأكراد السوريين؟ ماذا عن التركمان السوريين؟ ماذا عن العرب السنة السوريين من غير المطالبين بمستقبل داعشي؟ ماذا عن المسيحيين؟ ماذا عن الطوائف في دولة ديمقراطية؟ ماذا عن المحاصصة التي طرحت في لبنان، وكررت الولايات المتحدة الأميركية طرحها كمشروع وطني فاشل بعد احتلاها للعراق؟ ماذا عن الكم الهائل من المنخرطين في الدولة التي ابتلعها نظام الأسد الأب والابن؟ ماذا عن العقد الاجتماعي الجديد قابل التطبيق، لا العقود الاجتماعية المستنسخة كي ترضي الداعمين؟. ليبقى اختبار اللحظة القادمة، في جنيف من جهة. وعلى الأرض السورية، ميدان المعارك من جهة أخرى، قائماً أمام قادة الرأي. الذين تقاسموا المهمات اليوم بين مقاتل وثوري ومفاوض. اختبار ليس أمام خصمهم على الطاولة، ولا أمام روسيا وإيران وبقية داعمي الأسد. ولا أمام داعمي الثورة السورية من العرب وغيرهم. بل هو قائم أمام السوريين أنفسهم. مصدر كل شرعية.
Tags: سلايد