on
Archived: إبراهيم الجبين: سقوط الرايخ الأسدي الثاني عشية وقف إطلاق النار
إبراهيم الجبين: كلنا شركاء
وقف مئتان وخمسون شخصاً تحت الشمس في ساحة فيلهلم بلاتس في برلين. دون أن يبدر منهم أي رد فعل، بعد أن أعلنت المايكروفونات أن بريطانيا أعلنت الحرب ألمانيا النازية في الثالث من سبتمبر عام 1939.
في تلك اللحظة، شعر هؤلاء أن قائدهم الفوهرر أدولف هتلر قد ساق خطاهم إلى حرب طاحنة. وفي مواقع كثيرة أخرى في ألمانيا كان كثيرون يشاركونهم الشعور ذاته. لكن الجيش والمؤسسات تبعت هتلر في حربه. ورضخت لقرارات قيادته المطلقة. حتى لحظة سقوط الرايخ الثالث.
هذا ما رواه المؤرخ السياسي الأميركي وليام لورنس شيرر في كتابه “صعود وسقوط الرايخ الثالث ـ تاريخ ألمانيا النازية” الصادر في العام 1960.
في سوريا. مرّت سنوات خمس قبل أن يهتف العلويون في حمص بهتافات غالبية الشعب السوري التي انطلقت منذ بدء الانتفاضة الشعبية ضد نظام الأسد في ربيع العام 2011. لكن هتاف “الشعب يريد” حتى وإن كان سقفه اليوم في حي الزهراء الحمصي “إسقاط المحافظ” حتى اللحظة. يعني أن أن هؤلاء قد بدأوا يشعرون بما شعر به الواقفون تحت الشمس في برلين قبل عقود. فقائدهم الأوحد إلى الأبد (الأسد) لم يتمكن من حمايتهم من التفجيرات والتهديد الأمني المستمر. ولم يعد قادراً على إقناعهم بأي إجابة على سؤالهم “لماذا تكثر التفجيرات الإرهابية كلما اقتربت جولة مباحثات سياسة أو زيارة لهذا المسؤول الدولي أو ذاك لمناقشة أي مخرج للأوضاع في سوريا؟”.
كثيرون من ملايين السوريين الذين ثاروا على الأسد، فدمّر مدنهم وقراهم وشرّدهم واعتقل مئات الآلاف منهم وقتل قرابة المليون منهم. راهنوا على أن العلويين ومعهم مؤيدي الأسد قد يستيقظوا ذات يوم، ليدركوا أنهم كانوا على خطأ. وأن طريق الحرب على الشعب لن تقود إلا إلى الخراب، ولن تبقي رئيساً لم ينتخبه الشعب أصلاً على كرسي حكم غارق في الدماء.
رهانهم ذاك كان ينهار كل يوم. رغم أنهم سارعوا إلى رفع شعار “الشعب السوري واحد” وسموا إحدى جمع مظاهراتهم باسم “الشيخ صالح العلي” العلوي الذي يعتد به في الساحل السوري لنضاله ضد الاحتلال الفرنسي. لكن الأسد وأجهزة مخابراته أصروا من البداية على استحضار الخطاب الطائفي من خلال ممارسات متعمدة تتقصد إهانة المسلمين السنة في سوريا، والنيل من مقدساتهم وتكسير محرماتهم. لم يكن أقل تلك الممارسات نشر الفيديوهات التي يطلب فيها من المعتلقين ترديد “لا إله إلا بشار الأسد” ولا قصف المآذن وتدمير قباب المساجد، ولا فتح الباب لإيران وحزب الله والميليشيات العراقية لاجتياح البلاد باسم الدفاع عن رموز الشيعة. كان الأمر أكبر من هذا. خاصة بعد أن تم تأسيس النمط المحبب لتلك الأجهزة الأمنية والذي يجعلها على ضفة واحدة مع الحرب العالمية على الإرهاب. فتم ابتكار داعش وشبيهاتها. للمزيد من تخويف السوريين من بعضهم البعض. الذين عاشوا على تلك المخدرات الطائفية سنواتهم الخمس. قبل أن تبدأ عقولهم بقراءة المشهد بصورة مختلفة.
في الوقت ذاته تسعّر ميليشيات حزب الاتحاد الكردي الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني من دورها باحتلال المزيد من المناطق والقرى في ريف حلب الشمالي. في زج متهور للكرد السوريين في مواجهة دامية مع مواطنيهم من العرب السوريين. وسط احتجاجات واستنكار كبير ليس فقط من عرب سوريا. بل من كثيرين من كردها أيضا.
لماذا تبدو المسألة أكبر من صراع طائفي ـ عرقي؟
لا يمكن لأحد في ضفة الانتفاضة الشعبية السورية، أن يرى المستقبل السوري على شكل مجتمعات نقية العناصر. ( مجتمع إسلامي سني ـ مجتمع علوي ـ مجتمع مسيحي ـ مجتمع درزي ـ مجتمع عربي ـ مجتمع كردي ـ مجتمع تركماني ..الخ) فليس هذا هو المآل الذي طمح إليه السوريون بدايات حراكهم السلمي ومن ثم العسكري. كما أنه خارج كوابيس داعميهم في دول الخليج وتركيا. وفرنسا وغيرها. وهو صورة كاريكاتورية غير قابلة للتطبيق.
ولا يمكن بالمقابل أن يكون ما يدور في خلد علوييي الأسد وأكراد صالح مسلم أن شكل الدولة القادمة سيكون على شكل كانتونات نقية الأعراق. فما العمل إذاً؟
الحقائق العلمية لا يمكن القفز فوقها، وإن كثر اللغط والتحليل والتنجيم السياسي. ولتلك الحقائق المتصلة بالتاريخ وطبائع المجتمعات أسئلة واجبة الإجابات لا يمكن التهرب منها. لأن رجع صداها سيكون عملياً على الأرض وليس في الواقع الافتراضي ولا على طاولات الحوار الدولي والتفاوض وحسب.
إذ كيف يمكن لدعاة الإدارة الذاتية العسكرية السياسية في الشمال السوري، الرد على أسئلة المواطنين العرب من أبناء تلك المناطق؟. وهي ذاتها الأسئلة التي ما يزال الأكراد السوريون يطرحونها : لماذا الجمهورية العربية السورية لا يجب أن تكون (عربية)؟ ولكن أيضاً لماذا يرون أنه من الطبيعي أن تكون ما تسمى بمنطقة غرب (كرد)ستان (كردية)، وفيها نسبة من العرب تتجاوز بكثير نسبة أكراد سوريا قياساً لمجموع سكانها العام؟ وما هي حقوق ذلك العربي في تلك المناطق اليوم وغداً؟ إذا كان لا يمكنه اليوم مجرد انتقاد أداء صالح مسلم ووحدات الحماية الكردية؟ ماهو مستقبل عشرات الآلاف من القتلة الذي شاركوا في جيش الأسد بتنفيذ مجازر مباشرة بحق المدنيين العزل، شملت الاغتصاب والقتل والتدمير والتنكيل والتعذيب. وكيف يمكن بالمقابل لمن زرعوا الأحقاد من قوات الحماية الكردية والبي ي دا بتهجير السكان وحرق قراهم أن يتعايشوا من جديد مع من تبقى من ضحاياهم؟
مع الإعلان عن اتفاق أميركي ـ روسي بوقف إطلاق النار، يبدأ تطبيقه في السابع والعشرين من شباط فبراير الجاري، يبدأ ما يمكن تسميته بسقوط رايخ الأسد الثاني، بعد أن أسس الأسد الأب رايخه الأول. فالنظام الأمني اذي تحول مع الوقت خلا سنوات خمس، إلى نظام حربي، لن يكون من الممكن عليه العيش كنظام سلمي. لا يمارس القصف والتدمير والقتل صبيحة كل يوم.
التوصل إلى بدء تنفيذ وقف لإطلاق النار، سيكشف نظام الأسد تماماً. ويظهر عجزه عن تلبية المطالب الهمجية التي يروّج لها عبر إعلامه، بالانتصارات والإبادة، سيما نظرية “البيئة الحاضنة الشعبية للإرهاب” والتي تبناها معه داعموه وحلفاؤه من الإيرانيين والميليشيات الكردية. حتى تحول كل عربي سوري سني إلى هدف باعتبار أنه من السهل اتهامه بأنه داعشي.
علاوة على أن توقف العمليات العسكرية، إن تم، سيكبّل المشروع التوسعي الذي يقوده حزب العمال الكردستاني التركي وفرعه السوري الذي يقاد من جبل قنديل الواقع تحت الهيمنة الإيرانية. ولن يسمح له بالمزيد من إشعال الفرز العنصري ما بين العرب والأكراد السوريين. وسيوقف مليشيات إيران وحزب الله الذي تزداد الضغوط عليه عسكرياً وسياسياً، ولولا تلك الضغوط لما اضطرت روسيا للتدخل المباشر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نظام بشار الأسد الذي لم يتردد أليكسي مالاشينكو، الخبير في مركز كارنيغي في موسكو. بالقول عنه في تصريحات لصحيفة كوميرسانت الناطقة باسم الكرملين “بشار الأسد ذيل الكلب يتوهم أنه قادر على هزّ الكلب”. وإذا كان هذا هو حجم بشار الأسد في الذهنية السياسية الروسية اليوم، فما هو حجم الميليشيات التي تدعمه سواء كانت شيعية أم كردية؟
Tags: سلايد