Archived: د. يحيى العريضي: (ابحث عن) أوباما

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

لم تعد التكتيكات والبهلوانيات السياسية ذات تأثير على السوري الذي أضحت شكوكه وانعدام ثقته بكل شيء سمته البارزة؛ وتحولت احزانه وأوجاعه إلى أثقال متكلّسة مقيمة، تماماً كحال ما تبقى له من اضلاع.

استنفد قاموسه في توصيف “نظامه”؛ لا يرى في الإيرانيين والروس إلا أعداءً يتناوبون على احتلال وطن ليس له غيره؛ ولا ينظر للأمريكيين إلا كتجار مواقف مترددين مفلسين لا يرحموه ولا يتركون أحداً يرحمه.

اولئك جميعاً بالنسبة له قوى تقفز بهلوانياً على دمه من جنيف إلى فيينا إلى ميونخ… وكل ذلك للتغطية على خواء أخلاقي وعلى جرائم ضد الانسانية… والبحث لا يزال مستمراً عن تعريف للارهاب وتصنيف للارهابيين، رغم ان الأمر لا يحتاج هؤلاء إلا النظر في المرآة.

وراء مأساة السوري أسباب وعوامل كثيرة، ولكن احداً لا يتوقع من قوة عظمى ان يكون سجلّها مليئاً  بهذا القدر من الخيبات فقط عندما يتعلق الأمربالمسالة السورية؛ ولا يزال جون كيري، الناطق باسم هذه السياسة ومجسدها، يمارس ما سمّته صحيفة الواشنطن بوست “سياسة التخدير”. بدأ هذا السجل بخروج السيد كيري من اجتماع مع الرئيس بوتين مادحاً ومشيداً بأن الأخير سيساعد ويتعاون في سحب ترسانة الأسد الكيماوية إثر ارتكاب عصابة دمشق جريمة الحرب باستخدام الكيماوي ضد اهل سورية. بعد أسابيع سمعنا كيري يتحدث عن عملية انتقال سياسي في سورية؛ وبعدها وبعدها … سيول من التصريحات التي تتبخر بعد خروجها من افواه مجموعة أوباما. وها نحن الآن نشهد الوضع السوري يتراقص بين المرعب والكارثي: نصف مليون قضوا، نصف السكان تشرد، نصف البلد تدمّر وتسونامي من المهاجرين السوريين؛ والخطر اضحى وجودياً لا على سورية فقط بل على المنطقة باسرها.

دأب السيد كيري على دبلوماسية لا تليق بقوة عظمى تجاه المأساة السورية؛ إنه نهج الأماني والترجي والمراهنات السطحية والسخيفة التي لا يليق استخدامها في حضرة الدكتاتورية والاجرام. لقد كان السيد كيري بارعاً في ترجمة سياسة اللاسياسة او سياسة اللافعل الأوبامية، فكانت أبشع تجلياتها في منع من توفرت لديهم النية والقدرة على مساعدة أو انقاذ الشعب السوري… وفي هذا المجال فقط كان هناك سياسة أمريكية.

يجمع كثيرون على أن الحالة السورية فريدة من نوعها في التاريخ البشري ويعزوْن كل تلك الآلام والدمار والجرائم والخراب والانتكاسات والسياسات الرخوة والخبيثة لأسباب عديدة يختلفون عليها أحياناً: اهي الظروف الدولية والمصالح والصراعات وتصفية الحسابات في الساحة المناسبة التي قال من يتولاّها: ” أحكمها أو أدمّرها”؟ ام هي الدور الوظيفي للنظام إياه والذي تستفيد منه إسرائيل وأمريكا والغرب ليدفعهم للحرص عليه؟ أم ان القوة الحاسمة في قراراتها عالمياً غابت وتخلت عن مسؤوليتها تاركة الكارثة تتفاقم الى الدرجة التي يشهدها عالمنا اليوم؟ أم انها مزيج من كل تلك العناصر؟

هناك سهولة وربما تبسيط أن نلجأ الى الخيار الآخير في التحليل رغم انه الأكثر جاذبية لشموليته. من هنا لا بد من مفاضلة بين العناصر المتسببة او تلك التي أدت إلى وصول الأمور بسورية وأهلها إلى هذه الدرجة الكارثية غير المسبوقة.

إذا نظرنا الى المصالح والحسابات والصراعات الدولية التي لا بد أنها تُبنى على مبدأ الربح والخسارة، فإن الاطراف المنخرطة في هكذا صراع رابحة على المدى القصير خاسرة حتماً على المدى البعيد. هناك خروقات فاضحة في العلاقات الدولية وجراح لا تندمل بين الدول وعالم يُدفع باتجاه فوهة بركان أو حرب عالمية جديدة؛ هناك خرق للقانون الدولي وسيادة لشريعة الغاب وجرائم حرب تمر دون حساب تشجع القوى على ارتكابها، وهناك انفلات وانفلاش قد يودي بالسلام العالمي. وهنا يبرز السؤال: هل هذه المنجزات الكبيرة التي حققها البعض، وعلى رأسهم إسرائيل تستحق الخسائر المحتّمة مصيرياً على المدى البعيد؟!

يستند عالمنا في كثير من قراراته المصيرية إلى مراكز بحوث ورؤى معمقة؛ فلا يمكن نظرياً أن يسمح بما يهدد مصيره بهذه الطريقة… ويبقى ها هنا السؤال المركزي والمحيّر لأنه في النهاية لابد من ذاك الذي يتخذ قراراً أو يحجم عن اتخاذه بقصدية ومعرفة ودراية أو عن عدم معرفة او دراية أو خبرة. والأوحد المرشح لهكذا قرار يبقى الرجل المُسمّى “الأقوى في العالم” أي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. بالطبع قراره حصيلة لجهود فريق كامل حوله؛ والفريق على الأغلب من انتقائه واختياره وبناءً على معرفته. فإن اختار بناءً على معرفة محدودة او غير موجودة أصلاً للتغطية على قصر معرفته وإخفاء عجزه، فهنا الطامة الكبرى؛ وإن كان عكس ذلك، فالنجاح لا يختفي؛ وهذا لم يحصل. هذا ما أصاب عالمنا خلال سبع سنوات من حكم السيد باراك أوباما. وهنا أحد أهم مصادر ومسببات الكارثة السورية وتداعياتها. وما أقصده هنا، وتشاركني فيه صحيفة الديلي تلغراف البريطانية هو شخص باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

منذ فوزه بالرئاسة قبل سبع سنوات، ابتلعت بعض المحطات التلفزيونية الامريكية ذلك الفوز بغصة وغضب ومرارة ونشوة متشجنجة. سبق ذلك انه في آخر اجتماعات للديموقراطيين لتحديد مرشحهم؛ كان كثيرون ينتظرون سماع رؤيته تجاه مسائل حساسة ومصيرية لأمريكا، ولكنه وقتها كان يصمت ففسر البعض صمته حكمة، وآخرون كانوا متيقنين أن لا خبرة معمقة لديه تجاه تلك المسائل. لقد كان الاختيار الاضطراري كما رات الصحيفة حيث كان لا بد لأمريكا من الخروج من فترتين جمهوريتين لجورج بوش الذي جعل أمريكا “دولة مارقة”.

التلغراف رأت أن أوباما قد خاض حملته الانتخابية شعراً؛ ولكنه حكم وتصرف نثرا. وبعض النثر عظيم؛ ولكن نثر اوباما لازبد فيه. لقد أثبت أنه ناجح كلامياً فاشل فعلاً ؛ وعلى كل الاصعدة. فعلى صعيد السود على سبيل المثال كانت التوقعات كبيرة وخاصة فيما يتعلق بالتمييز العنصري الكامن في الاعماق، فان الامور أسوا. والوضع الاقتصادي ليس بأحسن حال كما قال، ووعد، ولا زال يقول. وفي المسائل الدولية، يكفي النظر الى مقاربته للكارثة السورية والى حال ممثله الخارجي كيري ليرثي لحاله لتحوله الى أداة طيعة بيد الخبث والمافيوية البوتينية…

التلغراف ترى أنه منذ عام ثلاثة وتسعين حكم امريكا مهووس جنسياً تبعه إنسان خطير بنصف عقل والآن ذكي بلا فاعلية.  هو لم يخلق الفقر ولا الشك بامريكا والكره لها إلا أنه فشل في مداواة أي من هذه المواجع مثلما وعد وانما استخدمها كأعذار كي لا يفعل شيئاً وينسحب. وعندما يغادر لن يفتقده احد؛ ولن يتذكره أحد إلا عندما يرى ترمب إن نجح لأنه سيكون من تسبب بمجيء هكذا انسان. والأهم سيتذكره العالم وخاصة السوريون بانه الرئيس الامريكي الذي  في عهده، قام نظام مجرم بقتل شعبه وتدمير بلده وهدد السلام العالمي؛ ورئيس القوة الأكبر في العالم يتفرج ولم يفعل شيئاً إلا المساهمة بالجريمة. كم كنّا نتمنى لو كان ضميره بنفس نشاط لسانه.





Tags: سلايد