Archived: د. وليد البني: لكل زمان دولة ورجال

  د. وليد البني: كلنا شركاء

قبل خمسة أعوام وحتى قبل أربعة كانت سوريا ونظامها ومعارضتها والقوى المؤثرة على الأحداث فيها مختلفة تماما عمّا هي عليه اليوم ، كذلك كانت الآمال والأحلام مشروعة وواقعية  بالتخلص من أسوء أنظمة العالم وأكثرها إجراما وفساداً،  والإنتقال الى دولة ديمقراطية يحكمها  القانون  وتديرها مؤسسات ينتخب  السوريون قادتها  وينتدبونهم لإدارة أمورهم لفترة محددة ثم إما يتم التجديد لهم إن أحسنوا أو استبدالهم إن أساءوا. في ذلك الوقت كان الكثيرون وأنا منهم مؤمنون بأن الحق ينتصر لمجرد أنه حق ، وكنا لا نزال نعتقد آن حق الحرية والعيش بكرامة هو حق تضمنه القوانين الدولية ويدعمه الرأي العام الدولي وبالتالي فالنصر سيكون حليفنا رغم التضحيات  . 

اليوم ثبت ان ما كنّا نعتقده آمالا وأحلاما مشروعة كان يشوبه  الكثير من الأوهام والتفكير الطوباوي وينقصه الكثير من الخبرة السياسية والقراءة الواقعية للأحداث  ، لقد أدارت النخبة السياسية المعارضة ثورة الحرية والكرامة السورية بالكثير من الطوباوية والأحلام من البعض والكثير من الأنانية والجشع والقابلية للإستزلام من البعض الآخر. الأمر الذي زاد المأساة تعقيداً وأفسح المجال لجميع القوى الإقليمية والدولية بتحويل سورية الى ساحة لصراع المصالح ، سمح به أكثر وجود مافيا حاكمة لايربطها بسوريا وشعبها إلا مصالحها وخوفها من الحساب القادم لا محالة على الجرائم والآثام التي ارتكبتها طيلة خمسة وأربعين عاما من الفساد والظلم والاجرام الوحشي بحق السوريين وبالتالي قابلية هذه المافيا أيضاً للتضحية بكل شيء وبيع البلد بما فيه لكل من يحمي رأسها من شعبها. 

الحل في سوريا اليوم يجتاج الى أشخاص ورجالات ليس لديهم أوهام حول كيفية إنقاذ سوريا والحفاظ على وحدتها الجغرافية ووحدة نسيجها الوطني المتعدد، وهؤلاء يجب أن لا يكونوا هم أنفسهم من أوصلنا الى كل هذا الخراب والدمار ، الحل في سوريا يحتاج  الى رجال يصدقون مع شعبهم ويقولون له الحقيقة كما هي لا كما يريدها من لم يستنفذ أغراضه بعد من دمائنا  وخراب أوطاننا، أو من يريد حماية مصالحه التي تتطلب هزيمة خصومه على أرضنا. 

إذا كانت الرهانات على الغرب ورغبته في دعم الديمقراطية وحقوق الانسان مشروعة قبل اربعة سنوات فهي اليوم  ضرب من الغباء اذا حسنت النوايا أو التدليس والكذب إذا ساءت ، أما المراهنة على الدول كجمعيات خيرية تقدم مساعداتها للآخرين نصرة للعروبة آو الإسلام  فهي بالأصل لاتحتمل حسن النية عند أي سياسي مبتدأ. 

الوضع في سوريا اليوم وبدون أي أوهام هو في منتهى السوء ، ليس فقط بالنسبة للسوريين الذين يريدون وبحق التخلص من طاغية أذاقهم الأمرين، بل ولأولئك السوريين أيضاً الذين تمسكوا به خوفاً من الأسوء التكفيري كداعش وقاعدة وماشابه. إن أولوية القوى الدولية والإقليمية اليوم ليس إنقاذ السوريين ووطنهم بل حماية أنفسهم وتحقيق مصالحهم بأقل ثمن ممكن وتدفيع سوريا وشعبها الثمن الأكبر  لتحقيق هذه المصالح طالما أمكنهم ذلك . 

يتحكم بسوريا اليوم طرفان أحدهما مجرم محترف يعلم تماما ان نهاية حكمه لسوريا وشعبها يعني حبل المشنقة أو السجن المؤبد في لاهاي لذلك هو مستعد أن يكون خادماً ذليلاً لكل من يعطيه أملاً بالبقاء ولو على ركام سوريا وجماجم السوريين ، والثاني مُستلب تماما لداعميه وفاقد القدرة على القرار المستقل والشجاع الذي قد لا يرضي من مكنه من أن يكون في موقعه . 

لذلك أدعو  عقلاء سوريا من الطرفين ومن خارج دوائر مافيا النظام ومن خارج مؤسسات المعارضة المختلفة  الى المبادرة الى طرح مبادرات إنقاذ شجاعة قادرة على جمع أغلبية السوريين حولها والتفاوض حولها مع القوى الإقليمية والدولية مباشرة وعلى قدم المساواة بين المصنَّف عدواً والمصنف صديقاً لأن في السياسة لا العداوات دائمة ولا الصداقات وقد دفعنا ثمنه دماً وتشريداً وجوعاً، الدائم والثابت هي المصالح والمصالح فقط ، ومصلحتنا كسوريين هي إيقاف الموت اليومي لشعبنا والتدمير المنتظم  لوطننا وإعادة الملايين من أهلنا وأطفالنا المشردين الى منازلهم وحقولهم ومدارسهم ، وحفظ حياة من لم يمت بعد من الشباب السوري الذين يرسلهم الطاغية الى الموت ليبقَ في قصره أو يدفعهم جهلهم للموت في سبيل خليفة أو أمير. 

إن إسقاط النظام من خلال احتلال القصر الجمهوري ليس ممكناً في الظروف الحالية ومن يقول غير ذلك يكون مستفيدا من استمرار شلال دمائنا، لكن أي عملية تؤدي الى توقف القتل واستعادة الشعب السوري لأنفاسه تحمل سقوطاً لنظام لم يبقَ  من قوته شيئاً بعد أن أصبح مرتهناً لمن يبقيه في قصره . كما أن قمع تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة أصبحت مستحيلة بعد كل ما قدم من تضحيات،  لنوقف هذه الحرب المجنونة وهذا لوحده كفيل بتخليص السوريين من نظامهم المجرم وإيضا من معارضة غير كفء وتنظيمات ظلامية مصيرها الفناء. 

ليبدأ رجال هذه المرحلة اليوم وليس غدا  عملية سياسية ( ليبدأ هؤلاء العقلاء من السوريين ) وليكن مطلبهم الوحيد هو مصلحتنا في الحفاظ على حياة وحرية شعبنا ووحدة وسلامة وطننا ولنكن مستعدين مقابل ذلك للبحث في المصالح المشروعة للقوى الدولية والإقليمية والتعاون معهم لتحقيق مصالح الجميع. 

لن تحصل حرب عالمية من أجل اسقاط الأسد ولا من أجل الحفاظ عليه فهو وسوريا أقل بكثير من أن يضحي العالم برفاهيته وحضارته من أجلهم ، سيتصالح العالم مع بعضه بنا وبدوننا ، دعونا نحجز مكاناً لنا حتى لا نبقى بضاعة يتفاوضون عليها.





Tags: سلايد