on
Archived: إبراهيم الجبين: لماذا سيدعم العرب سوريين يتنكرون لعروبتهم؟
إبراهيم الجبين: كلنا شركاء
كان أول انقلابات الربيع العربي على أنظمة الاستبداد، انقلاب بعض موجاته الشعبية، وحتى الثقافية والسياسية منها، على المفاهيم التي ارتكز إليها الاستبداد طيلة عقود، واستثمر فيها، واستغلها، وجلد بها الشعوب. وكان على رأس تلك المفاهيم؛ العروبة. التي رفع شعاراتها حزب البعث وحكم بها، بالحديد والنار، بلدين من أكبر البلدان العربية وأكثرها تأثيراً، سوريا والعراق.
ونشأ من بين ما نشأ من ردود الفعل على انكشاف زيف خطاب الديكتاتورية. كفرٌ فكري سياسي بدأه نظام الأسد، حين رفض كل مساعي الدول العربية لإقناع الأسد بإصلاح نظامه في ربيع العام 2011. أو حين اتخذت غالبية الدول العربية موقفاً ينحاز إلى أحقية مطالب الشعب السوري. باتت الهوية العربية هدفاً لنظام الأسد وإعلامه وأجهزته، وهو الغارق في الوحل الإيراني الفارسي. تبع ذلك كفرٌ علني عشوائي آخر برز على لسان مؤيدي الثورة السورية ذاتها، كفرٌ بالهوية العربية لغالبية الشعب في بلد مركزي مثل سوريا، كان حاسماً ومؤسساً في تشكل الحضارة العربية والإسلامية منذ ما قبل الإسلام، وحتى في عهد تأسيس الدولة الأموية في دمشق، وفي جميع المراحل اللاحقة من تاريخ ما لا يمكن نكرانه ولا الكفر به، الأمة العربية، الكيان الإنساني الاجتماعي والثقافي الواسع، الذي تجمعه اللغة والتاريخ والعامل الأهم في هذه اللحظة؛ المصير المشترك.
المثير للعجب، أن جميع تلك المفاهيم والمبادئ والأفكار التي تاجر بها النظام في سوريا، كان قد ورثها من حقبة النهضة العربية أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. والتي عرف العسكر كيف يوظفونها، لا لإيمانهم بها، لكن لمعرفتهم الأكيدة أنها تثير وجدان الناس، وتوقظ هويتهم وتعزّز كيانهم. أي أنها بضاعة عشرات الملايين من البشر، ردّت إليهم على يد ولسان الاستبداد. ولما ثار الناس على المستبد، ثاروا على هويتهم معه، بدلاً من محاولة استردادها منه. أسوة بالحقوق الأخرى كالحرية والكرامة.
إذاً كان على سوريا أن تتحول إلى بلد ديمقراطي لا علاقة تربطه بمحيطه العربي. بلد قابل للوقوع في أي محور، حسبما تقود المصالح وكيفما كان ثقل الكيان السياسي المتوقع أن ينشأ على أرضها، من بعد أن يزول نظام الأسد الذي استنزف الشعب، قبل وبعد أن يستنزف علاقات سوريا العربية والدولية، لصالح تثبيت أساسات وحكمه وتوطيد الفساد فيه؛ الفساد المالي والفساد السياسي والفساد الفكري معاً.
وكان على القوى العربية الكبرى أن تدعم تلك الثورة التي تريد تحويل سوريا إلى الصورة الآنفة الذكر. وانتظر الشعب من الطبقة السياسية المعارضة أن تنجح في إقناع الداعم العربي بما لديها من تصورات لمستقبل سوريا، وأن تجلب الدعم السياسي والعسكري والإغاثي للشعب المنكوب.
ولا شكّ أن التحوّل إلى سوريا تعددية وديمقراطية ومدنية، كان ولم يزل هو المطلب الرئيسي والواضح للانتفاضة الشعبية السورية بنبرتها الأولى الصريحة. لكن هذا لم يبق على حاله، كما هتفت به حناجر ملايين المتظاهرين الأوائل. فقد خالطته أهداف أخرى توالدت بحكم التحولات التي طرأت على وعي الجماعات في المناطق السورية المختلفة. فهناك من أخذ يبحث عن أهداف قومية، كثمرة من ثمار الثورة الشعبية السورية (بعض الأكراد على سبيل المثال، والشاهد الفاقع في حالتهم، انحطاط حزب الاتحاد ـ صالح مسلم، والذي يعدّ فرعاً قومياً من الحزب الأم العمال الكردستاني التركي، بارتباطه العضوي والوثيق بنظام الأسد عسكرياً وأمنياً وبإيران استراتيجياً من خلال قيادة جبل قنديل التي تعطي أمر العمليات لعناصرها في شمال سوريا). وهناك من ذهب إلى الحلم الإسلامي في تأسيس دولة دينية، لا مكان للديمقراطية فيها. فالديمقراطية تحت قدمي زعماء تلك الحركات والجيوش. وهناك من ساقه الجهل إلى الانخراط في مشروع القاعدة وداعش مكرهاً أو راغباً. لتصعد القوميات والعصبيات، وتأخذ شرعيتها من تضحيات الغالبية من الشعب السوري. بينما تطلب تلك القوميات ذاتها، من الغالبية العربية في سوريا سحق هويتها وطمس ملامحها.
وبقيت الغالبية من السوريين المنتفضين ضد الأسد، والرافضين لتلك الاتجاهات الملتبسة التي شابت ثورتهم، تبحث عن مشروع وطني قادر على لم شمل الملايين من جديد. بعد انفراط عقد المشاريع القديمة، وتهالك المشاريع الجديدة.
يراقب العرب في محيط سوريا، تحولات شعبها. وينتظرون اللحظة التي يخرج فيها إطار فكري متطور يحفظ الهوية من جهة، ويحقق المطلب الديمقراطي من جهة أخرى. بينما ينظر آخرون، بعضهم في الشرق وبعضهم في الغرب، إلى سيسي آخر. جنرال قادر على حسم الأمور وفرض الأمر الواقع دون أخذ ورد.
لكن السوريين بحاجة ماسة إلى المساعدة في لحظتهم هذه. ليس فقط لحمايتهم من براميل الأسد وصواريخ سكود المدمرة التي يرسلها إلى مدنهم. أو من طائرات بوتين أو جحافل ميليشيات إيران الطائفية اللبنانية والعراقية والأفغانية وسواها. تشدّهم تركيا كداعم أساسي لثورتهم نحو “جامعة” تحقق التوافق المستقبلي بينها وبينهم. ويشدّهم العرب نحو “جامعة” أخرى تحقق الأمر ذاته، كي تبقى سوريا في فضائها العربي. غير أن تكوين سوريا الجيوسياسي، ومكانتها التاريخية. لا يقبل التمزق في اتجاهين لطالما كانت هي المحور الذي انطلقا منها؛ الإسلام والعروبة. وهنا يأتي دور السوريين أنفسهم، في مساعدة أنفسهم. ليعيدوا لهويتهم دورها السياسي. بعد أن كفروا بها، وكفّروا من يؤمن بها.
واليوم يتكرّس أكثر هذا البعد في الهوية الوطنية السورية. إذ يتلاقى السعودي كرأس حربة من خلفه المحور العربي، مع التركي شمالاً. في الحرب التي تدق طبولها على الحدود السورية التركية، بعد بدء قصف المدفعية التركية لمواقع مليشيات قوات الحماية الكردية التي تحاول احتلال اعزاز وعزل حلب وتسهيل تطويق قوات الأسد لها. والإعلان عن تدخل بري وشيك تقوده الرياض وأنقرة وعواصم عربية وإسلامية أخرى.
يحدث هذا بالطبع، دون إغفال الحاجة التركية إلى سوريا عربية، تبقى بوابة لها على الأفق العربي اقتصادياً وسياسياً. وكما كانت الحاجة ماسة خلال السنوات الخمس الماضية، في الخليج وشمال إفريقيا، إلى “مشروع عربي” قادر على الوقوف في وجه إيران وبرامجها التوسعية، تزداد الحاجة اليوم إلى “مشروع عربي” في سوريا. يكون الرد الطبيعي المتوافق مع كل تحالف ودعم يمكن أن يأتي من العمق الاستراتيجي العربي لعرب سوريا، سواء في الخليج العربي أو غيره. يحفظ هوية ملايين السوريين المقموعين والمشردين المناضلين من أجل حريتهم، ويقف في وجه العصبيات الهمجية الآخذة في الظهور من بين ظهرانيهم، داخل سوريا التي يجب أن تكون حقاً لكل مواطنيها، لا لتحالف أقليّاتٍ جديد في بلد مُنبتٍّ لا اتجاه له وكأنه فِطْرٌ في صحراء.
Tags: سلايد