Archived: د. يحيى العريضي: نظام بشار الأسد.. وجوقة (خيميائيي) الاعلام

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

لا يختلف اثنان على ان الاعلام يشكل القوة الأهم في برمجة الدماغ البشري في عالم اليوم… إنه القوة الخارقة التي ترسم الحقيقة كما تشاء: ترفع وتخفض، تجمّل وتقبّح، تؤنسن وتشيطن، تحذف وتزيد، توسّع وتضيّق… كيف شاءت ومتى شاءت. هي ذاتها صوّرت جورج واشنطن إرهابياً؛ وفي نفس الوقت الأب المؤسس للدولة الأقوى في العالم. هي من رفعت غاندي إلى مصاف الأنبياء؛ وكان بإمكانها أن تشيطنه لو أرادت. هي من جعلت من نلسون مانديلا اسطورة تحرر؛ وكان بامكانها تركه في غياهب سجون الأبارتايد.

وسائل الاعلام هذه دأبت على القفز بين تعرية جرائم نظام الأسد؛ والسعي لإعادة تاهيله. ذلك النوسان بين نقل حقيقة الاجرام؛ وإعادة تاهيله، لا يمكن ان يتم بالطرق البسيطة المألوفة تقليدياً؛ فهكذا قضية لم تمر على الماكينة الاعلامية من قبل، فامكانية إحياء العظام وهي رميم قد تسهل مقابل تحويل المجرم الى حالة رحمة وخيار للضحية. هكذا عملية لا يمكن ان تتم بتوظيف إعلام إيران وعشرات قنواتها فقط؛ ولا هي عبر الغوبلزية الجديدة لنظام الأسد وأعوانه في لبنان فقط؛ وما هي بشراء ذمم بعض الصحافة الغربية، كـ “روبرت فسك” و”جورج غالوي” وآخرين فقط؛ وما هي عبر مقابلات مع محطات عالمية ووكالات انباء يسحبها النظام الى وكر الأسد لاجراء لقاءات كثير منها يعود بمفاعيل عكسية لانفضاح هزالة وغرابة وشذوذ الضيف.

كل الأدوات والوسائل أعلاه تُستَخْدَم؛ ولكن الأقوى والأكثر تأثيراً والأعلى مصداقية تتمثل باستخدام محترفين اكاديميين ومراكز بحوث عَهِدَهُم من اطلع على منتجاتهم بالتوازن والموضوعية حيث طوّروا مصداقية خاصة لدى متلقي رسائلهم.

هؤلاء سعوا إلى رسم صُور لنظام الأسد تدخل كالنعاس الى ذهن المتلقي فتفعل فعلها ببرمجة دماغه بطريقة كفيلة بتحويل الأسود أبيض وبالعكس. هؤلاء سوقوا رسائل النظام ببراعة قلّ نظيرها. رسم النظام نفسه كضحية لمؤامرة دولية؛ وكانت تلك الرسالة أحد التعويذات التي تبنوها. شيطن من يقف في وجهه معتبراً إياهم إرهابيين تابعين للقاعدة؛ فكان ذلك قاعدة انطلاق بحوثهم ومقالاتهم ومقابلاتهم. قدم نفسه البديل الوحيد لـ “الارهابيين” يفعل ما يريده الغرب ، يقاتل القاعدة، ويحمي الاقليات؛ وكانت تلك قاعدة انطلاقهم.

على سبيل المثال لا الحصر نسبر ما يجود به “جيفري ساكس” الاكاديمي في جامعة كولومبيا، و “ستيفن كينزر” وهو صحفي مخضرم تجد مقالاته طريقها الى صحيفة ال “نيويورك تايمز” ومنها الى آلاف المنافذ الاعلامية.

في مقالاتهم ، يركز الكاتبان على ان الولايات المتحدة مصممة على قلب نظام حكم الاسد مكرسين مقولة النظام بأن هناك مؤامرة على الاسد. مع انتفاضة سورية، كتب ساكس بالحرف الواحد: ” السي أي إي وإسرائيل والسعودية وتركيا وجدوا فرصة لقلب الاسد بسرعة، وتحقيق مكاسب جيواستراتيجية”. أضحى معروفا أن أمريكا وإسرائيل ما وفرتا وسيلة إلا واستخدمتاها في الحفاظ على نظام الأسد. فهل هناك فرصة أكبر بالنسبة لإسرائيل للنيل من حزب الله اثناء انشغاله بالتدخل في سورية؟ ولكن على العكس من ذلك فان تدخله لحماية النظام لا بد كان مريحا لاسرائيل. من جانب آخر- وهذه المرة في وجه الامم المتحدة ومجلس أمنها- عندما قرر معاقبة النظام على استخدامه للسلاح الكيماوي ضد شعبه. فلو لم تستخدم روسيا الفيتو، لوجدت امريكا نفسها محرجة في استخدامه لحماية لنظام دمشق من العقاب. ولا بد ان نفسر خط اوباما الاحمر وإهانته لكلمة أمريكا في سياق المحافظة على النظام لا استقصاده. سياسة أوباما في اللاسياسة واللاقرار واللاتدخل دلائل اكثر من كافية على نسف نظرية المؤامرة التي سوقها النظام؛ وسعى جهابذة الأكاديميا والاعلام الى ترويجها.

رغم وجود أكوام من الوثائق التي تثبت إجرام نظام الأسد وما رافقه من إجرام ايران وحرسها الثوري وما تبعه من قصف روسي ذكّر بما فعله بوتين في الشيشان عبر سياسة الأرض المحروقة التي تجسدت بما فعله بوتين في حلب وغيرها من اقتلاع ربع مليون مدني وقتل الالاف بالقصف والاستهداف المنهجي للمدارس والمشافي؛ وما سبقه من زهق النظام لحياة 11000 معتقل عرضت صورهم أمام الكونغرس الامريكي؛ ورغم ان عدد من قضوا على يد داعش من السوريين لا يساوي واحد بالالف مما فعله النظام إلا ان هذين الكاتبين يسعيان في كتابتهما لوضع العالم امام الخيار بين الأسد وداعش؛ ويقرأ عبارات بعد غزوة بوتين تقول: “أخيراً أهل حلب يرون بصيص أمل”. امن أبناء سورية. معهالكاتبان يسعيان إلى إزاحة اللوم عن المجرمين الحقيقيين؛ والأكثر من ذلك أنهم يقدمونهم كمنقذين.

الكاتب “كنزر” بشكل أساسي يتذمر من عدم معرفته بهؤلاء الذين يقاومون او يحاربون الاسد فيعمم ويعتبر كل من يقاومه إرهابي. يقول: “ليس لدينا فكرة عن المحاربين”. النسبة الكبرى من هؤلاء هم من ابناء سورية الذين ثاروا على الظلم وا لاستبداد. الجهة الوحيدة والارهابية فعلاً والتي لم يحاربها النظام بل كان على علاقات عسكرية وتجارية هي داعش. بين المتحاربين أيضا ميليشيات لبنانية ايرانية عراقية أفغانية كورية وباكستانية… وكل هؤلاء لا ذكر لهم في كتاباتهما؛ وخاصة عندما يتذمرا من عدم معرفة المتقاتلين.

من هنا وبناء على تقدير المفاعيل الكبيرة والمؤثرة لرؤى وكلام الكبار على صناع القرار العالمي فإن الراسخين في علم سياسة الولايات المتحدة لديهم ما يكفي من دلائل حتى يطلقوا حكماً بان الرئيس الحالي للدولة الأقوى في العالم يرى قضايا عالمنا وحقائقه كما تبدو او تظهر لا كما هي في جوهرها وحقيقتها. هذا حاله، ربما بتأثيرالعالم الافتراضي الذي خلقته وسائل التواصل الاجتماعي التي كان الرئيس الأكثر تفاعلاً وتماهياً معها بين كل أقرانه. ربما ظل  جورج بوش الثقيل وتهوره قد اخذ مفاعيله في تشكيل رؤيته. علينا أيضاً ألا ننسى ما يمكن أن يكون قد وصل دماغه مما كتبه المستشرقون عن الاسلام والعرب والشرق عامة. لا بد أن كل هذا المزيج الغريب العجيب مضافاً إليه ما يبثه أمثال ساندرز و ساكس قد رسم ما نشهده من نتائج سياساته في اللاسياسة واللااكتراث واللاقرار تجاه مآسٍ لم تشهدها البشرية من قبل؛ وعلى رأسها ما يحصل في السورية.





Tags: سلايد