on
Archived: د.يحيى العريضي: سورية.. بين حجري رحى المُعلَن الروسي والمُضمر الأمريكي
د.يحيى العريضي: كلنا شركاء
كمصنع صهر الحديد ، إن تَوَقَّفَ ينتهي ، هكذا كان حال الدم والنار في سورية, لا توقف لخمس سنوات متواصلة من صهر الأرواح. قلائل هؤلاء الذين توقعوا ان يكون هناك فرصة أو ديمومة لـ “وقف العداوة”. وها هي تثبت نجاحها النسبي: مُنتَج الدم أقل، والاعاشة تصل للمهددين بالجوع أو الركوع.
لأول مرة أمريكا وروسيا تتجاوزا أنانية إطارهما ومحدداتهما الدبلوماسية وتقفزا إلى شبه خطة تنفيذية في الضغط على صنبور الدم. وليكون أول ملتقطي الكرة المبرّدة مبعوث الأمم المتحدة ، فيعلن استئنافاً لمحادثات جنيف ، ولكن ترجمة أو توظيف مشهدية النار والدمار إلى حل سياسي في هذا المفصل بالذات يعني إسدال الستارة حسب المشيئة الروسية والكومبارس المرافق لا كما أراد الأمريكييون والسوريون والاقليميون أو طمحوا إليه. كأننا أمام تضميد جرح على دَغَل. يصعب على المعارضة المسلحة أن تجلس كجلمود صخر تراقب وحسب استباحة طائرات ومدافع بوتين والأسد لما تشاء وكيفما تشاء تحت ذريعة قصف من استثنتهم الهدنة.
إذا ما زدنا جرعة التفاؤل تجاه بعض الأبعاد الإيجابية للهدنة ، يمكن للمرء أن يعزي بعض ثباتها أكثر من المتوقع للقدرة الكامنة لدى موقعيها بكبح جماح الأطراف المنخرطة فيها وللاتفاق الضمني وغير المعلن بعدم مناقشة خرقها علناً. ولكن الحذر كل الحذر من التفكير الأمنياتي الرغبوي، فالثغرات فيما وُقّع عليه أكثر من أن تحصى.
على رأس ما لم يُحسب حسابه قاعدة النظام ومواليه الذين لا يقل تعبهم عن أولئك المبعثرين في أربع أصقاع الأرض والمخيمات وأهل الدم. هؤلاء قد يضغطون عليه لاستغلال فرصة الهدنة والانخراط في المفاوضات التي يسعى بكل استطاعته ان يعرقلها أو حتى يلغيها دون أن يُضبَط بالجرم المشهود. من هنا جاء إعلانه عن انتخابات برلمانية في نيسان القادم معرّضا ذاته لمواليه كسيد قادر متحكم بزمام الامور يعرض السماح والعفو ويتبجح باستعادة الرقة وحلب وغيرها.
ثقب الهدنة المخيف الآخر يتمثل بتلك الجحافل الشعبية المدنية التي خرجت الى الساحات السورية دافعة بساعة الزمن خمس سنين الى الوراء وحناجرها تعزف النوتة ذاتها: “الشعب يريد اسقاط النظام” و “الشعب السوري واحد”. يأتي صوتها رداً على “كونفدرالية” نائب لافروف ، و “تقسيم” كيري ، و “مفيدة” إيران والنظام.
من هنا فإن انخراط النظام الجاد في أي مفاوضات سيكون في خانة الأمور القاتلة ، وعدم الذهاب إليها يحمله وزراً لا طاقة له به في وجه روسيا ، الفتك في التظاهرات تحت رصد الكاميرات. لم يرَ النظام ضيراً في فقدان السيادة لإيران والآن لروسيا ، ولكن أن يشترك معه أحد معارضيه ، فهذا ما لا طاقة له على احتماله. يزيد في بلواء النظام انه لا يأخذ في الحسبان حاجة روسيا الملحّة فوق التصور لوقف انخراطها العسكري في سورية.
من جانبها ترى روسيا ذلك مشروطا بتحقيقها مكاسب سياسية على الأقل تعادل ما بذلته عسكريا. وهنا ، لا بد من أن تجد موسكو نفسها وجها لوجه مع النظام في حالة ضغط متبادل، ومصافقة منافع ومصلحيات: النظام يأخذ فسحة لا تبقيه في نهاية المطاف، وروسيا تأخذ فسحة تبقي مصالحها في نهاية المطاف وترفع عنها الثقل الغربي في أول مطاف التسوية.
ما تريده موسكو لا يُرضي حليفها ولا أعداء حليفها. انها مأزومة بين مطرقة التدخل والدم الذي يدفع بجهات معينة إلى سحبها إلى محكمة الجنايات الدولية لجرائم حرب ترتكبها في سورية ، وبين سندان الذي صدّق نفسه بأن امكانية إعادة تأهيله آتية بحكم بيعه سيادة الوطن السوري للاحتلال الروسي.
أمريكا من جانبها ، وإن أصرّت على تسوية ، فإن اللعبة السياسية الوحيدة المتوفرة في الساحة هي الخطة الروسية التي تصر على الإبقاء على الأسد حتى نهاية المرحلة الانتقالية. وهذا أمر يناقض مع ما قالته وارادته أمريكا وحلفاؤها … وكأننا بأمريكا ها هنا تفشل بممارسة الضغط على الروس ليقرّوا علنا بالتزام خروج الأسد، تماما كما هم ربما يفشلون في ممارسة الضغط على الأسد لنيل الإقرار ذاته.
هذه التعقيدات وأَضعَافها تشي بان تسوية سياسية للدراما السورية لا تزال بعيدة المنال. ومن هنا يتم تداول عبارات مثل “فيدرالية” و “سورية المفيدة” من الجانب الروسي والايراني, ترافقها عبارة كيري بالـ “تقسيم” التي لا يمكن تفسيرها إلا كتهديد لكل الأطراف المعنية.
وهنا لا بد من القول ، إن المرعب ليس ما يُقال أو يُصرّح به علنا ، ولكن المخيف هو ما يمكن أن يكون قد تم الاتفاق عليه رسمياَ، لكنه بقي سرياً. تتأكد هكذا مخاوف عندما نرى روسيا وأمريكا تستحوذان على الملف السوري بالمطلق دون اشراك أي من الأطراف الأوروبية والاقليمية فيما اتفقا عليه علناً (الهدنة) أو سراً (ما لم نعرف طبيعته بعد).
السيناريو الأكثر احتمالاً والأكثر رعباً هو تحول التجميد الظاهر للعداوة إلى تجميد فعلي وحقيقي للعملية السلمية لوقت يعفن فيه الجرح الذي ضُمِّد على دَغَل. وهنا تدخل سورية مرحلةً تصبح فيها مُتشظيه ومُمزقة حسب خطوط الدم دون قرار تقسيم معلن.
لكن ليس كل ما يحدث في كوكبنا يخضع لحسابات الكومبيوترات أو لعقول دهاقنة السياسة في دهاليزهم السرية الخاصة. لقد كان مشهد 104 تجمع سوري سلمي الصاعق الذي أودى بكل الـ “سرّيات” وخالف كل ترتيبات وحسابات الروس والأمريكان وغيرهم وأعاد الحياة للإرادة السورية ، ولشعب يريد ويستحق الحياة ليُشفي جراحه مستبدلا خطوط الدم بخطوط الحب والحياة.
Tags: سلايد