on
Archived: د. محمد حبش: انسحاب روحاني.. دورة جديدة من الصراع الطائفي المقيت
د. محمد حبش: كلنا شركاء
أعلم أن هذه الكلمات لن ترضي أحداً من أصدقائي ولكنني أكتبها لله والحقيقة…
انسحب الرئيس الايراني روحاني من المؤتمر الثالث عشر الذي انعقد في تركيا بعنوان الوحدة والتضامن بين المسلمين، وذلك بعد تبني المؤتمر لعدد من الاجراءات التي تستهدف ايران ومصالحها في المنطقة.
بالطبع كان الانسحاب حدثاً مفرحاً لكثير من السوريين، واعتبروه انتصاراً للسياسات العربية الشجاعة التي صحت بعد فوات الأوان، ومن يتابع ما نكتبه على صفحات التواصل يدرك اننا لا نزال بعيدين جداً عن الوصول إلى تحكيم العقل بدل الانفعال في صراعاتنا المأزومة.
لن أكتب هنا في الجانب الاستراتيجي والسياسي ولكنني سأكتفي بالكتابة في الجانب الاجتماعي والديني لهذا الموقف وأثره على مستقبل التعاون الإسلامي.
أنا شخصياً غير مبتهج بهذا ولا أعتقد ان زعماء العرب كانوا على قدر من الحكمة والكياسة وهم يفركون أيديهم بشماتة بانسحاب الوفد الإيراني برئاسة روحاني….
ليس لدي أي شك أن موقف إيران في سوريا كان موقفاً عدوانياً وغير أخلاقي، وقد تسبب بهدم الوفاق والإخاء الذي شاركنا عقوداً في بنائه، وأنه يسيء إلى المبادئ التي قامت عليها الجمهورية الاسلامية في ايران، ويعزز الموقف السلبي للذين يعتبرون أنها عدو تاريخي للعرب.
ولكن موقفي ضد انحيازهم للنظام في سوريا لا يعني انني موافق على استئصالهم من الأمة الإسلامية وضمهم إلى الاعداء الذين يتعين قتالهم وشن الحروب معهم الى النهاية.
ومع أنه ليس لي في ايران ناقة ولا جمل، ولكنني تعودت حين اكتب في هذا أن أتعرض لعلقة ساخنة من حراس الصمود العربي والثبات الثوري الذين يعتقدون أن هدف الثورة لا يكتمل إلا بالقضاء على ثلاثة أنظمة على أقل تقدير وهي النظام السوري والايراني والروسي!!….
قناعتي أن انسحاب الرئيس الإيراني يعني أن علينا أن ننتظر عقوداً أخرى من الصراع الطائفي في المنطقة وان لا نترقب من الأحداث أن تتحول في اتجاه منطقي أو عقلاني.
الدول الإسلامية تعلن قيام التحالف الاسلامي لمكافحة الارهاب، ويجتمع عشرات من قادة الأركان في الدول الإسلامية بما يمثلون من مقدرات حربية لمحاربة الإرهاب، ويحزنني أن يكون التحالف بلون واحد…. إذن نحن مستمرون في قراءة نصف الحقيقة، وسيعتبر الآخرون أنفسهم مستهدفين وسيقومون يالتالي بالدعوة لتحالف إسلامي آخر، يتجاوز الدول ويعتمد المد الطائفي أحزاباً وفصائل محاربة، وبالتالي فإن نهاية هذه الحرب ضد الإرهاب لن تكون قريبة على الاطلاق، وسيكون لها نكهة طائفية مرة، وهو ما يعزز المخاوف المرعبة التي أشار إليها كيري بوضوح إن خطر الحشد الشعبي على استقرار العراق أكبر من خطر داعش، وهذا هو المشهد الذي نشاهده اليوم انطلاقا من مجلس النواب العراقي الهائم على وجهه.
لن يكون لهذا التحالف ضد الإرهاب تأثير حقيقي ما لم يكن الآخرون مشاركين فيه، وما لم يشعر هؤلاء أنهم جزء من الحل بدل أن نعتبرهم جزءاً من المشكلة، وندفعهم بالتالي للانخراط في زعزعة استقرار المنطقة وتهييج الأحقاد السوداء التاريخية والمعاصرة.
لوكنت مكان العاهل السعودي لرفعت الهاتف واتصلت مباشرة بالخامنئي، وحددت مكان وزمان لقاء عاجل تفتح فيه كل الملفات دون استثناء ويتم فيها رفع كل المخاوف، وتتيسر فيه سبيل تواصل الشعب السعودي من الشيعة مع مراجعه ومراقده وأضرحته بكل احترام، فهذا كله أفضل من قمع الناس ومنعهم من التفكير.
ولو كنت مكان روحاني لكان أول برنامج أقوم به بعد القسم هو زيارة لبيت الله الحرام ولقاء في مكة مع العاهل السعودي وعرض مبادرات كبيرة وجريئة تحقق مصالح البلدين وتمنع الانجرار الى مزيد من التحشيد الطائفي والتجييش المذهبي وبناء ثقة وتكامل في البلدين الاسلاميين الرئيسيين.
وإذا كانت هذه اللقاءات غير واردة في أيام السلم ولكنها في أيام الحرب أولى وأوجب، وإذا كانت بالأمس سنة فهي اليوم فرض، ولا يمكن أن نجد حلاً لكارثتنا الرهيبة إلا بمواقف شجاعة وغير تقليدية في حل مشاكل الانقسام الأساسية.
ليس صعبا على الإطلاق أن ينجلي لقاء كهذا عن فتح مساجد للسنة في طهران وحسينيات للشيعة في الأحساء، وأن تحظى هذه المؤسسات الضرورية للتعايش باحترام الدولتين، ويمكن أن يصدر عنها رفض مطلق تراقبه لحان مشتركة لكل تجييش طائفي في الجانبين، واحترام ملزم لرموز الدين والمذهب، وبالتالي سيكون هذا اللون من الاحترام هو لغة التعامل التالية، وهناك فقط يمكن أن نتظر نهاية لمشاكلنا الرهيبة التي لا تفتؤ تتفاقم كل يوم على منطق: كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء، وهيهات منا الذلة.
أنصح القراء هنا بقراءة تجربة رائعة من هذا اللون قادها الخليفة العباسي الناصر لدين الله الذي استطاع أن يوفر للدولة العباسية نصف قرن من الهدوء والاستقرار في عالم يغلي بالحرب، واستطاع الناصر أن يحقق وحدة العراق وايران والجزيرة عبر إجراءات صغيرة المظهر ولكنها عميقة الاتجاه والتحليل.
حين ولي الناصر كان الصراع الشيعي السني على أشده وكان للاولين سجل حكم يمتد مائة عام عبر البويهيين، الذي مارسوا اضطهاداً منظماً ضد السنة، ثم كان للسلاجقة تجربة ثارية مقابلة استمرت أيضاً مائة عام ومارسوا فيها اضطهاداً منظماً للشيعة، وكلاهما كان سجلاً طافحاً بالكراهية والاستعداء، ولكن الناصر استطاع أن يتجاوز تشنج الطائفتين، وعمل على نهاية التسلط السلجوقي واستعاد هيبة الخلافة، وذهب بنفسه فأعلن مرقد الكاظم في بغداد مرقداً معصوماً يمنح حصانات للائذين به، وذهب بالتالي إلى الحرم الشريف وأعلن عن أكبر توسعة في الحرم الشريف خلال تلك العصور.
وكان يحضر بنفسه أربعينيات الحسين في كربلاء، ويؤسس لمدارس الحنابلة في بغداد، حتى اتهمه الأولون بالتشيع والآخرون بالتحنبل.
ولكن الرجل تمكن في غمار الاتهامات المتتابعة ان يحمي العراق ومحيطه العربي والفارسي مستقراُ لعدة عقود، وهذا اللون من التهم وكلام الناس هو أهون ما يقدمه حاكم بصير في سبيل خلاص أمته.
المصالح بين ايران والسعودية أكثر مما نتصور من حيث الكثرة والعدد والتناقض أيضاً، وكان من الممكن تماما أن يكون لايران موقف آخر من النظام السوري ومن الانقلاب الحوثي، فدعم الاستبداد بهذه الطريقة ليس مجداً لإيران ولا لتاريخها ولا لثقافتها، وأنا على يقين أنهم انحازوا للنظام وهم يعلمون أنه لا يمثل العدالة ولا الشرعية ولا حتى المذهب، ولكنها معادلة معقدة من نوع أقل الشررين ضررا، ولم تكن لدينا استراتيجية دولية لاحتواء الموقف الايراني، وللاسف فإن الايرانيين اختاروا ما يحفظ مصالحهم ويضر بمبادئهم وبالتالي فقد تهشم مشروع الوفاق السني الشيعي وعاد عقوداً إلى الوراء وتهدمت خلالئذ كل جسور الوفاق التي بنيناها خلال سنين طويلة.
تبدو هذه القراءة ساذجة وطفولية ومن الطبيعي أن تبقى قرءاتنا بهذه السذاجة طالما اننا نعيش العصر الانفعالي ولا نملك القدرة على التخلي عن حنوطاتنا الطائفية ومصالحنا الضيقة، ولا نمتلك القدرة على الرؤية من خلال حقيقة الشرخ الفظيع التي يشطر الأمة الإسلامية بشكل صارم إلى حدين متلاعنين، ويصر كثير منا على أنه ليس في نهاية الصراع أمل ولا رجاء..
Tags: سلايد