on
Archived: د. محمد حبش: هل تستطيع الإنسانية إنصاف الشرفاء الذين يرفضون الحرب؟.. كلاي نموذجاً
د. محمد حبش: كلنا شركاء
تعرفت عن قرب على الملاكم محمد علي كلاي في التسعينات خلال زياراته الطويلة إلى دمشق التي كانت بغرض الاستشفاء بالطب البديل، وكانت إحدى المحاولات البائسة للخلاص من الباركنسون، حيث أمضى في الشام نحو شهر كامل يصوم على الماء بمبادرة من عمي الشيخ أحمد كفتارو، وكانت مناسبة لنقرا فيها حياة الرجل من زاوية أخرى تتصل برسالته وإيمانه الذي فرض عليه موقفاً فريداً ضد الحرب..
محمد علي كلاي أشهر اسم في تاريخ الرياضة العالمية، ومن حقه أن ينشغل العالم في رحيله كما شغلهم في حياته، ولكن قفازاته الحمراء ورقصاته الجبارة على الحلبات، وصرخاته الأسطورية وضرباته القاضية في وجوه منافسيه لا ينبغي أبداً أن تنسيك الدور العملاق الذي قام به الرجل في مقاومته للحرب وإصراره على احترام الحرية ورفض الحروب الظالمة.
إنها رسالة مقدسة تلك التي حاولها الرجل قبل نصف قرن وهو ابن أربعة وعشرين عاماً من أجل أن يفضح عوار القانون الدولي والقوانين الوطنية أيضاً في العالم كله التي لا تزال تعامل الفار من الزحف والمتمرد على الحرب معاملة الخائن الشائنة وتتفنن في ابتكار عقوبات التوحش ضد هؤلاء الشرفاء الذين لا يؤمنون بالحروب.
في مشاركتي الأخيرة في مؤتمر رؤساء دول العالم السابقين في فيينا حظيت بفرصة تاريخية للمشاركة في إعداد ميثاق الأخلاق السياسية الدولي، وكانت اللجنة من خمسة مستشارين يمثلون الأديان الرئيسة في العالم الاسسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والهندوكية، وكانت رسالتي الأولى في المؤتمر هي الحديث عن حق الإنسان في التمرد على الحرب الظالمة.
كان كلاي ابرز اسم حاضر في رفض الحرب الظالمة، فقد وقف بشجاعة ضد سياسة الولايات المتحدة الامريكية في الحرب في فيتنام وأعلن بوضوح أنه لن يقبل أن يقاتل في فيتنام، وأن ضميره لا يسمح له أن يقطع نصف الأرض من أجل حرب لا يفهمها تورطت فيها حكومة بلاده نتيجة الوهن الدبلوماسي، ولكن أمريكا التي هي أم الحريات في العالم لم تجد سنداً قانونياً لحماية هذا الموقف النبيل، وتصرفت معه بغرائزية مخجلة وطبقت قانوناً لئيماً يصر على دخول الناس في الحروب التي لا يؤمنون بها، ومن العار أن هذا القانون لا يزال هو القانون السائد في كل دول العالم، ولم تفلح الجهود التي تبذلها هيئات السلام العالمية وحقوق الإنسان في تغيير مواقف الدول التي لا تزال الى اليوم تعتبر النكول عن الحرب جريمة وتقاضي مواطنيها بعقوبات تصل في كثير من الأحيان إلى الإعدام خاصة في المحاكم الميدانية المجنونة!!
قلت لهم : إن مواجهة الحرب تقتضي حماية ابطال السلام، واليوم فان رعاة السلام لا يزالون هدفا لئيما للقوانين المحلية في العالم حيث تعتبر الانظمة الاستبدادية حروبها ضد خصومها السياسييين حروبا مقدسا وتوجب على جيوشها الاستدارة شمالا او جنوبا وفق ما تقتضيه المصالح وتوجه فوهات البندقية حيث يريد لها رعاة الحرب وتجار السلاح…….
حتى الآن لا يوجد قانون دولي يرعى أولئك الذين ينشقون عن جيوشهم حين تبدأ خوض حروب ما أنزل الله بها من سلطان. حيث يتم استدعاء الناس إلى قواعد التجنيد ومن ثم يتم سوقهم الى المعارك التي لم يؤمنوا بها يوما، وفي أشد مظاهر الدراما الانسانية بؤسا وسوادا وقتامة يدفع بالهالكين على عنابر الموت، ليقاتلوا وجوها لا يعرفونها لصالح وجوه لا يعرفونها، ولا يسمح لهم حتى بممراجعة أفكارهم البائسة التي ترفض هكذا مسير نحو موت أحمق!!
لا زلت اذكر الحرب السودانية الباسة التي استمرت 22 عاما بدون توقف وأذكر في زيارتي للسودان في التسعينات كيف كان شباب السودان يحملون في سيارات شاحنة من كل فج عميق للذهاب صوب الجنوب وهم يهتفون الله اكبر ويعودون جثثاً وتوابيت هامدة، ومع ذلك فإن على الأمهات أن يندفعن في صراخ زغرودي لن يخفي أبداً جرح الثكل وقهره، في كذب فاجر يكفر بكل ما في الإنسان من قيم الحياة والأمل والرجاء.
كان ذكر اسم غرنغ يكفي آنذاك للتعبير في مخيلتنا عن كل رجال الشر في التاريخ من ابليس الى قابيل الى فرعون وهامان وجنكيز خان وهتلر ودراكولا وسائر رموز العنف والشر في التاريخ، وهكذا فقد اعتبر الشباب المسلم في كل مكان في العالم أن قتال غرنك أعظم الجهاد وأن المحاهد السعيد من يكتب له أن يشارك في تلك القادسيات الجديدة في جوبا وواو وملكال، وحين كنت أسافر بطائرات الشحن العسكري الى تلك المدن الهائمة كان يؤلمني أن الناس تعيش أقسى ظروف الفقر ولكنها تصر على استمرار الحرب…
في لحظة عقل يجلس الجميع على مائدة الحوار ويتوافقون على حلول وسطى ويعيدون رسم الحدود على الخرائط وتتم تسمية غرنغ نائباً أول لرءيس الجمهورية البشير وهو منصب لا يجوز أن يمنحه الرئيس إلا لأهم شخصية وطنية صادقة وأكثرها اخلاصا وتفانيا في مصلحة الوطن ، وحين وصل الى الخرطوم كان في استقباله مليون سوداني في المطار، طالما أجبروا من قبل على الهتاف بلعن روحه، في مشهد يفضح أكاذيب الحرب وشرور الحرب وبروباغندا الحرب .
لقد حان الوقت لتنجح الجهود المتواصلة التي يخوضها رجال السلام في مراجعة ميثاق حقوق الإنسان العالمي وإضافة مادة واضحة وحاسمة في حقوق الإنسان تتبناها دول العالم كله تتضمن حماية مباشرة وحقيقية لكل رجل يرفض الحرب، بل إنني أدعو لحوافز حقيقية في العمل والاقامات والتجنس لاولئك الذين يرفضون الحروب، وأن يكون من واجب الأمم المتحدة استقبال اولئك الذين يرفضون الحرب في اوطانهم ورعايتهم مباشرة من الدولة التي تقع فيها الحرب، وأن تكون لسفارات الأمم المتحدة في بلاد الحرب قاعات لجوء محمية ومراقبة دوليا، وحين تثبت إرادة الانسان في رفض الحرب فإنه يمنح الحقوق الانسانية الطبيعية في الحماية والرعاية بعيدا عن جحيم الحرب التي تعصف ببلاده
يجب ان يعلم الحكام ان لشعوبهم خيارات اخرى حين يرفضون الحرب وأن الضباط في جيوشهم سيحظون بحق الحماية الدولية ان هم رفضوا الحرب،
قد يبدو مطلبا كهذا اكبر من طاقة الامم ، وحين طرحت هذا في مؤتمر رؤساء العالم السابقين استقبلني السيد فاليري جيسكار ديستان وقال: إنها أحلام يا صديقي، الحروب كريهة ولكنها قدر وطني للدفاع عن الأمة، ولو كان الأمر للعسكري لرفض دوماً هذه الحرب!!
قلت له: وما الذي نخشاه من ذلك، إنه سيكون خبرا مجيداً بكل تأكيد وسيفشل الزعماء الدمويون في إشعال حروب جديدة وستتوقف طبول الحرب، وسيرغمون على البحث عن السلام!
بالطبع لم أنجح في إقناع الروساء المحترمين بجدوى المشروع، وظلت حواجبهم المتهدلة تقول لي الكثير، وخبراتهم في إدارة الصراع العالمي قدتهم على قواعد صارمة تطمس فيها السياسة معالم الإنسان…. إنها نوايا طيبة أيها الفنان الديني الحالم، ولكن العالم قائم على هذا منذ ايام يوليوس قيصر وقريش ولن تستطيع أن تغيره يا صديقي فابحث عن آمالك هذه في خطاب الأنبياء، ولكن حذار أن تقرأ مزاميرك في مجلس الأمم، لأنه سيكون أكثر هزل يضحك وجوه القوم العابسة!!!
لقد فاتت فرصة كبيرة للسلام بعد أن لاحت لساعات، وكان رئيس الوزراء النمساوي هانز فيشر الذي شاركنا الندوة وهو على راس عمله قد عرض أن يحمل المقترح باسم بلاده إلى هيئة الأمم المتحدة ويطلب التصويت عليه، ولكن هذه الآمال الطيبة لم تجد من ينتصر لها في محفل الرؤساء الذين يكررون ما قالوه لشعوبهم وهم يدفعونهم لمعارك (الشرف والفداء) على الرغم من أن مواقعهم فيها كانت متقابلة متلاعنة، ولكنها الحقيقة… !!
إن خيارا كهذا من وجهة نظري سيقطع الحرب من شرشها وسيعلم قادة الحرب الذين يتخذون قرارات الموت بحق شعوبهم أن للشعوب خيارات أخرى، وأن الأسرة الدولية تعتبره حقاً مقدساً أن يرفض الإنسان الحرب، وأن الأمم المتحدة بأعضائها القادرين تتحمل مسؤولية مباشرة في تأمين هذه النوايا الطيبة وحمايتها من تغول الاستبداد الذي يرغم الناس على حروب مجنونة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
اقد رحل محمد علي كلاي وسيبقى في ذاكرة الرياضة والدين والنضال ضد العنصرية زمنا طويلا، وسيظل يذكر بانه الرجل الذي كانت تدعوه الملوك لتلتقط معه صورة تذكارية، ولكنه سيبقى من وجهة نظري واحداً من رموز الحرية، ناضل طويلا من اجل حق الانسان في رفض الحرب الظالمة، ولولا سجله الدامي في رياضة البوكس الشرسة لقلت انه ايضا بطل سلام.
حان الوقت لإنصاف هذه المصطلحات المرجومة: الفرار من الزحف، الانشقاق من الجيش، التمرد على الأمر العسكري، التي تستخدم اليوم مبررات في صدر أي حكم إعدام أثيم، فيما يقتضي العقل والعدل والمنطق أن يكرم هؤلاء الرجال كأبطال سلام وملائكة رحمة طالما أنهم لا يؤمنون بهكذا حرب محنونة.
ذات يوم ستخجل الإنسانية من قوانينها التي ظلت عاجزة عن حماية من يؤمنون بالسلام، وظلت تراقب بؤس القوانين الوطنية وتوحشها وهي تجعل الفار من الزحف والمنشق عن الجيش الظالم خائناً وناكثاً، فيما يعتبر طيار البراميل الأثيمة الذي يسحق الأطفال بطلاً وشجاعاً.
اقرأ:
د. محمد حبش: السيادة الوطنية والسيادة الوثنية…..
Tags: سلايد