Archived: د. يحيى العريضي: فائض قوة بوتين، والثقب الأسود

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

مغرية مراكز البحوث لصنّاع القرار؛ لاعتقادهم بأنها تجعل حياتهم أقل تعقيداً؛ فهي تشكل المعادل الموضوعي للنصح الذي يأتيهم من المستشارين والناصحين. مع ذلك، يحاول بعض السياسيين-شأنهم شأن الباحثين- الحد من تدفق المعلومات والبيانات المتعلقة بمسألةٍ معينةٍ، خشية أن يرهقوا عقولهم بكمٍ مضنٍ من المعلومات، ليخرجوا في نهاية المطاف ببيانٍ منمنمٍ أو رؤية مكثفة أو مقولة تلخص موقفاً من شأنه أن يؤثر أحياناً على حياة ملايين من الناس. والمثال الصارخ ها هنا موقف الرئيس أوباما من الوضع السوري.

صحيفة “نيويورك ماجازين” أرادت إقناعنا بأن /بِن رودز/  نائب مستشار الأمن القوي للاتصالات يبرمج عقل  الرئيس أوباما. بكل تأكيدٍ لم يكن الرجل المصدر الوحيد لمعلومات أوباما عن سوريا أو موقفه منها. فهناك منظومة جبّارة اسمها ماكينة السياسة الأمريكية الخارجية المؤلفة من شبكةٍ قوامها مئاتٍ العوامل والعناصرالمساهمة  تعمل مع بعضها البعض لبلورة موقفٍ أو حالة أو تنفيذ سياسيةٍ ما.

وتفاصيل هذه السياسية ليست مطروحةً أمامنا كما لو أنها في كُتيّب أو دليل جاهز. إلا أن التأثيرات والانعكاسات والحقائق على الأرض هي ما بين أيدينا، والنتائج على الأرض ما هي إلا ترجمةٌ للسياسة الأمريكية تلك.

قُدِّمَت سياسة إدارة أوباما الخارجية تجاه سورية على انها منفصلة عن الواقع، لامبالية، متحجرة، ضعيفة، غير مكلفة، وحتى رخوة أو مهزومة. ولكنها في حقيقة الأمر أوقعت كل الأطراف الكبرى والصغرى في مشاكل عويصة فيها روسيا والشعب السوري في أعلى قائمة الخاسرين. خسائر السوريين أضحت معروفةً لجميع من على وجه البسيطة: دولةٌ فاشلة استحالت إلى أنقاض. إنها سوريا التي كانت تهدد إسرائيل، وها هي الآن ببساطة تتبدد.  لم تكن إسرائيل لتحلم بهذا، فعلى المدى القريب يعد هذا الإنجاز الأعظم لإسرائيل من نشوئها ويتخطى الإنجازات التي حققتها في النكبة والنكسة وكامب ديفيد. الشكر بذلك يعود للسيّد أوباما. أما على المدى البعيد فهو قصةٌ مختلفةٌ سننطرق إليها قبيل نهاية هذا المقال.

يتجلى الإنجاز العظيم الثاني لتطبيق تلك السياسة الأمريكية الخارجية بتنظيف بعضٍ من آثار تداعيات ما بعد الحرب الباردة وخاصة أحلام بعث أو استعادة العظمة الروسية. هناك فائضٌ في القوة لدى روسيا، وما هو إلا بقايا الصناعة العسكرية واحتمالية تفعيل الترسانة الذرية لديها. وعندما تقع تلك القوة الهائلة بين يدي دكتاتورٍ صغيرٍ منبهرٍ بذاته، تصبح خطيرةً جداً إن لم يتم التعامل معها و تداركها بحذرٍ خلاق. لقد جرى تفريغ أو تحرير ذلك الفائض من القوة الذي وقع في الأيادي المغرورة في مغامراتٍ تبدو كأنها مناطقُ أو شؤون أو أمور قد تستعيد تلك العظمة، ولكنها في حقيقتها تتحول إلى ثقبٍ أسود قابل لابتلاع الكواكب ليس فقط الحماقات وأحلام الذوات المتضخمة؛ ليتبيّن أن أحد أهم بوابات هذا الثقب الأسود المرسوم لروسيا بأيدٍ أمريكيةٍ  ليس إلا سوريا، فبوتين يجد نفسه الآن بين مئات المطارق وبضع مئاتٍ آخرى من السنادين. ببساطة ما بإممكان بوتين أن يغادره ولا أن يبقى به، فالمغادرة نهاية حلم، والبقاء توابيت ستبدأ بالتوافد إلى موسكو؛ وهو آخر ما يتصور بوتين حدوثه.

إن ما حدث في حلب يشير إلى المأزق الحقيقي الذي وقع فيه. فالجهة المسماة بالجيش السوري التي كان يعوّل عليها-مع دعم الإيرانيين- من أجل استعادة حلب وبوجود تغطيةٍ جويةٍ روسية لم تفلح بالقيام بعملها. والأمريكيون—أمام عينيه وعيني الإيرانيين ونظام الأسد الذي يدعمه— يستعدون للسيطرة على “عاصمة” داعش “الرقة” درة الانشغال العالمي السياسية الآن.

لذا فإن جهود مراكز الأبحاث والناصحين والمستشارين كانت نسبية الفائدة للسياسة الأمريكية الخارجية التي تعاملت مع الأمور ببطءٍ واطرادٍ وبلا إنسانية. وبهذه الطريقة ضيّعت أمريكا بوتين وأنهت مرةً وإلى الأبد أية أضغاثٍ لأحلام القوة العظمى قد يحلما الروس.

أما بالنسبة لإسرائيل فقد فازت فوزاً ساحقاً على المدى القريب ولكن على المدى البعيد فإن السوريين أكثر إصراراً على جعلها تدفع غالياً ثمن هذه المأساة.

كيف؟ هذا ما سيتكشف لاحقاً. ولكن من المؤكد أن إسرائيل قد فازت بعدائهم الدائم وتصميمهم على جعلها تدفع الثمن ألا هو نهايتها، وإن بعد حين.





Tags: سلايد