Archived: خمسة أعوامٍ على اغتيال المهندس معن العودات (جيفارا حوران)

مضر الزعبي: كلنا شركاء

“معن العودات” عراب الثورة السلمية في حوران، أو “جيفارا حوران” كما أطلق عليه شباب الثورة في محافظة درعا، نتيجة لتضحياته الكبيرة في سبيل نجاح الثورة السورية، كان واحداً من أهم رجالاتها، نجح بكسب قلوب وعقول الكثير الشباب الثائر، بعكس باقي المعارضين للنظام الذين كانت بينهم وبين الشباب الثائر حواجز كثيرة.

الشهيد “العودات” ابن عائلة عريقة في محافظة درعا، معروف عنها معارضتها لنظام الأسد الأب والابن، وأحد أنجح المهندسين والمقاولين في محافظة درعا قبل الثورة، دفع حياته ثمن معارضته للنظام قبل قرابة خمسة أعوام.

معن العودات وبداية الثورة

الصحافي عمر الحوراني أحد أبرز الناشطين الذين كانوا من المقربين من الشهيد “العودات” قال لـ “كلنا شركاء” إنه في بداية الثورة كان للأستاذ معن العودات دور فعال، كون الحراك كان يفتقد لهذه الفئة العمرية والثقافية، كان تواجده يعطي للشباب ثقة كبيرة، فكان بمثابة أب روحي للثوار في درعا بداية الثورة، وما ميزه أنه كان مؤمناً بالعمل السلمي منذ اليوم الأول للثورة حتى تاريخ استشهاده في 8 آب/أغسطس من العام 2011.

“العودات” تميز بالوعي الكبير، فكان يذكر الشباب بشكل دائم بأن النظام هو من يريد أن يدفعنا لعسكرة الثورة، لأنها لغته التي يفهمها، ويؤكد أن إسقاط النظام لن يكون إلا عن طريق العمل السلمي، بحسب “الحوراني”.

وأشار “الحوراني” إلى أن “العودات” هو من كان يحضر للاعتصامات النقابية والشعبية في محافظة درعا، ومع بروز دوره بدأت أجهزة النظام تشعر بحجم خطره عليها، وذلك نظراً لشعبيته الواسعة بين أوساط الشباب الثائر ومقدرته الكبيرة في التأثير عليهم، عندها بدأ النظام باتباع أسلوب جديد في مواجهة الحراك الشعبي، والمهندس “العودات”، وفي أواخر شهر نيسان من عام 2011 صدر قرار من رأس النظام بالقضاء على الحراك الشعبي باستخدام الجيش، وكانت البداية اقتحام درعا البلد واعتقال الآلاف من أبنائها، وكان المهندس “العودات” أحدهم.

الاعتقال

الدكتور “جهاد محاميد” صديق المهندس “العودات” ورفيقه في المعتقل، قال لـ “كلنا شركاء” إنه وبعد اقتحام درعا البلد تم اعتقاله مع “العودات” لمدة أسبوع في بناء الحزب الجديد في درعا البلد، ولم يكن هناك أي عمليات مضايقة كبيرة في تلك الفترة.

وبعد الافراج عن “العودات” ظنت أجهزة النظام الأمنية أنها قضت على روح الثورة والمظاهرات في درعا، وأنها سحقت الحراك الثوري، ولكن “العودات” وأصدقاؤه كان لهم رأي آخر، فالمظاهرات لم تتوقف، وبدأت تأخذ طابعاً جديداً بسبب التضيق الأمني، فتحولت إلى مظاهرات سريعة أثناء تشييع الشهداء.

وفي 3 تموز/يوليو من العام 2011، وبعد الانتهاء من مظاهرة في درعا البلد، نصبت قوات النظام كميناً للمهندس “العودات”، واعتقلته من أمام فرن العدنان في حي طريق السد، وتم ضربه ومن ثم تحويله إلى دمشق، حيث تم تعذيبه خلال فترة اعتقاله هناك، والتي استمرت قرابة الشهر، تنقل خلالها بين الأفرع الأمنية في درعا ودمشق، بحسب الدكتور “محاميد”.

الناشط “جواد المسالمة” قال لـ “كلنا شركاء” إن “العودات” كان السلاح الأخطر في وجه النظام، فكلما زاد تصعيد النظام العسكري كان يتمسك بسلميته ويواجه النظام بأغصان الزيتون والكلمة، مما شكل تحدٍ حقيقيٍ لأجهزة النظام في محافظة درعا، فأصبح “العودات” كابوساً مزعجاً في وجه مخططات النظام الذي كان يسعى لصبغ الثورة بالإرهاب والتطرف.

وأشار إلى أن مسؤول فرع الأمن العسكري في درعا هدد بشكل مباشر المهندس “العودات” بالقتل، في فترة الاعتقال الأخير، في حال خرج بأية مظاهرة.

ما بعد الاعتقال

الصحافي “عمر الحوراني” قال لـ “كلنا شركاء” إن الاعتقال كان له مفعول عكسي مع الشهيد “العودات”، فبعد كل اعتقال كان يخرج بعزيمة أكبر، ولم يثنِ التعذيب “العودات” على أن يكون أحد أبرز النشطاء الفاعلين، فكان يخرج من المعتقل مباشرة إلى ساحة التظاهر.

وأردف: “وفي إحدى المرات وبعد خروجه من المعتقل كنا في طريقنا من درعا البلد لدرعا المحطة بمظاهرة، وحاولت قوات النظام منعنا من الوصول لدرعا المحطة، وحينها وصل المهندس معن إلى الجسر الرابط بين درعا المحطة والبلد، وكان لا يزال يرتدي الملابس التي اعتقل بها، ورغم الإرهاق والتعب من المعتقل أصر على المشاركة معنا، عندها حمله الشباب على الأكتاف، فشعرنا بالخجل من تضحيات معن العودات، وبدأ الهتاف بصوته المبحوح والذي كان قوياً كفاية ليدخل العزيمة والقوة إلى قلوب جميع الشاب، ووصلنا إلى ساحة الاعتصام في درعا المحطة، وفي ذلك اليوم كان المهندس معن هو آخر شخص يغادر مكان الاعتصام لخوفه على الشباب، على الرغم من أنه لم يكن قد ذهب لمنزله بعد،  وكان يعلم أن إخراجه من السجن كان من أجل أن يهدئ الشارع، ولكنه فعل العكس.

اغتيال الشهيد معن العودات

في 8 آب/أغسطس من العام 2011، اتخذت أجهزة النظام الأمنية القرار بتصفية المهندس “العودات” بعد أن فشلت جميع المحاولات في إسكات صوته، وبعد أن نجح في الحفاظ على الطابع السلمي للحراك، ونجح باستقطاب شريحة واسعة من الشباب الثائر.

صديق “العودات” ورفيقه في المعتقل الدكتور “جهاد محاميد” قال إن المهندس “العودات” كان قد خرج من المعتقل قبل أيام، وقبل استشهاده بساعة تكلم معه وأخبره بتصفية الناشط “مالك الكراد” في فرع الأمن السياسي، وأنه سيتم تشييعه من الجامع العمري في درعا البلد.

طلب الدكتور “محاميد” من المهندس “العودات” تجهيز الترتيبات اللازمة في المسجد بينما يتولى هو الترتيبات في منزل “مالك الكراد” في درعا المحطة، وأخرجوا جثة “الكراد” من منزله في درعا المحطة إلى المسجد العمري حيث تمت الصلاة عليه هناك، ومن ثم نقل إلى مقبرة الشهداء في درعا البلد، ورافقت الجنازة مظاهرة.

وأضاف “محاميد”: “أثناء الدفن كان لدي يقين بأن أمراً ما سيحدث، فعناصر الأمن أغلقوا المكان، والشباب بدأوا بالهتاف بصوت قوي، هنا تحرك المهندس معن العودات باتجاه عناصر الأمن وطلب منهم فتح الطريق، وتوجه نحو الشباب من أجل التهدئة، وبعد ربع ساعة بدأ إطلاق النار، وأصيب المهندس معن في خاصرته”.

وبعد إصابة المهندس “العودات” انقسمت المظاهرة إلى قسمين، أحدهما عاد إلى داخل المقبرة، والثاني توجه باتجاه حي البحار في درعا البلد، وحاولت مجموعة من الشباب إسعاف المهندس “العودات” لكن دون جدوى، فقد استشهد ثلاثة شباب أثناء محاولتهم الاقتراب من المهندس “العودات”، وعندها اقترب مسؤول الأمن العسكري في درعا “لؤي العلي”، وأطلق النار على المهندس “العودات” من مسدسه ثم انسحب هو عناصره بعد اتمام مهمة تصفية الرجل السلمي، على حد قول الناشط “جواد المسالمة”.

وأشار الدكتور “محاميد” إلى أنه وبعد انسحاب عناصر الأمن تم سحب المهندس “العودات”، وكانت إصابته في وجهه، وفي منزل مجاور لمقبرة الشهداء فارق الحياة، ووصل عدد الشهداء إلى سبعة، بينهم الشهيد المهندس “معن العودات” (المهندس الحوراني) كما كان يحب أن يلقب.

وأكد الصحافي “عمر الحوراني” أن ذلك اليوم كان غريبا، وجوه مرعب يوحي بأن النظام يخطط لأمر ما، وقرار النظام بتصفية المهندس “العودات” كان بهدف الوصول إلى ما وصلنا إليه اليوم وإعطاء صفة الإرهاب والعصابات المسلحة للثوار، وخطوة النظام كانت ناجحة، فقد قضى على أفكار “معن العودات”، وجر الحراك إلى التسلح، وبعد هذه الجريمة أصبح صوت الرصاص أعلى من صوت السلمية التي ناضل من أجلها الشهيد ودفع الثمن حياته، وتم نفي معظم الأشخاص المؤمنين بفكر “معن العودات” عن طريق التهجير، “بكل أسف بقتل معن العودات قتلت السلمية”.

النظام قرر تصفية “العودات” (عراب السلمية) أمام أعين الشباب الثائر من أجل إيصال رسالة واضحة بأنه لا مجال للسلمية، وأن هذا سيكون مصير كل شخص ينادي بالسلمية، ليكون استشهاد “العودات” نقطة تحول جديدة في عمر الثورة السورية لا تقل أهمية عن يوم 18 آذار 2011 عندما انطلقت الثورة السورية من أمام المسجد العمري، فكان اغتيال “العودات” في مقبرة الشهداء تاريخاً جديداً يسجل.

اقرأ:

اغتيال قياديين من الجيش الحر بدرعا





Tags: سلايد