Archived: د. يحيى العريضي: هل وقفت ارجوحة الدم؟

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

لم يقم نظام الأسد أساساً على المواجهة إلا لاحساس بانتفاص الشرعية؛ فهو لم يحسّ يوماً بالأمان اللازم لبناء دولة. خوفه ولّد فيه الشراسة, العنف, وبدورهما زرعا الرعب و الخوف عند الانسان السوري؛ لتنشأ علاقة بين الحاكم والمحكوم تنتظر لحظة المواجهة لا الثقة والبناء والحياة الطبيعية. كان على النظام أن يبحث عن الصّادات لتحقيق “شرعيته” وتخفيف درجة الخوف لديه لتحسّبه بأن لحظة الانقضاض عليه لابد آتية؛ والضغط الكبير والمستمر الذي يمارسه للبقاء لم يكن كافياً, فكان لا بد من توليد ركائز حماية أخرى, فكانت “بروبوغندا” العداء الاسرائيلي وامريكا و”المقاومة والممانعة”.

كان أهل سورية يعلمون في أعماقهم علم اليقين ان شعارات النظام زائفة وضعيفة ومفضوحة؛ و أكثر ما دلّت عليها عباراته الدائمة بخصوص المواجهة مع مغتصب الأرض وسالب الحقوق: “الرد بالوقت والمكان المناسبين” وحتى استخدام حزب الله كقفاز لم يكن إلا جزءاً من “البروبوغندا” حيث ان تكليفه بإنهاء المقاومة الوطنية اللبنانية وحماية حدود اسرائيل الشمالية كانت أكثر فائدة للنظام بحيث تحول إلى صك بقاء له, وثبُت ذلك خلال الخمس سنوات من مواجهة شعب سورية؛ أما اسرائيل فحرصت على أن ينفذ النظام شعاره “أحكمها أو أدمرها”.

السوريون من جانبهم وجدوا اللحظة السحرية في ما سميّ “الربيع العربي” لفتح بركان صناعي ضغطه ظلم النظام حتى الانفجار؛ فقرروا سليقياً استبدال العيش الذليل بعيش فيه كرامة وحرية.

من جانبه لم يكن النظام غافلاً عن حتمية تلك اللحظة لقد عاش يهيىء نفسه لذلك, فلا الجيش لتحرير الأرض, ولا الأمن لصون أمان وكرامة المواطن، ولا الاقتصاد لبناء وعيش كريم، ولا التعليم إلا تكريساٍ لعبادة فرد عبر تستطيح العقول وهزيمة النفوس.

كان الأصعب على النظام ان يُضبط بالجرم المشهود في مواجهة الشعب؛ فأن يُقال إنه نظام يقتل شعبه هي الكارثة بعينها، فلا بد من شيطنة ذاك الذي يتوجه إلى صدره سلاح النظام؛ فكان الارهاب، والارتباط بمؤامرة الخارج الوصفة السحرية التي ركب موجتها.

ليس استنتاجاً أن نقول إن النظام كان يعرف ان الشعب هو عدوّه الأول؛ وسيكون من الصعب عليه تسويق من يقاومهم من هذا الشعب على أنهم ارهابيون؛ إلا ان حرص القوى الخارجية على نظام الأسد وعلى الخدمات الجليلة التي قدّمها تاريخياً لهذا الخارج, كانت كفيلةً بالتماشي و أحياناً التماهي مع مقولاته و أكاذيبه. كل ذلك كان يتم رغم الاقتناع الداخلي بانهم أمام نظام إجرامي يقتل شعبه، لأنه طلب جرعة من أوكسجين الحرية. وفي النهاية ليس من صالح هذا الخارج عربياً, اقليمياً، أو دولياً أن يعطي هذا الشعب السوري مثالاً لشعوب العالم في حياة الحرية.

من هنا توافق الخارج مع النظام في إطالة أمد الصراع؛ بالنسبة له كلما طال الصراع, تشعب وتعددت انواع الجرائم, وطال أجله؛ وبالنسبة للخارج- الذي لا يكترث بالمأساة السورية- تمكنه من انجاز اجنداته بمختلف أنواعها وتشعباتها.

تطلب انجاز اهداف كهذه اتباع مبدأ “الأرجوحة الدموية” بحيث لا يكون هناك حسم للمسألة السورية فكان غير مسموح للنظام أن يُهزَم كلياً ولا أن ينتصر كلياً؛ والحال ذاته ينطبق على من واجه النظام وأراد إسقاطه. بدوره مبدأ الأرجوحة الدموية استلزم ثنائية تناظرية في كل عناصر الصراع من/ سني مقابل شيعي \كردي مقابل عربي\ \غربي مقابل شرقي\ \روسي مقابل أمريكي\ \سعودي مقابل إيراني\ \الأسد أو نحرق البلد\ \الأسد أو لا أحد\ \الكل أو لاشيء\ \الموت ولا المذلة\ \الجوع أو الركوع\ \تكفيري مقابل علماني\ \نصر الله على الأرض مقابل نصر الانسان على الأرض\ \هدنة مقابل خرق الهدنة\ \وطني مقابل خائن\. وضمن كل تلك الثنائيات ضاعت المعايير وضاع العقل؛ تماماً كما أراد نظام الإجرام منذ البداية عندما اختار /القتل مقابل طلب التغيير والحرية/, تماماً كما بني الجميع استراتيجيتهم في /الكل أو لا شيء/.

الآن ومع توصل الأمريكيين والروس إلى اتفاق في وقف الأعمال العدوانية لا بد من البحث والتعمق فيما إذا كان قد بُني من حيث الجوهر على مبدأ “ارجوحة الدم”؛ حيث يظهر من ملامحه الخارجية دون الغوص في التفاصيل الشيطانية, ان المبدأ لا زال سارياً.

رزمة من الأسئلة تفرض نفسها في هذا المفصل الزمني:

هل شبعت إسرائيل من الدم السوري كي يتم التوصل إلى اتفاق بوقف قصف الشعب السوري من قبل طائرات الأسد وبوتين؟

هل تضغط الانتخابات الأمريكية, ويرغب أوباما استرداد بعض ماء وجهه الذي سفك بتركه المذابح تعم في سورية حتى في الأسلحة المحرّمة دولياً؛ وهاهو الآن يريد أن يهدي الادارة القادمة- أكانت لترامب أو لامتداده هيلري كلنتون- مايريحهم في إدارتهم القادمة؟

أهو احساس بوتين انه غاص في المستنقع السوري أكثر من اللازم بعد أن وعد بإنجاز مهمته في أربعة أشهر في أيلول 2015؟

هل هناك وعود تلقاها بوتين بتسكير بعض الملفات التي فتحت على رئاسته أبواب جهنم من اقتصاد و أوكرانيا وتململ شعبي روسي؟

هل شعر الملالي ان الاستمرار بشلال الدم سيجعله يفيض إلى الداخل الايراني, وان رأس صبيّهم في دمشق لم يعد صالحاً للمساومة أو انه يفقد قيمته التصافقية مع الاستطالة الزمنية للصراع؟

شبع الجميع على مايبدو من مبدأ الأرجوحة الدموية. الخاسر الأساس والضحية الأساس لهذا المبدأ كان شعب سورية. قبل أن يخسر الآخرون المزيد, ربما فكروا بوقف الأرجوحة. هنا يربح شعب سورية حتماً؛ ويخسر القاتل؛ نظام بشار الأسد, وهذا هو المآل الطبيعي للأمور. كانت الفاتورة أكبر من قدرة البشر على التحمل. شعب سورية حملها؛ ومن هنا هو الأعظم. انه يحرر العالم كما يحرر نفسه.

هؤلاء ” الأقوياء ” يعرفون ذلك؛ ولكن لا خيار أمامهم. السوري انتصر من أول لحظة خرجت صرخة الحرية من أعماق أعماقه.

انه الحر الذي سيساهم فعله بوضع أول لبنة في طريق تحرير الشعوب الطويل.

اقرأ:

د.يحيى العريضي: أردوغان و بشار الأسد؛ هل للصلح مطرح؟





Tags: سلايد