on
Archived: يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية.. الناشط (9/5)
يونادم يونادم: كلنا شركاء
بعد ظهيرة أحد أيام الشتاء وفي غرفة فندق على مقربة من (أمستردام)٬ التقيت ناشطًا سورياًّ هزيًلا يبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاًما ويدعى (مازن الحمادة)، – وهو ليس شاهداً لدى (لجنة العدالة) فالشهود تبقى هويتهم سرية حتى يتم استدعاؤهم للإدلاء بشهادتهم – وتقدم قصة (الحمادة) فرصة لتعقب الأثار التي تتركها سياسات النظام السوري على المواطنين الذين كانت السلطة على استعداد لفعل كل ما يلزم من أجل إسكاتهم.
ولد (الحمادة) عام 1977 وهو الأصغر بين سبعة عشر طفًلا في عائلة متعلمة من الطبقة الوسطى في مدينة دير الزور الشرقية. أصبح إخوته صيادلة ومدرسين ومحامين ٬ بينما أصبح هو أخصائي ميداني في شركة (شلمبرجيه) ٬ وهي شركة دولية في قطاع خدمات البترول ولديها قاعدة عمليات في حقول البترول الغنية حول دير الزور. كان أعضاء عائلة (الحمادة) ينتقدون النظام وكان يتم تعقبهم واعتقالهم بشكل دوري حتى قبل الثورة. كانوا غاضبين بشكل خاص بسبب فشل الحكومة في فعل أي شيء بخصوص الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء. قال لي (الحمادة) “كان كل شيء مرتباً لصالح الصفوة”. في 2011 قام رئيس مكتب الأمن الوطني بكتابة مذكرة سرية لرئيس خلية الأزمة يحاول فيها ارجاع ضعف الشعور الوطني في (دير الزور إلى :”النظام القضائي الفاسد وتأخر الفصل في القضايا، و تفشي المحسوبية واللجوء إلى الرشوة لاستعادة الحقوق”.
كانت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في المنطقة موالية للأسد فمع أول مؤشرات الاضطراب في فبراير 2011 أرسل قائد فرع دير الزور في المخابرات العسكرية اللواء (جامع جامع) تعليمات لجميع من هم تحت إدارته لكي “يحضروا الكاميرات…لتصوير المشاركين والمحرضين من أجل تحديد هوياتهم وتحميلهم المسؤولية في المستقبل” (لاحقاً استعاد محققو لجنة العدالة
الوثيقة الخاصة بهذا الأمر، بالإضافة الى وثائق أخرى متعلقة بأوامر لها صلة بحملة القمع، من مقر المخابرات الحربية في دير الزور بعد أن تم هجره).
يوم 4 فبراير وقع رئيس مكتب الأمن الوطني في دمشق على أوامر “بالتحقيق، والبحث، ثم القبض” على كل من كتب “يسقط بشار” على أنبوب للمياه قطره 25 سنتمتر ويقع على امتداد جزء بعيد من الطريق السريع بالقرب من دير الزور. أمضى رئيس مكتب الأمن السياسي للمنطقة شهًرا كاملاً في التحقيق حول الواقعة ثم أجاب “لم يوجد لدينا أي معلومات عن الفاعلين”. وفي يوم 18 مارس جرت مباراة لكرة القدم في دير الزور بين فريق (الفتوة) المحلي ٬ وفريق (تشرين) من اللاذقية الذي يفضله الأسد. كان (حمادة) يعيش بالقرب من الاستاد وكان يستطيع سماع صوت الجمهور “وبدأت جماعات من الناس من بين الجماهير يهتفون من أجل الإصلاح وضد النظام” ويتذكر (حماده) أن فريق (الأسد) هو الفائز. وأغضبت هذه النتيجة الجمهور ولكن (حمادة) كان يضحك، اذ تصور أن نتيجة المباراة كانت محددة سلفاً. يقول: “ما أن أطلق الحكم صفارة إيقاف المباراة خرج الجميع إلى الشارع” وكان ذلك أول احتجاج له وزن في دير الزور. فقد تم إلغاء جميع مباريات كرة القدم لبقية الموسم. طوال معظم شهر مارس استمر مسؤولو الأمن الاستخباراتي في دير الزور بوصف الاضطرابات بكلمات مباشرة. ففي تلغراف إلى مرؤوسيه داخل المحافظة شرح اللواء جامع أن الاحتجاجات في سورية هي بتأثير من “بعض البلدان العربية التي انفجرت فيها ثورات شبابية تطالب بالتغيير وإرساء الديموقراطية والحريات وإجراء إصلاحات لتوفير فرص العمل للشباب وتحسين مستوى المعيشة ومكافحة الفساد”. ولكن بنهاية الشهر تبنى رؤساء الأجهزة الأمنية في دير الزور لغة المؤامرة التي كانت تصدر من دمشق، وبعد ساعات من إلقاء الأسد لخطابه التلفزيوني في مبنى البرلمان يوم 30 مارس وافق أعضاء لجنة الأمن بدير الزورعلى اعتبار الخطاب “مرجًعا وأساًسا لعملنا” وكانت أغلب مناقشاتها التالية يتخللها قلق من الخيانة والتحريض والاختراق الأجنبي و”المشروع الصهيوني الأمريكي”.
كان (حمادة) وأصدقاؤه متحمسين لإمكانية الثورة، وبدأوا كل يوم أربعاء في الاجتماع داخل مسجد الحي ٬ مسجد عثمان بن عفان ٬ لتنظيم احتجاجات تعقب صلاة الجمعة. قال لي “أنها مسالة لوجيستية. الجميع يذهبون إلى المسجد يوم الجمعة والجميع يخرجون منه” وأضاف “إن كنا نستطيع الخروج من الكنائس لكنا خرجنا من الكنائس”.
حسبما ورد في محضر اجتماع تم الاستيلاء عليه من لجنة الأمن بدير الزور إن أعضاءها قرروا أن يخترقوا السجون بموالين لحزب البعث “قمنا بتوزيع الرفاق على المساجد بمعدل من مائتي رفيق في المسجد الواحد والتعامل مع أية حالة تثير الفتنة”. قسمت اللجنة كل مجموعة إلى ثلاث فرق: واحدة داخله وواحدة للاستطلاع خارجه والثالثة مستعدة احتياطياًّ. ولكن في
الأسبوع التالي أبلغ محافظ دير الزور لجنة الأمن أن “معظم من تم توقيفهم لدى الأجهزة الأمنية هم رفاق بعثيون” ممن هجروا الحزب للانضمام للمحتجين.
كثيًرا ما كان (حمادة) يصور المحتجين وردود فعل أجهزة الأمن. كان النظام قد قام بقطع الإنترنت في حيه ٬ لذا فقد قام بتحميل الفيديوهات على يوتيوب في محل عمل أحد أقربائه ٬ بعضها وصل إلى إذاعات إخبارية عربية، ولمناهضة مثل هذه الأنشطة ٬ قال محافظ دير الزور للجنة الأمن: “يجب ترشيح عدد من الرفاق الخبراء في مجال الإنترنت للتعامل مع المواقع المعادية التي تبث سمومها داخل القطر مثل فيسبوك”. وبينما كانت لجنة الأمن تناقش أهمية إبداء البعض لضبط النفس ٬ كان العنف يتصاعد. قال (جامع) إن المحتجين تراودهم فكرة “إراقة الدماء تمهيًدا لطلب قوات أجنبية”. وهي نتيجة قال إنه يريد تفاديها بأي ثمن. في وقت مبكر من اليوم التالي أرسل برقية من سطر واحد لجميع أفرع الأمن الاستخباراتي في المقاطعة: “نطلب منكم إصدار تعليمات لعملائكم بالامتناع عن فتح النار عشوائياًّ وقتل الناس”.
في شهر أيار تدهور الأمن سريًعا في محافظة (دير الزور)، فقام رجال مسلحون بالعصي والبنادق والقنابل الحارقة بحرق قسمي شرطة وأربع سيارات شرطة وست دراجات بخارية خاصة بالشرطة. علم عملاء المخابرات أن شخصًا قد حاول تجنيد متطوعين لإبطال مفعول سيارة مفخخة خارج منزل جامع. حذر رئيس فرع الأمن السياسي في دير الزور “ستكون هناك موجة من الاغتيالات”.
استمر (حمادة) الذي كان قد تم احتجازه مرتين سابقاً٬ في تنظيم الاحتجاجات ٬ ولكنه صار يقضي الليل في بيوت آمنة مع غيره من الناشطين الآخرين،. وكان قد تم القاء القبض على أحد أشقائه ولم يطلق سراحه. في اجتماع مع لجنة الأمن حذر جامع من أن الاعتقالات قد تكون “سلاًحا ذا حدين” ٬ إذ إنها ستزيد من عدد الأشخاص الغاضبين المطالبين بإطلاق سراح أفراد من عائلاتهم. في نهاية أيار أرسل جامع عدة برقيات معبًرا عن غضبه من أن المحققين يصعقون المعتقلين بالكهرباء ويطفئون السجائر في أجسادهم ويقومون بضربهم “الضرب المبرح والمؤذي على كافة أنحاء الجسد بشكل مثير للاشمئزاز” والاعتداء عليهم جنسياًّ بإجبارهم على الجلوس على زجاجات المشروبات الغازية. قال إن سجنه سيقرر “عدم استلام أي موقوف تعرض للضرب في سجن رئاسة الفرع إلا بتقرير خطي عن وضعه الصحي والقائمين بضربه”.
غير أن تردد جامع تلاشى في صيف 2011. وحسبما قال شهود عيان ٬ يصف محتجزون في فرع المخابرات الحربية الخاص به ٬ انه كان يجري ضربهم بالقبضات والعصي حتى يفقدوا الوعي وتكسر عظامهم وتسقط أسنانهم وكانوا يحشرون في إطارات سيارات ويضربون حتى تدمى أقدامهم ويتعرضون لصدمات كهربائية بعد إلقاء المياه عليهم ويتم انتهاك أعضائهم الجنسية حتى يتبولوا الدماء ٬ وكانوا يجبرون على مشاهدة مساجين آخرين يضربون حتى الموت. قال العديدون إن جامع كان يشارك بنفسه في التحقيق.
اقرأ:
يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية.. الإمساك بالوثائق (9/4) يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية..المحققون (9/3) يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية..الانتفاضة (2/9)يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية (1/9)
Tags: سلايد