د. يحيى العريضي: (اللي بيقتل شعبو خاين) حتى في ظل (أوباما)

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

   ككثيرين حول العالم، وكأناس- لديهم قضية ومظلومية- استبشر السوريون بداية بقدوم رئيس أسود لأمريكا؛ “باراك حسين أوباما”، ولكن لكل امرء من اسمه نصيب. ظهر أن الرجل قد أخذ سياسياً من الصهيونية إسم /باراك أو بُراق/، ومن الفارسية إسم / حسين أو هُسين/، ومن الفأل السيء و”البومية”- نسبة إلى طائر البوم- إسم أوباما. امتزج الثلاثة، فساهموا المساهمة الأكبر بالنكبة السورية. خلال السبعة العجاف على سورية، وكأن “نتنياهو” و”خامنئي” في البيت الأبيض. كان أوباما صاحب عبارة *الحاجة لخمس عشرة سنة لمحاربة داعش*؛ وكان ذلك ضوءاً أخضر مفتوحاً لاستمرار التشويه للإسلام، واستمرار النزف السوري، وذريعة خبيثة لتخيير العالم وخاصة السوريين بين: “داعش” و”الأسد”؛ ومن هنا شاعت عبارة “غياب البديل” التي أتت على لسان “ماكرون” مؤخراً، والتي استحضرت فتح سيرة “أوباما” ثانية.

   لو لم يكن “أوباما” في البيت الأبيض لما فُسح في المجال لدخول “حزب الله” إلى سورية؛ ولو لم يكن نتنياهو- الذي كان بسبب أو بدونه، يصوّر “حزب الله عدوا ويضرب له شحنة من وقت لآخر للإبقاء على تمثيلية العداوة- لما استباحت ميليشيات حزب الله سورية بهذه الطريقة. ولو لم يكن الاثنان “نتنياهو خامنئي” في البيت الأبيض، لما تم الاتفاق النووي الذي ترك الحبل على الغارب لإيران لتعبث بمحيطها.

   وفي الحديث عن ترك الحبل على الغارب؛ لما كان لبوتين (مع تغيّر إيقاع السياسة الأمريكية بإدارتها الجديدة)- المحتل لسورية وليس فقط المتدخل بشؤونها- أن يشكو من التدخل الخارجي في سورية؛ وكأن التدخل حق حصري له ولإيران وميليشياتها حسب المشيئة الأوبامية – الإسرائيلية الأساسية في ترك الحبل على الغارب. وهل كان لبوتين ذاته فرصة للتدخل، لولا التنسيق مع إسرائيل التي تجري الحالة الحربية على حدودها؟!

   مَن غيرُ أوباما شكّل المقدمات اللازمة- بحكم الرخاوة المستأصلة أو المتعمدة- وهيأ لبوتين حالة رفض القطبية الواحدة واعتقاده بأن روسيا قوة عظمى، وأن الغرب وراء انهيار الإمبراطورية السوفيتية بحيث يندفع بهلوانياً في مجازفاته وعلى رأسها غزو سورية؟!

   كثيرة هي المرات، خلال سني “أوباما”، التي جرت بها المطالبة بـ”مناطق آمنة” في سورية؛ ولكنه سعى للحيلولة دون تحققها. لقد كان أحد أسباب جفاء إدارة أوباما مع تركيا حديث الأخيرة عن مناطق آمنة؛ حيث ساقت تلك الإدارة ما هب ودب من أسباب لمنعها، لأن منظومة الإجرام في دمشق لا تريدها. وها نحن نراها اليوم الشغل الشاغل في القضية السورية؛ ولكن بصيغة خبيثة ملغومة مجتزأة إسمها “مناطق خفض التوتر” ’De-escalation Areas’

   إن جردة بسيطة للفعل الأمريكي والروسي في سورية لا بد وأن تخلص إلى أن الجانبين ما سعيا يوماً إلى حل في سورية بل لتأزيم الأمور أكثر مستفيدين من ملالي يسعون لاستعاد إمبراطورية فارسية بائدة، ومن نظام حكم استبدادي قتل شعبه ليبقى على كرسي الدم بأي شكل.

   لعب الملالي ولا يزالون على إحداث صدام روسي – أمريكي في سورية؛ ووضعوا الروس في حالة إرباك متصرفين وكان روسيا غير موجودة لحماية ميليشياتهم. ذلك جَعَلَ الروس مؤخراً في حالة توتر مع الأمريكيين؛ ودفعهم إلى الضغط على النظام في الجنوب، لأنهم يعرفون أن مَن يشعل النار في الجنوب ليس “الجيش العربي السوري”، بل ميليشيات إيران.

   من هنا كان على إدارة ترامب أن تغيّر قواعد اللعبة، فأتت المعاكَسة لسياسة أوباما. وهنا أيضاً يسأل المرء: ماذا عن “الانتظامية” /consistency/ في السياسة الأمريكية بغض النظر عن الأشخاص والإدارات؟ والجواب: إن الزرع السابق لإدارة أوباما في الرخاوة هو الذي خلق حالة التخبط  و يلا يزال يساهم باختلاط “الآني” بـ “الاستراتيجي” ويزيد التباعد بين الشعارات والتعامل مع المعطيات بشكل مبدئي استراتيجي، ما يفسّر اسقاط طائرة روسية تابعة لنظام دمشق وأخرى استطلاع وضرب تجمعات ميليشيا وقبلها الصواريخ  على مطار “الشعيرات”

   في مواجهة كل ذلك عاد الملالي إلى عبارتهم السحرية التي حكموا الإيرانيين بموجبها أكثر من ثلاثة عقود وتمددوا وعبثوا بالإقليم وهي وصفهم أمريكا بـ ” الشيطان الأكبر” منصّبين من أنفسهم خصماً لأمريكا. من هنا تأتي حركشتهم الأخيرة في وجه أمريكا في التنف ودرعا وحول عاصمة داعش. ومن هنا رموا نصف دزينة من صواريخهم باتجاه دير الزور السورية. ومن هنا تصوروا بأنه بإمكانهم  القفز فوق جرائمهم في محيطهم، وفوق سفكهم الدماء السورية خاصة ما يعطيهم “مبرر تدخل” ومزايدة على دول الإقليم العربي ويظهرها بمظهر المتخاذل أو حتى المتآمر على القضية السورية. وعلى الصعيد الأكبر يخربون أي تفاهم روسي- أمريكي بعيد عنهم. وبذا يستمرون بالعيش على التوترات والأزمات والاستفادة القصوى من الفرص بأقل الأثمان؛ حيث أنه بالنسبة لهم: “دمار الآخر فرصة للبقاء “

   رغم عدم تبلور الأستراتيجية الأمريكية الخارجية الخاصة بسورية لإدارة ترامب إلا ان ما زرعه أوباما يجري رفسه رغماً عن “الانتظامية” /consistency التي تميّز السياسة الأمريكية تقليدياً. بوتين سيكون في حجمه الطبيعي يجتر مرارة ملفاته الثقيلة، والملالي في جحورهم ينسجون خبثهم أقفاصاً لعبثهم، ونتنياهو حان تغييره حيث اكتفى المحفل ربما من مساهماته، ومنظومة الأسد “عدوة الشعب السوري لا الفرنسي” لا يمكن أن تكون “شرعية” كما تفصحن “ماكرون”؛ لأن المنطق الذي لا بد أن يقتنع به هذا الشاب يوماً هو ان “من هو عدو لشعبه لا يمكن أن يكون شرعياً”. “مسيو ماكرون”؛ نفيدك بأن الفنان سميح شقير قالها يوماً: {إللي بيقتل شعبو خاين} حتى في ظل اوباما، او تصريحك الصبياني السمج.

 





Tags: سلايد