on
د. محمد حبش: ثقافة البرمودا…
د. محمد حبش: كلنا شركاء
سأستعير هذا المصطلح كتسمية توضيحية لواحدة من أعمق مشاكلنا وكوارثنا في الوعي بالآخر، ثقافة البرمودا ثقافة الخوف من المجهول، والشر المتلطي، وهو ما بات يعرف برعاب المسلم من العالم ورعاب العالم من الإسلام، أو الإسلاموفوبيا والغربوفوبيا.
مثلث برمودا اسم لإقليم بحري يمتد بين ثلاثة مواقع رئيسية شرق الولايات المتحدة بين جزيرة برمودا وبورتوريكو وميناء ميامي.
بدأت أسطورة الغموض والأسرار حول هذا المثلث عام 1945 عندما اختفت خمس مقاتلات حربية أمريكية في ظروف غامضة…..
كتبت مقالات كثيرة في سر اختفاء الطائرات الخمس، ولكن التحليلات تحولت بعد فترة إلى كابوس مرعب يرتبط باسم برمودا المنحوس، وظهرت بشكل متسارع ألوف المقالات التي تتحدث عن أرواح ووحوش وعجائب وكائنات فضائية مهولة تعيش في المثلث الرهيب وتأكل السفن والطائرات، وصار برمودا هو الثقب الأسود للطائرات والسفن التائهة، يخطفها إلى المجهول، واخترعت تالياً مئات الحوادث والمشاهدات عن الأهوال المرعبة التي تملأ هذا البرمودا اللعين، ومعظم هذه المقالات كتبها محللون غربيون، ومن قال إن الخرافة فضيلة شرقية؟ إن الغرب مسكون بالأساطير والخرافات أيضاً، ولا تزال معظم مصاعد الأبراج في نيويورك ليس فيها رقم 13 وفي شوارع مانهاتن المرقمة الى 46 لا يوجد شارع 13 حيث هو الرقم المنحوس.
العجيب أن منطقة برمودا تحتوي على نحو اثني عشر مطاراً مدنياً يقلع منها يومياً نحو 350 طائرة بامان وسلام، ومطار ميامي وحده الذي يعمل بانتظام منذ عام 1928 وحصل عام 2009 على مركز أزحم مطار في الولايات المتحدة حيث نقل 33 مليون راكب مروا جميعاً فوق مثلث برمودا ولم ينخمش منهم أحد!!!!
ولا يختلف الحال في الموانئ العملاقة شرق فلوريدا ويست بالم وفورث بيرس وكوكاو التي تحقق ملايين المناولات وتنقل ملايين الأطنان كل عام.
ولكن الأسطورة هي الأسطورة ورغم كل ما يكشفه الواقع بالصورة والأرقام فإن خرافة برمودا لا تزال تتنامى في عقول كثيرة كشجرة المجنونة وتضيف كل يوم أخباراً ومشاهدات من العجائب في المثلث المنكوب، وسيعقب علي كثير من القراء بأن لديهم معلومات جديدة عن برمودا وسر الأتلانتس الغامض المسكون بالأهوال في أعماقه.
يحتاج الإنسان إلى لحظة من عقل حتى يتمكن من مراجعة ما تعلم والاقتراب بثقة نحو شاطئ الحقيقة ونفض ما علق به من أوهام ليدرك ان الأسطورة وإن كانت تملك أشرعة عالية ولكنها لا تصمد أمام رياح البرهان.
بات هذا الشرق والغرب يتبادلان ثقافة البرمودا بقدر غير قليل، ناشئ عن الجهل بالآخر، ومن جهل شيئاً عاداه، ففي ثقافة التلقين الديني باتت قناعة طلبتنا الذين يقرؤون العقيدة الطحاوية والواسطية وجوهرة التوحيد أن العالم كله برمودا، وأن أي حيد عن حدود ما تعلمناه في العقيدة الصحيحة هو سقوط مريع في الشرك والكفر والتوحش، وباختصار فإن طالب العلم الشرعي بات مقتنعاً تماماً بأن في هذا العالم طائفة واحدة ناجية هي نحن بالطبع، وأن الآخرين هم قطعاً مجانين عباد حجر وبقر وصليب أو ملاحدة لا يدينون بدين ولا ينفع معهم إلا نار جهنم وبئس المصير.
ولكن المصارحة بما نعانيه من مشاكل قاسية لا يعني أبداً أن الطرف الآخر مستعد للإنصاف والوعي، فهناك اليوم أيضاً ملايين من الغربيين وتمثلهم حكومات عنصرية معروفة، وقادة نازيون هائجون لا يرون في العالم الإسلامي إلا برمودا متوحشة، وأن المسلم المعتدل خرافة، لأن الكراهية في صلب عقيدته، وأن كل مسلم مستعد لابتلاع كل من يقترب منه وأنه مستعد للانقضاض على المجتمع من حوله حين تلوح له الفرصة انتحارياً صارخاً أو حامل سكين او حتى سائق شاحنة!!
لا يمكن الخلاص من هذا الواقع الأسود من سوء الريب إلا بنشر الوعي، ورفع أسباب التربص والخوف من الآخر، وشرح غوامض الاعتقاد المرعب بما يتسق مع القيم الإنسانية ومبادئها السامية، وقناعتي أن الإيمان في العمق فكرة رائعة لبناء الإخاء، فالإنسان أخو الإنسان، والإنسان في النهاية أثر الله وروحه وطيفه ولونه وصورته وفطرته ومشروعه في الأرض، وهذه كلها حقائق ثابتة في كل دين، وهي تكفي لبناء قدر كبير من الثقة والمحبة بين الناس، قبل أن يتسلط الكهنوت على الناس ويلقي عليهم قيود التمييز والتفاصل، ويقسم الناس إلى مؤمنين ناجين وكافرين هالكين، ويحشر الآخر في مثلث الرعب الأسود، ويرسم عليه ظلال برمودا متوحشة لا ينفع معها إلا الهرب والبغض في الله.
وفق منصة الإيمان فإن جوهر التوحيد أن الآخر مهما كان دينه ولونه ومذهبه هو أثر من الله، ولا يوجد خالق للمتقين وخالق للكافرين، والإله الواحد هو من يطلع شمسه على الأبرار والأشرار، وهو من يرزق الحمامة والأفعى، ولا رزق إلا رزقه ولا خير إلا خيره.
ووفق منصة الإنسان فإن البشر لا ذنب لهم فيما يعتقدون…. إنها مواليدهم وأوطانهم وآباؤهم، وبناء عليها ترسم لهم منازلهم في الاعتقاد، ويبلغ عدد الذين يتحولون عن أديان آبائهم في العالم أقل من 0.001 بالمائة أي واحد من كل مائة ألف من الناس، وهو ما ينطق به أي سجل ديمغرافي موضوعي في العالم، والناس لا تتحول عن أديانها بشطارة المبشرين، وإنما يتم التحول في سياق منعطفات تاريخية كبرى، وحروب طاحنة لم يعد مسموحاً أن تكون هدفاً ولا مشروعاً لأي برنامج سياسي أو عسكري في الأرض، حيث التفوق الحضاري اليوم بات إنسانياً يؤمن بقيم المساواة وحرية التعبير والتدين وليس في وارد الحضارة فرض أديان محددة على الناس.
الكهنة وليس الله هم الذين يفرضون الحواجز بين الله وبين الإنسان، ويخدمون به من حيث يريدون أو لا يريدون مكر السياسة، ويرسمون الفوارق بين الإنسان والإنسان، وهؤلاء هم الذين قصدهم إقبال في صرخة الرب الشهيرة التي نادى بها الملائكة:
قوموا إلى وطني الجريح وأطلقوا فقراءه فيها على الأمراء
أيبدلون مساجدي بقصورهم جوراً على خلقي وهم أجرائي
لم هذه الحجب التي تلهو بهم وتحول بين الخلق والخلاق
لا تتركوا في الأرض ستراً مسبلاً ألقاه كاهنهم على أرزاقي
ومن الكنائس أخرجوا أربابها الغارقين بلجة الأوهام
لله قد شسرع السحود وما سوى هذا مؤامرة مع الأصنام
جوسوا الكنائس والمساجد لا أرى لكنيسة ولمسجد مصباحاً
أنا غير راض عن رخام أبيض تلقى به سود القلوب مراحا
وابنوا من الطين المعابد عل أن يجد السكينة عبدي المسكين
يتنافسون بنقشها وبرقشها والطين لا يهديه إلا الطين
Tags: سلايد