العميد الركن أحمد رحال: أستانا … خرق الشمال وأشعل الجنوب

العميد الركن أحمد رحال:  كلنا شركاء

مالم يستطع فعله الإحتلال الروسي عبر حربه ضد الشعب السوري وثورته, نجح به عبر ما يسمى اجتماع “أستانا”, فخلال خمس جولات من التفاوض والمماحكات والاجتماعات الخلبية والتي تضمنت نتائج مقررة بشكل مسبق, نجح “الكسندر لافرنتييف” بخرق الحراك المسلح المتعب والمفرق أصلاً واستطاع فصل الجبهات والوصول إلى شتات من القادة ينصاعون لأوامر الداعم الإقليمي أو الدولي أو ينطلقون من دوافع شخصية غايتها البحث عن مكان ولو كان على قمة هرم الخازوق.

اجتماع “أستانا” الذي انطلق بمبادرة روسية- تركية ثم انضمت إليهم إيران عبر اجتماع لا يحوي أي مظلة دولية أو أممية, أراد الراعي الروسي جعله بديلاً لمؤتمر “جنيف” الأممي رغم التصريحات الأمريكية والأوروبية الرافضة والتي اعتبرته منصة مساعدة وليس أساسياً ولا بديلاً خصوصاً بعد تعدي (بعض) رعاة “أستانا” وحرفه عن الأهداف التي انطلق من أجلها هذا الاجتماع والتي تنحصر بوقف إطلاق النار مع آليات التنفيذ والرقابة والعقاب إضافة للملف الإنساني المتعلق بإطلاق سراح المعتقلين بسجون وزنازين الأسد وفك الحصار عن البلدات السورية التي تحاصرها ميليشيات إيران والأسد وفتح الطرق الإغاثية لوصول المساعدات الأممية إلى مستحقيها.

لقد فشل اجتماع “أستانا” بكل المقاييس سواءاً كانت الزمانية والمكانية والقانونية, فوقف إطلاق النار المعلن نهاية العام 2016 لم يتحقق منه شيء بل زادت معه اشتعال الجبهات وزادت التوغلات مع إصرار إيراني واضح برفض كل مستحقات وقف إطلاق النار, وزادت عليه إيران بمتابعة سياسة التغيير الديموغرافي والتهجير القسري, فخلال اجتماعات “أستانا” هٌجر كل أهالي وادي بردى والمعضمية وكل من هرب للحرجلة إضافة لمضايا والزبداني وقدسيا والتل وما تبقى من أهالي حمص الأصليين عبر طرد سكان حي الوعر مع الدفع بكل هؤلاء إلى أرياف حلب ومحافظة إدلب التي يُنتظر إعلانها “قندهار” أفغانستان, أو “غروزني” الشيشان, وجميعنا يٌدرك ما حل بتلك المدن على يد الأمريكان وعصابات موسكو.

أما في ملف المعتقلين والمغيبيبن وملف الإغاثة وفح الممرات فقد نامت تلك الملفات كنوم أهل الكهف دون أمل بعودة فتحها أو التطرق إليها بغياب أي ضغط عسكري أو سياسي دولي يمكن أن يمارس على طهران أو موسكو, وبظل إرادة مسبقة من تلك العواصم بإبقاء تلك الملفات مغيبة ووسيلة للضغط على قادة الفصائل التي ارتضت الذهاب والحضور في تلك الاجتماعات العبثية اللامجدية واللا متأمل منها بأي نواتج يمكن أن تخفف من معاناة السوريين أو تفك الحصار عنهم.

في ظروف أقرب ما تكون إلى الهزيمة ارتضى الذاهبون إلى “أستانا5” الحضور والاستجابة للضغوط الإقليمية التي مورست عليهم رغم أن الجولات السابقة عرت كل المواقف الروسية والإيرانية وأثبتت وبما لا يدع مجالاً للشك أن المشاركة أصبحت نوع من الموافقة على أجندة تلك الدول الباحثة بشكل رئيسي عن مصالحها في سورية كهدف أولي وبالحفاظ على نظام الأسد كهدف ثانوي إنما لا يمكن الفصل بينهما على اعتبار أن بقاء الأسد هو الضمان الأوحد لمصالح تلك الدول.

تركيا تشذ عن تلك المواقف باعتبار أن ضمانتها بمصالحها تكمن بنجاح الثورة والتخلص من الأسد, لكن الظروف الإقليمية والدولية طبقت عليها مقولة “تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”, فوجدت تركيا نفسها وحيدة تغرد خارج السرب الغربي مع بعض الدعم من الدول العربية التي تشاركها الضعف بعدم قدرتها على تحقيق تطلعاتها وخصوصاً في مساندة الشعب السوري بالتخلص من نظام تدعمه روسية وإيران.

روسيا تشق صف الجهات:

عندما حاصر الروس وميليشيات إيران وعصابات الأسد مدينة حلب وطٌلب من كل قادة الفصائل الذهاب إلى “أستانا” اعترضت فصائل حلب ورفضت الذهاب وفقاً للجرائم التي تٌرتكب في حلب وبحق أهل حلب فتضامنت معها جبهة الجنوب ورفض الجميع الذهاب رغم الضغوط التي مٌورست عليهم حينها وسجل الجميع موقفاً وطنياً حظي باحترام الداخل قبل الخارج.

اليوم مع انطلاق ما يٌسمى اجتماع “أستانا5” تكررت المأساة بشكل معكوس, فجبهة درعا تتعرض لحملة عسكرية شرسة من قبل الطغاة عبر هجوم جوي وأرضي غير مسبوق غايته الوصول للحدود الأردنية وإعادة سيطرة ميليشيات “الأسد” على المعابر “معبر الجمارك القديم” وفصل أرياف درعا الشرقية عن الغربية وتقطيع أوصالها, فرفض قادة الجنوب الحضور إلى العاصمة الكازاخية وطلبوا المؤازرة من الشمال لكنهم خذلوهم تحت اعتبارات وذرائع لا ترقى لمستوى الهم الوطني والواقع المرير الذي تعيشه الجبهات السورية, ولتعويض غياب الجنوب قامت روسيا باستدعاء أشخاص محسوبين على الجبهة الجنوبية “ورضوا بتلك المهمة”  كحركة التفافية على غياب القادة الأصليين للجنوب, أما على الأرض فقد صب الطيران الروسي والأسدي والحوامات وكل المدفعية وراجمات الصواريخ جام غضبها على قرى وبلدات درعا وأحيائها المحررة كنوع من العقاب بعد رفضهم المشاركة بأستانا.

الواقع المتشرذم الذي تعاني منه جبهات القتال المتعددة في سورية وغياب القيادة العسكرية الاحترافية والمهنية بعد إبعاد ضباط الجيش الحر لما خلف الحدود, زاد عليه اختلاف البديل المتواجد على رأس الفصائل العاملة بالداخل, وانقسام القادة “معظمهم خلبيين” ما بين شمال مشارك وجنوبي رافض ووسط خجول وساحل ضائع وجبهة دمشقية تمزقها الخلافات أصلاً لكنها اتفقت على عدم الذهاب.

الذاهبون إلى استانا يٌدركون أنهم أصبحوا يتحدثون بصفتهم الشخصية وليست التمثيلية التي فقدها معظم هؤلاء, وهم لا يملكون سلطة التوقيع أو سلطة اتخاذ القرار بعيداً عن الشعارات الخنفشارية التي يٌطلقها هؤلاء على منابر الإعلام وبرامج الفضائيات, فرئيس أركان الجيش الحر المعظم (المشارك كرئيساً للوفد) جميعنا يدرك أن لا يستطيع تحريك كتيبة واحدة في الداخل, وغير قادر على تأمين طلقة للمقاتلين أو سلة غذائية لذويهم أو علبة دواء لجرحى جبهات القتال, ومعظم من حضر أستانا5 على تلك الشاكلة, وحتى رعاة “أستانا” يٌدركون هذا الواقع لكن مصلحتهم تكمن بالمتابعة والاستمرار بقبولهم أن يجعلوا من هؤلاء مطية أو جسر عبور لأجندات أو صنع مظلة للبعض للوصول لأهدافهم إن كان عبر تعويم الأسد مرة أخرى أو عبر تقسيم سورية بنهاية المطاف, لكن بالتأكيد نحن لا نقول أن القادة المشاركون يريدون الأسد أو التقسيم لكن تكفي مشاركتهم لإعطاء الشرعية لبعض رعاة “أستانا” لتحقيق أهدافهم المشبوهة.

اجتماع أستانا5 مع نهاية يومه الثاني أعلن الفشل وأعترف بذلك علانية عبر عدم قدرة المجتمعين على التوافق على أي بند من جدول الأعمال المطروح, ويبدو أن الشوكة التركية كانت أقسى مما تصوره الجانب الروسي والإيراني فضاعت معها أحلامهم بالوصول إلى خرائط ترسخ نفوذهم وحصولهم على معظم الكعكة السورية.

إن فشلت إيران وروسيا بتمرير مخططاتها فهو أمر متوقع ولهم البديل بإعادة الكرة عبر وسائل أخرى قد يكون التصعيد العسكري وإشعال الجبهات وزيادة جرعة الموت عبر القصف الجوي وتعداد البراميل أهم ملامحه القادمة.

وإن نجحت تركيا بوقف التغول الروسي والإيراني فلها أيضاً ما تملكه لترسيخ رؤيتها إن كان عبر قوتها العسكرية التي تتحرك بالشمال وتنتظر لحظة الانطلاق أو عبر جهود دبلوماسيتها النشطة.

لكن يبقى السؤال:

هؤلاء القادة الذين شاركوا بأستانا ما هي مبرراتهم؟؟

وكيف سيواجهون حاضنتهم الشعبية أو مقاتليهم؟؟

وما هو البديل لديهم؟؟

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري وإستراتيجي





Tags: سلايد