أحمد خطاب: الخامس من حزيران، خمسون عاماً على حربِ لم تقع.. تأملات عابره في هزيمة مستمره

احمد خطاب: كلنا شركاء

هل نحن في الخامس من حزيران من عام 2017، أم لا نزال في الخامس منه من عام 1967 !؟ سؤال جدي وليس إفتراضي ، فالمتأمل في المشهد السوري بحثاً عن تغيير ما جوهري طوال هذه الفتره يرتد إليه بصره خاسئاً وهو حسير!!!

كل شي متجمد متوقف :

الزمان نفس الزمن…. زمن الهزائم … المكان نفس المكان سوريا،  الوجوه الهزائميه نفس الوجوه وهي ما تزال تتصدر المشهد في سوريا وبلاد الشام وأجيال متعاقبه ما تزال تدفع ضريبة الهزيمه مزيداً من الخيبات والهزائم. 

٥ حزيران هذا الماضي لم يمض… انه مستمر فينا باشكال متعددة، وما زلنا نقطف ثماره المرّه حتى اليوم.

مازال الجولان والقدس والضفه (وبدل سيناء مصر كلها) أسيرة بيد العدو منذ ذلك اليوم المشؤوم .

أبعد من ذلك: كل شيء مايزال مغلقاً ، رمادياً دون اي شفافيه : أنت هنا في مملكة الصمت والخوف كما قال أحد رجالات سوريا الوطنيين وأزيد كذلك أنت في مملكة اللبس والإبهام كل شي ملتبس مطلسم تكتنفه الالغاز والأسرار، كل شي يجري هنا كما لو أنك في محفل ماسوني.

وأبعد أبعد من ذلك : كل شيء يجري بالمقلوب، غياب شي مطلق للمنطق الشكلي أو الجدلي كأنك في مسرح اللامعقول أو العبث.

لا منطق هنا يحكم حركة التاريخ ولا نقاط استناد أو نقاط علام.

هنا بطل الهزيمه يتحول بقدرة قادر إلى بطل قومي: في السابعه والستين سقطت أمةٌ برمتها في قاع الهاويه ، بإستثناء شخص واحد كان وزير دفاع ترفع فأصبح رئيس جمهوريه !!؟ 

وبطل الهزيمه ذاك ربى أبطالاً آخرين بزّوه بالتدمير والتخريب . تلاميذ بزوا أستاذهم تماماً فأنتجوا هزائم أخرى أشد وأدهى ليس أقلها وضع سوريا الكارثي الحالي.

ذلك البطل المهزوم هو الأب البيولوجي والموضوعي لنظام الهزيمه الحالي المسلط على رقاب الشعب السوري.

هل يصدق أحد في هذا العالم أن حكومتنا العتيده في ذلك الزمن لم تسمح بعقد ندوه واحده في الصحافه أو الاذاعه والتلفزيون أو في الجامعات والمراكز الثقافيه ، ندوة واحده لمناقشة أسباب الهزيمه !؟ لا ندوه واحده ولا كتاب واحد بإستثناء كتاب يتييم (سقوط الجولان) لأحد الضباط السوريين كشف فيه عن إهمال يرقى إلى مستوى الخيانه فكان رد السلطات السوريه آنذاك أن قامت بخطفه من لبنان وإيداعه السجن، ولا أحد يعلم مصيره بالضبط حتى الآن.

وثالثة الاثافي حين يعلم الناس السبب وراء كل هذا المنع لاي نقاش وطني داخل سوريا حول أسباب الهزيمه وسبل تفادي هزائم لاحقه في المستقبل.

 شدوا الأحزمه، سوف نحلق بكم عالياً:!

السبب حسب رأي الرفاق الحاكميين آنذاك أنه وبكل بساطه لم تحدث هزيمه على الجانب السوري. 

ولكي يشرح الرفاق “الراسخون في العلم”  للمواطنين البسطاء ذوي الوعي المحدود القضيه، صاغوا لهم الأمر على شكل معادلةٍ بسيطه حسب منطق آرسطو المعروف:

مقدمه كبرى: كان هدف الإمبرياليه والصهيونيه من حرب ال67 إسقاط النظام التقدمي في دمشق.

مقدمه صغرى: انتهت الحرب ولم يسقط النظام ، بقي صامداً في دمشق.

النتيجة إذن هزمت الإمبرياليه و الصهيونيه وإنتصرنا نحن في حرب حزيران.

هل فهمتم ؟…  نحن من انتصر في حرب حزيران وليس إسرائيل .

آيةٌ من آيات الإنكار تضاف آلى معجزات الرفاق المستمره حتى الآن . 

لكن رغم هذا المنطق الأعوج الأعرج أو بالأحرى اللامنطق،  ماحدث في حزيران 67 كان هزيمةً لسوريا وللعرب وهزيمةً مرّه، نكبه هي النكبه الحقيقيه في تاريخ العرب الحديث.

هزيمة ولدت بشكل مباشر وغير مباشر، هزائم متلاحقه…وصولاً إلى الحضيض الحالي :

١- خروج مصر من ساحة الفعل والتأثير العربي بعد كامب ديفيد.

٢- خروج سوريا عملياً كذلك بعد إتفاقية فك الإشتباك في الجولان مع إسرائيل عام 79 وتلك في الحقيقه لم تكن مجرد إتفاقيه فك إشتباك كما تم إخراجها بشكل مسرحي ، لقد كانت في الحقيقه كامب ديڤيد آخر، لكن بنسخةً سوريه معدله ومنقحه ، هدوء مقابر في الجولان كما الهدوء اللماثل في سيناء على مدى أربعين عاماً ونيف!!!؟

٣- سقوط بيروت أول عاصمه عربيه تحت أقدام الغزاة الإسرائيليين عام 82 بوجود عدة ألويه من الجيش السوري  تناهز الأربعين ألف جندي . وكان بطل الهزيمه في. بيروت له نفس ملامح بطل الهزيمه على الجبهه السوريه عام 67. 

٤- وأخيراً لا آخراً سقوط سوريا في الهاويه السحيقه الحاليه علَى نفس الوجوه الهزائمية .

قلنا في عنوان المقال خمسون عاماً على حرب لم تقع أمر يبدو غريباً ومتناقضاً لكنه الحقيقة والواقع على الأقل على الجبهة السورية : فالكل في سوريا والإقليم والعالم يعرف البلاغ الشهير رقم 66 حول سقوط القنيطرة عاصمة الجولان بيد الْعَدُو الإسرائيلي قبل سقوطها الفعلي ب48 ساعه، والانسحاب الكيفي للجيش السوري من الجبهة، وهرب أكثر أعضاء الحكومة من “الرفاق المناضلين” من العاصمة باتجاه حلب و…و… وكان المسؤول الرئيسي طبعاً  (الرئيسي وليس الوحيد) هو ماغيره وزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد .

عام 68 أي في العام التالي للحرب حضرت لقاءً بين صحفي بلجيكي شهير وأحد المسؤولين السورييين ودار بحضوري بينهما الحوار التالي: 

الصحفي: أعلنتم في بيان رسمي لكم صادر عن وزارة الإعلام أن عدد خسائركم في الحرب 128 قتيلاً أقل من مئه وخمسين نحن هنا أمام أحد احتمالين:

– إما أنكم لم تحاربوا ولم تحصل حرب حقيقيه على جبهة الجولان بمعنى آخر هربتم.

– وإما أن الجولان ، وكما فهمنا محصن بأرض عالية وعره وببلوكوسات من الفولاذ والحديد بحيث لا يسمح بسقوط عدد كبير من القتلى.

المسؤول السوري : نحن لم نقاتل !، قلت، نعوذ بالله، لقد قاتلنا قتال الأسود ولكن الجولان محصن جيداً وهذا ما يفسر عدم سقوط عدد كبير من القتلى والإصابات.

الصحفي فوراً : إذن كيف سقط بهذه السرعة وهذه السهولة !؟

هنا ارتبك المسؤول السوري وصار يتخبط ويوزع المسؤوليات على الأعداء المتربصين بالنظام التقدمي في دمشق، الإمبريالية والصهيونية والرجعية و… وحتى ملك الجان الأحمر.

كان مشهداً يثير الشفقة والاشمئزاز معاً !!!

أطلقوا عليها اسم نكسه من باب التخفيف والتمويه لكنها في الحقيقة نكبه بل النكبة الحقيقية في تاريخ العرب 

الحديث . وهي مستمرة حتى الآن بأشكال مختلفة بانعكاساتها ونتائجها القريبة والبعيدة ومازال كثير من أبطال تلك الهزيمة أو ممن هم من نسلهم البيولوجي أو الإيديولوجي يسرحون ويمرحون في بلاد الشام.

وتكفي نظرة تأمل في الصورة الحالية : 

عصر انحطاط جديد بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، ورجل مريض هو سوريا والعالم العربي متهالك تتسابق دول العالم لاقتسام ممتلكاته وثرواته الهائلة.

والسؤال الآن : هل وصلنا في سوريا والوطن العربي أخيراً إلى الحضيض…أملاً في إنطلاقة حيويةٍ جديده …أم لا تزال أمامنا أيضاً أعوامٌ عجافٌ، عصيبة!!!؟





Tags: محرر