on
فواز تللو: فتش عن السياسة لتجد الثورة … أو تضيعها
فواز تللو: كلنا شركاء
في السياسة تذهب الانتصارات العسكرية الكبيرة هباء وفيها يتعظم النصر العسكري الصغير ليعطي ثمارا أكبر منه بكثير، لذلك فهذا مقالٌ في السياسة لا في الأشخاص الذين يجري نقدهم بالسياسية فقط لا من منطلق شخصاني أو أي خلفية أخرى يحملونها.
فالسياسة هي ما أضاعته جنيف بكل نسخها ومتصدريها من معارضة سياسية فشلت سياسياً بينما كانت الثورة في أوج انتصارها العسكري عام 2013، تنتظر غطاءً سياسياً لسلاحها القليل وقيادةً سياسيةٍ لتنظيم سلاحها وتزودها ببعض السلاح لتطيح بالنظام بالضربة القاضية، والأهم أنها كانت تنتظر العمل على اعترافٍ سياسيٍ قانونيٍ عربي / إقليميٍ / دوليٍ بها كبديل عن النظام، لكن الائتلاف وقبله المجلس الوطني وبنفس الوجوه والأدوات والمقاربات و”الحرطقات” التي لا زالت تتكرر حتى اليوم، وبدلاً من استثمار لحظة القوة الكبيرة تلك عام 2013 لتحقيق نصر سياسي/عسكري إذا بالائتلاف يطرح المفاوضات دون أي رؤية سياسية إرضاءً للداعمين الدوليين والإقليمين، ليعترف ضمناً بالنظام كشريك في المستقبل وكحكومة “شرعية” مقابل “معارضة” مضيعاً كل الإنجازات العسكرية، لتستمر المهزلة السياسية لاحقاً في كل نسخ جنيف قبل بيان فيينا المشؤوم، وبعده مع قرار الأمم المتحدة 2254 الذي شرعن النظام عملياً كشريك في المستقبل واختصر الثورة في عملية انتخابية محسومة النتائج متجاهلاً كل مطالب الثورة في إزالة نظامٍ طائفي يحتل الأرض والدولة.
وغياب السياسة (وليس فشل الهدنة التي لا شك مسبقاً بفشلها) هو ما يجب انتقاد أستانة بكل نسخها من أجله لأن المعارضة العسكرية “الأمية سياسيا” ذهبت لأستانة بأوامر ومصالح إقليمية مضحية بالسياسة ظناً منها أنها ستكسب عسكريا هدنةً، فخسرت الاثنين معا في كل مرة ذهبت، ولابد من إنعاش الذاكرة بأن جولة أستانة الأولى ترافقت بهدنةٍ مزعومةٍ انتهت بسقوط حلب، أما في أستانة الثانية فقد سقط وادي بردى مترافقاً بوقف ، وها هو شمال دمشق يسقط عقب أستانة الثالثة، وكأن عاقلاً كان ينتظر نتيجة أخرى ليمارس دور “المندهش والمتفاجئ والغاضب وخائب الأمل” من سقوط الهدنة قبل أن تبدأ، ناهيك عن المخاطر السياسية الكثيرة للمضمون ومنها على سبيل المثال لا الحصر شرعنةٍ الدور الروسي السياسي والعسكري لحظة إمكانية انقلاب السياسة الأمريكية.
ولنتذكر أن مشكلة البعض تصريح صدر حول شمول شمال دمشق بالهدنة، فكانت مشكلة البعض فقط “وفرصتهم للنقد” أن هذا التصريح صدر عن شخصِ ينتمي لفصيل معين لا يحظى بالشعبية لدى البعض، بينما اختصر بعضٌ آخر السياسة في أستانة بحركات استعراضية أثناء المؤتمر، متناسياً أنه بمجرد الحضور تنازل سياسياً وبشكلٍ مجاني عن الكثير، تماما كما فعل الائتلاف ومن ثم هيئة التفاوض في جنيف الذين رأوها فرصةً للمزاودة على جماعة أستانة الذين تناسوا أن ما يمكن الحصول عليه عسكرياً من هدنة وإطلاق معتقلين في أستانة كان ممكناً كشرط مسبق قبل الاجتماع لا بعده.
وفتش عن غياب السياسة والتنافس في خلاف جماعة جنيف مع ضرتهم جماعة أستانة، ليصبح الحفاظ على مسار جنيف السيء هدفاً لتجنب مسار أستانة الأسوأ، وفتش عن السياسة السوريالية بمفارقةٍ تتمثل بأن رئيس وفد أستانة كان ولا زال عضواً في وفد جنيف وكان قبلها رئيساً لوفد جنيف، وأن عضو وفد أستانة كان ولا زال عضواً فيها لكنه بات في النسخة الأخيرة رئيساً لوفد جنيف.
ولنتذكر أن رئيس الاتلاف الجديد وقبل أقل من عامين (آب 2015) طرح مبادرة على المجتمع الدولي تحت مسمى هيئة الحكماء وذلك قبيل التدخل الروسي يوم كان النظام والإيرانيون ينهارون عسكرياً، عارضاً وضع البلاد تحت الوصاية الدولية واستعداده مع حكمائه “تحمل مسؤولية قيادة المرحلة الحساسة من تاريخ أمتنا” تحت إشراف الأمم المتحدة، وأن رئيس الائتلاف “ويا للصدفة” وقبل أسبوعين من انتخابات الائتلاف الأخيرة طرح مبادرةً “سياسية” تشرعن وتحافظ على النظام الأسدي ببنيته الأمنية والعسكرية الطائفية وتشرعن وتجعل من رأس النظام وحكومته وبرلمانه ودستوره أساساً للتغيير “المحسوب” الذي لا يعيد عملياً حقاً ولا يحاسب مجرماً ويحافظ على النظام ببنيته ومؤسساته العسكرية والأمنية (الطائفية)”الشرعية” والتي سينضم لها مقاتلو “المعارضة” أفراداً بعد تسوية أوضاعهم، وأن رئيس الائتلاف الجديد كان فاعلاً أساسياً في الصف الأول في كل تشكيلات المعارضة منذ بدأت الثورة والتي ينتقد الكثيرون فشلها، وأنه جزء من هيئة التفاوض التي قرر أن “يضارب” عليها سياسياً بمبادرته وبشكل أدق “بيانه الانتخابي” المطروح “للناخب” الإقليمي والدولي.
فتش عن السياسة لتعرف كيف ربح النظام الأسدي الطائفي في جنيف قبل بيان فيينا يوم كان يترنح عسكرياً، وكيف ربح عسكرياً في جنيف بعد بيان فيينا عندما تمت الشرعنة السياسية للتدخلين العسكريين الروسي والإيراني، وكيف ربح سياسياً في أستانة لينجو عسكرياً من السكين الأمريكي الجديد بعد ارتكابه جريمة الكيماوي في خان شيخون، وكيف كان نجاحه السياسي وبالتالي العسكري مع أسياده الإيراني والروسي معتمداً دائماً على الفشل السياسي ومن ثم التفريط بالإنجاز العسكري للطرف المقابل.
وفتش عن السياسية لتعرف كيف ربح حلفاء النظام الأسدي، المحتلون الإيراني والروسي، كيف ربحوا عسكرياً عندما شرعنوا وجودهم سياسياً عبر بيان فيينا الذي أنتج هيئة التفاوض والنسخ الأخيرة من جنيف، وكيف ربحوا سياسياً في أستانة الذي عرفهم كرعاة للسلام ليشرعن وجودهم واحتلالهم عسكرياً مستقبلاً لسوريا باعتبارهم ضامنين للسلام، وفتش عن العجز السياسي لتعرف مساهمة حلفاء الثورة في الكوارث السياسية وبالتالي العسكرية التي نتجت عن رعايتهم ومشاركتهم في جنيف ثم بيان فيينا ثم الأستانة، وفي خضوعهم للأمريكي وعدم تسليح المعارضة عسكرياً أو التعامل معها بدون أي رؤية سياسيةٍ، وفي استتباعهم للمعارضة السياسية بدل المساعدة على تنظيمها ودعمها سياسياً.
هناك مئات الحالات يمكن عرضها لا مساحة لها هنا، لكن لتجد الجواب الشافي في كل حالة فشل؛ فتش عن غياب أو تغييب السياسة والسياسيين الحقيقيين الذين يتمتعون بالمهنية والإخلاص والنزاهة والبوصلة الصحيحة، وفتش عن إسقاط السياسة من حسابات الكثير من المخلصين المنخرطين أو المؤيدين للثورة الذين يتخبطون في التفاصيل أو القشور أو التفكير الرغبوي والمشخصن، في سعي مخلصٍ منهم للخروج من الوضع الحالي، سعيٌ مخلصٌ لكن غير مجدٍ بسبب غياب بوصلة السياسة وقادة الرأي السياسيين بينما يراقب هؤلاء المخلصون بفزع تسرب الثورة من بين أيدهم.
السؤال الأهم يكمن دائماً في الأرباح أو الخسائر التي يحققها أي عمل سياسي لقطف ومضاعفة ثمار العمل العسكري أو لتخفيف خسائره … لذلك وفي حالة الثورة السورية، سواءً في مواجهة خصومها، أو في حصيلة تضحياتها وإنجازاتها، أو في صراعاتها الداخلية، وكما سبق وكتبت وأسميته منذ حوالي عامين بـ”موت السياسة”؛ عندما تغيب الرؤية والسياسية وأهلها الحقيقيون، ناهيك عن غياب الإخلاص، سينتج فشلٌ سياسيٌ كارثيٌ يفرط بنيةٍ حسنةٍ أو بخبثٍ لا فرق، يفرط بكل التضحيات غير المسبوقة، وعندها لا يمكن توقع المعجزات بنفس المدخلات من أشخاص وأدواتٍ ومقاربات، باستثناء معجزة واحدة نحمد عليها الله الذي لم يتخلى عن كل من ضحوا، معجزةٌ مع هذا الفشل السياسي تتمثل في أن الثورة لا زالت مستمرة.
فواز تللو / سياسي وباحث سوري
الرئيس التنفيذي لمركز آفاق مشرقية للدراسات الاستراتيجية
برلين – ألمانيا 08/05/2017