د. محمد عناد سليمان: تصحيح التَّقويم ضرورة…

د. محمد عناد سليمان: كلنا شركاء

كنتُ قد بيَّنتُ في مقالات عديدة الفرق بين التَّقويم «القمري» والتَّقويم «الشَّمسي»، وأنَّ العرب اليوم ومنذ قرون ليس عندهم أيَّة عملية تقويميَّة مرتبطة بـ«القمر» أو «الشَّمس»، ويعملون بـ«التَّأريخ الهجري»، وبين «التَّأريخ» وعملية «التَّقويم» أمدٌ بعيد.

 وقد قرأتُ مقالاً للسِّيد «نبيل الطَّرابيشي» على موقع «كلُّنا شركاء»، يردُّ فيه على مقال بعنوان: «الصِّيام في السُّويد» للدكتور كمال اللَّبواني، يحاول فيه أن يخالف الحقائق التَّاريخيَّة فضلاً عن إخفاء الحقائق العلميَّة، مع ما فيه من فهم مغلوط لما استدلَّ به من آيات قرآنيَّة، تجلَّى ذلك في أمور:

 الأوَّل: زعمَ الطَّرابيشي أنَّ ما ذكره الدَّكتور كمال من أنّ المسلمين الأوائل قد اعتمدوا «التَّقويم العربيّ»، والذي هو «تقويم هجين بين التَّقويم الشَّمسي والتَّقويم القمريّ»، هو ادِّعاء فقط، ولو كلَّف «الطَّرابيشي» نفسه عناء البحث؛ لأنَّه جعل نفسه «ناقدًا» لعلمَ أنَّ المؤرّخين قد بيِّنوا أنَّ العرب قبل الإسلام، وحتَّى وفاة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم وبعده بحقبٍ قد استخدموا «التَّقويم العبريّ»، واعتدُّوا به قبل بعثة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بمئتين وخمسين سنة.

 الثَّاني: أنَّ «الطَّرابيشي» جعل «الخبر» وهو ظنّي «الثُّبوت» حَكَمًا في فهم «القرآن الكريم»، وهذا الأمر هو ما أدَّى إلى «تحريف» الكثير من معاني القرآن الكريم، والأصل أن يكون القرآن الكريم حكَمًا على ما دوَنه وليس العكس، وظهر ذلك من جهتين في مقاله:

 الأولى: أنَّه زعم أنَّ «خطبة حجَّة الوداع» قد أنهى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضى «التَّقويم» التي كانت سائدة، وهنا يلزمه تبيين أمرين:

 الأوَّل: إذا سلَّمنا له بذلك، فالواجب عليه تحديد التَّقويم الذي اعتمده رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيامه في سنواته السَّبعة السَّابقة لحجَّة الوداع؟ لأنَّ حجَّة الوداع كانت في السَّنة «العاشرة» من الهجرة، و«رمضان» فيما يؤِّرخون قد فُرض في السَّنة الثَّانية من الهجرة!!

 الثَّاني: لماذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع «رجبًا» ونسبه إلى «مضر»؟ وهل هناك «رجب» آخر منسوب إلى غيرها؟ كـ«رجب ربيعة»؟ ولمَ كان لكلٍّ من القبيلتين «رجب» مختلف عن الآخر؟! على الرَّغم من أنَّهما يعيشان في زمنِ واحد؟ ولمَ اعتمدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم «رجب مضر»، دون «رجب ربيعة»؟!

 الثَّانية: أنَّ خطبة «حجَّة الوداع» بيَّنت حقيقة فلكيَّة تتمثَّل في «نقطة الصّفر» التي يلتقي فيها كلُّ من «الشِّمس»، و«القمر»، و«الأرض» والتي تحدث كلَّ اثنين وثلاثين عامًا كما أقرَّه علماء الفلك المعاصرون، ونصَّ عليه الخبر بقول: «إنَّ الزَّمان استدار كهيئته يوم خلق الله السَّموات والأرض». وهو ما يوصلنا إلى الأمر الثَّالث.

 الثَّالث: حيث جعل «الطَّرابيشي» قوله تعالى: ﴿إنَّ عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق الله السَّموات والأرض، منها أربعة حرم، ذلك الدِّين القيَّم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾. تأكيدًا لصحَّة «الخبر» في «حجَّة الوداع»، وأنَّ الأشهر «اثنا عشر شهرًا»، فلا يجوز للمسلمين أن يخالفوا أوامر القرآن، وتوجيه النَّبيّ صلى الله عليه وسلم.

 ولا شكَّ أنَّ هذه الدَّعوة مبنية على فهم خاطئ، كما بيَّنا في «الخبر»، وكذلك الأمر في الآية نفسها، لأنَّ المراد منها أيضًا حقيقة فلكيَّة ذكرها «المرزوقي» منذ عقود حين قال في تفسيرها: «وميزان السَّنة اثنا عشر شهرًا؛ لأنَّ القمر يجتمع مع الشَّمس في مدَّة هذه الأيَّام اثنتي عشرة مرَّة»، أي: أنّنا لو سألنا السَّؤال التَّالي:

 -تبدأ الشَّمس من نقطة «الاعتدال» في أوَّل برج «الحمل» دورتَها الفلكيَّة السَّنويَّة، وتحتاج مدَّة قدَّرها علماء الفلك بـ«365.2422» يومًا حتَّى تعودَ إلى نقطة البداية ذاتِها، فكم مرَّة نرى «القمر» فيها بدرًا، أو محاقًا؟

الجواب: نراه «12» مرَّة فقط، وهو المراد من الآية، وإضافة الشَّهر المقوِّم بناء على ذلك لا يجعل عدد التقائهما «13» مرَّة بحال، خلال الدَّورة الفلكيَّة الواحدة.

وفي هذه الدَّلات ما يفنّد بقيَّة ما ذكره «الطَّرابيشيّ» ولو بحث في «موسم» صيام النَّبيّ صلى الله عليه وسلم لعلمَ وهْم ما جاء به.

د. محمد عناد سليمان

3 / 6 / 2017م

 





Tags: محرر