on
العميد الركن أحمد رحال: صواريخ إيران تٌطيح بقواعد الاشتباك في سورية
العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء
المتابع للشأن السوري ولساحات ومستجدات القتال يمكن أن يلحظ متغيرات ثلاث بدأت تلوح في أفق التبدلات الجديدة:
المتغير الأول: أن الصراع بدأ يزداد بشراسة ومزاحمة حول مناطق إرث تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” مع ملامح قد تٌفضي لأفول نجم “داعش”, وبدء اشتداد الصراع بين القوى الإقليمية والدولية منذ الآن على مناطق النفوذ لمرحلة ما بعد “داعش”.
المتغير الثاني: أن القتال ببعض المناطق السورية انتقل من قتال بالإنابة إلى قتال بالأصالة, ويشمل هذا المتغير كلاً من قوات إيران وروسيا وأمريكا.
المتغير الثالث: بروز سياسة إيرانية جديدة عبر توجه جديد تبتعد فيه عن التوافقات الروسية_ الأمريكية وتهيئ لواقع جديد يٌغير من قواعد الاشتباك المعمول به داخل الأراضي السورية بين القوى الفاعلة.
التوجهات الإيرانية الجديدة التي قد تكون أزعجت “موسكو” قبل “واشنطن” لكنها كانت وراء كل ما حصل في البادية السورية وعلى مجنبتي الحدود العراقية_السورية, وتقف أيضاً وراء تحركات ميليشيات النظام جنوب الرقة والتي أدت لصدامين:
الصدام الأول: جرى بين ميليشيات إيران والطائرات الأمريكية في محيط “التنف” قرب “السبع بيار” و”حاجز ظاظا”, استدعى ولمرات ثلاث لتدخل طيران التحالف وقصف الأرتال الأسدية_الإيرانية وتدميرها, ومن ثم تم إسقاط طائرة مسيرة من دون طيار من نوع شاهد129 إيرانية الصنع.
الصدام الثاني: جرى بين ميليشيات الأسد وميليشيات قوات سورية الديموقراطية جنوب مدينة “الرقة” في منطقة الرصافة أدى لتدخل طائرات التحالف (طائرات ف15 أمريكية) وإسقاط طائرة أسدية من نوع سوخوي_22 كانت تقصف حلفاء واشنطن.
وقد تكون تركيا قد استفادت من تلك المتغيرات فدفعت صباح الثلاثاء الفائت بتعزيزات عسكرية لحلفائها العاملين بدرع الفرات قرب بلدة “مارع” وبتحضيرات لعملية قد تٌنهي وجود ميليشيات مسلم وحلفائه في “قسد” من كامل مناطق غرب الفرات.
إيران ومنذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 كانت أول المنغمسين بساحات القتال إلى جانب نظام “الأسد”, إن كان عبر أدواتها في المنطقة “حزب الله” و”ميليشيات عراقية” و”ميليشيات مرتزقة” أفغانية وباكستانية”, أو عبر قواتها المتنوعة عبر الحرس الثوري الإيراني “فيلق القدس” وأيضاً عبر قوات نظامية من الجيش الإيراني زجت بهم في ساحات القتال, وقد تم توثيق بعض وحدات الجيش النظامي الإيراني التي قام (خامنئي) بإرسالها إلى سورية خلال السنوات السابقة والتي يقودها الجنرال “قاسم سليماني” مع كل الميليشيات الشيعية الأخرى التي تقاتل على الأراضي السورية, وقطعات الجيش الإيراني هي: لواء مغاوير (65) نوهد، ولواء (388) ايران شهر، ولواء (45) شوشتر لقوات المغاوير، ولواء (258) مغاوير بزوهنده لمدينة شاهرود, وبمجموع قوات يصل إلى (60) ألف جندي (تتضمن الحرس الثوري ومنها فيلق القدس).
محاولات جس النبض التي مارستها طهران في محيط مركز “التنف” في البادية السورية دفعت إيران أثمانها بتدمير ثلاث أرتال عسكرية حركها “قاسم سليماني” عبر الأرياف الشرقية لدمشق وحمص وتدمر وتم قصفها من قبل الطيران الأمريكي العامل ضمن التحالف الدولي الذي حذر ميليشيات “الأسد” و”طهران” وكل حلفائهم خطر الإقتراب من مراكز عمل قواته على مثلث الحدود السورية_ العراقية_ الأردنية لمسافة تقل عن 55كم, وألقى طيران التحالف المناشير التي تحدد قواعد الاشتباك في تلك المنطقة وممرات الخروج, وهذا ما دفع بالميليشيات الإيرانية للتحرك على قوس من دائرة نصف قطرها 60كم ومركزها نقطة “التنف” للوصول للحدود العراقية تفادياً للاصطدام مع واشنطن مرحلياً.
إيران التي تعتبر الأراضي السورية من الأجزاء الهامة التي تحقق مشروعها الصفوي في المنطقة, وهي تتابع محاولاتها لفرض وقائع جديدة تعرقل بها جهود واشنطن المنشغلة بمعركة “الرقة”, وتتحرش بواشنطن عبر الدفع بميليشياتها تحت راية جيش “الأسد” باتجاه غرب الرقة وجنوبها بمحاولة أخيرة لفرض نفسها كشريك لواشنطن بالحرب على “الإرهاب” في مدينة “الرقة” وهو هدف تمني النفس به طهران, وبهدف آخر اقتصادي يهدف للسيطرة على حقول نفط “صفيح, الثورة, صفيان” المتواجدة في بادية الرقة, ولتحقيق هذا الهدف تقدمت ميليشيات “الأسد” لتسيطر على منطقة الرصافة وقرية جعيدية التي اصطدمت فيها بحلفاء واشنطن (ميليشيات “قسد”) ودارت اشتباكات بينهما دفعت بواشنطن للتدخل وإرسال طائرتين من نوع “هورنيت18 وإف15” اشتبكتا مع طائرتين للأسد كانتا تقومان بقصف ميليشيات “صالح مسلم” فأسقطت واحدة من نوع سوخوي22 في منطقة الرصافة وأجبرت الثانية على الهروب من سماء المنطقة.
التحرشات الإيرانية ومحاولات تغييرها لقواعد الإشتباك والعبث فيه لم تتوقف عند حدود تحرشات مركز “التنف” في البادية السورية, ولا عند التحرشات بميليشيات “قسد” في جنوب الرقة, بل تعداها الأمر في المرة الثالثة ليطال مدينة “دير الزور” التي تعرضت لقصف صاروخي تم من داخل الأراضي الإيرانية (قاعدة كرمشاه) عبر حركة تشبيحية خامنئية واضحة وضعت لها طهران عنواناً يندرج بالرد على التفجيرات التي طالت البرلمان الإيراني ومقام “الخميني”, بينما حقيقة تلك الضربة تكمن بأنها كانت تمثل رسائل سياسية تتم بأدوات عسكرية أرسلتها طهران لأكثر من جهة:
_ فالرشقة الصاروخية الإيرانية كانت رسالة لواشنطن أرادت القول أن القوات الأمريكية المتواجدة في سورية وعلى مقربة منها قد تكون أهدافاً لصواريخ إيرانية أخرى تطلق على نفس الشاكلة, وسبق وأن صدر بيان إيراني_أسدي يهدد مواقع الجنود الأمريكان في سورية, وقد بثت طهران فيديو لطائرة إيرانية مسيرة في سماء “التنف” تٌظهر مرافقتها لطائرة أمريكية ورصدها لقوات أرضية حليفة لواشنطن.
_ والرشقة الصاروخية الإيرانية كانت رسالة لدول الخليج وللمملكة العربية السعودية بالتحديد من أن الصواريخ الإيرانية التي استطاعت الوصول لأهدافها في “دير الزور” السورية قادرة بالتأكيد ان تطال كل الجغرافية السعودية وأخواتها في دول ومدن الخليج, (موقع استطلاع عسكري إسرائيلي أكد صاروخين إيرانيين فقط وصلا لدير الزور أما بقية الصواريخ فقد سقطت بالأراضي الإيرانية والعراقية)
_ والرشقة الصاروخية الإيرانية كانت رسالة لموسكو أيضاً ومفادها أنها لن تسمح بتمرير أي توافقات أمريكية_ روسية أو أية حلول لا تعبر عبر إرادة طهران وتراعي مصالحها, فأن صواريخها قادرة على العبث بالمنطقة وتخريب أي اتفاق إن كان عبر ميليشياتها المتواجدة على الأرض السورية أو عبر قواعد إطلاق صواريخها المتواجدة في العمق الإيراني.
تغيير قواعد الاشتباك على الأرض السورية الذي تعبث به إيران يهدف لترسيخ ودعم المشروع الإيراني الطامح لخلق وإيجاد كوريدور بري يصل طهران بالعاصمة بيروت عبر الأراضي العراقية إضافة لحماية نظام “الأسد”, بالإضافة لنقاط أخرى تتعلق بالخليج العربي والعواصم التي تود السيطرة عليها.
لكن على الضفة الأخرى هناك أيضاً مشاريع وتحركات غربية وعربية وإقليمية تعمل على عزل “طهران” وحلفائها وربما اقتلاعها جذورها من الأراضي السورية, والتحركات تشمل أيضاً ما يمس المصالح الروسية في سورية بل تهدد عصب الاقتصاد الروسي المتمثل بإمدادات الغاز للغرب.
فالتحركات الأمريكية التي تحاول طهران وموسكو كبحها في البادية السورية وشمال شرق البلاد وفي محيط محافظة الرقة واضح أنها تتحرك ميدانياً بوتيرة متسارعة وبصورة تصعب أحياناً على التحليل. لكن رائحة النفط هناك تُزكم الأنوف وتُوحي بارتباط كل التصعيد العسكري غير المسبوق بالذهب الأسود والغاز المسال المتواجد في المنطقة, وهناك معلومات نشرتها صحيفة “يني شفق” التركية ذات الصلة القوية بحزب “العدالة والتنمية” الحاكم، حيث نقلت تقريراً في غاية الخطورة يتحدث عن اجتماع سرّي عُقد في مدينة القامشلي في العاشر من الشهر الجاري وضم ضباط مخابرات أمريكيين وسعوديين إلى جانب مسؤولين في حزب “الاتحاد الديمقراطي الكردي”، ومندوب عن محمد دحلان القيادي الفلسطيني المُقرب من الإمارات، إلى جانب مندوبين عن تيار الغد السوري الذي يقوده أحمد الجربا, والاجتماع بحث بزيادة الدعم الخليجي (السعودي – الإماراتي بالتحديد) للأكراد وبرعاية أمريكية بهدف تنفيذ سيناريو عسكري يسمح بالسيطرة على كامل الجزيرة السورية والحدود السورية_ العراقية, ومن ثم مد خط أنابيب ينقل النفط والغاز السوري عبر البادية السورية جنوباً نحو الأردن ومن هناك إلى إسرائيل وربما لاحقاً إلى أوروبا. هذا السيناريو إن صح فهو ينال بشكل مباشر من مصالح الروس تحديداً الذين لطالما كانوا حريصين على عدم وصول النفط والغاز إلى أوروبا عبر مصادر أخرى غير المصدر الروسي.
العميد الركن أحمد رحال
محلل عسكري واستراتيجي
Tags: سلايد