on
Archived: معقل زهور عدي: الديمقراطية والثقافة الديمقراطية
معقل زهور عدي: كلنا شركاء
مقدمة :
بخلاف الاناء الفارغ , لايمكن ملؤ الاناء المملوء , احدى مشكلاتنا مع تقبل الديمقراطية اليوم نابعة من المعارضة التي تعترضها من الفكر التقليدي الذي ينظر للديمقراطية باعتبارها بضاعة غربية المنشأ , غريبة عن الدين والمعتقدات , فهي محل شكوك عميقة , اضافة لعدم الشعور بضرورتها , انها حلية المثقفين ( المتغربين العلمانيين ) , يتباهون بها , يقدمونها للناس لصرفهم عن فكرة ( الحاكمية ) التي هي الأصل في الاسلام .
هذه الممانعة الفكرية كانت وراء ازدراء فكرة الديمقراطية والزهد فيها , وعدم تمثلها, وبالتالي كان من السهل استبعادها , كما كان من السهل الانتكاس عنها بعد تطبيقها , كما حصل في سورية حين حدث الانقلاب العسكري الذي قاده حسني الزعيم على الحكومة الشرعية الديمقراطية برئاسة شكري القوتلي عام 1949 , وكما حصل بعد ذلك حين تمت التضحية بالديمقراطية من أجل الوحدة عام 1958 , وكما حصل حين عدل حزب البعث من مبادئه التي كانت تتضمن الفكرة الديمقراطية لصالح تبني فكرة الحزب الواحد القائد للمجتمع والدولة في مؤتمره السادس الذي عقد عام 1963.
الحوامل الاجتماعية للديمقراطية :
يمكن ملاحظة فئات ثلاثة في المجتمع وذلك من وجهة نظر التأثير في السياسة والحكم .
الفئة الأولى وهي الطبقة السياسية المنشغلة بالمسالة السياسية بصورة مباشرة , ومنها الأحزاب السياسية , الصحفيون والكتاب السياسيون والمفكرون , والفئة الثانية , ومنها الأدباء والشعراء والعلماء ورجال الدين وكبار التجار ورجال الأعمال وأصحاب المهن العالية كالمهندسين والأطباء والمدرسين الخ وهؤلاء مهتمون بالسياسة بصورة عامة ولهم تأثيرهم ,خاصة من خلال نقاباتهم وتجمعاتهم المهنية .كما أنهم يغذون الطبقة السياسية , ويشكلون حاضنتها الأولى .
أما الفئة الثالثة فهي عامة الشعب الذين يغلب عليهم الانصراف لهمومهم المعيشية, وأعباء الحياة , وهم يتلقون أفكارهم السياسية من الفئتين السابقتين , ويعيدون انتاج تلك الأفكار وفقا للمؤثرات الأخرى مثل مصالحهم الاقتصادية , وثقافتهم الشعبية, والمعتقدات الدينية .
تستند الفكرة الديمقراطية في تجذرها واستقرارها ومقاومتها لمحاولات الانتكاس عنها نحو الديكتاتورية الى عمق الوعي بها لدى مختلف الفئات الاجتماعية من جهة , والى اتساع القاعدة الاجتماعية التي تحتضن تلك الفكرة من جهة أخرى .
في سورية الخارجة من عهد الانتداب الفرنسي , تبنت الطبقة السياسية السورية السائدة الفكرة الديمقراطية متأثرة بالثقافة الغربية خاصة الفرنسية , وبالتالي فما كان مطروحا للتطبيق كنموذج للدولة , هو النموذج الفرنسي ذاته بعد تعريبه باضافة بعض النكهات ذات الخصوصية العربية والاسلامية ( مثال قانون الأحوال الشخصية ) , وكان ذلك واضحا في مسألتين : الأولى : اختيار الجمهورية كشكل للدولة على نمط الجمهورية الفرنسية , والثانية اعتماد الديمقراطية البرلمانية وحرية الصحافة وتشكيل الأحزاب كما هو الحال في الجمهورية الفرنسية وكما كان عليه الحال في سورية في عهد الانتداب الفرنسي . والأهم : هو الفصل الواقعي للدين عن الدولة ( علمانية واقعية بدون ضجيج ايديولوجي ) وهذه بالتأكيد مقتبسة أيضا من الثقافة السياسية الفرنسية .
ما حدث بعد ذلك أن الطبقة الاجتماعية الحاملة للفكرة الديمقراطية قد ضعف مركزها في المجتمع وهي الطبقة الأرستقراطية – الاقطاعية , وكان يمثلها شخصيات مثل : شكري القوتلي , ومحسن البرازي , وهاشم الأتاسي ….وحدث ذلك لأسباب متعددة منها ازدياد دور الجيش والمؤسسة العسكرية التي لم تكن تدين تماما بالولاء لنفس الطبقة , في حين ازداد باطراد الدور السياسي للطبقة الوسطى الآخذة في الصعود .( الأحزاب الاشتراكية والقومية ).
الطبقة الوسطى والديمقراطية :
دخلت الطبقة الوسطى معترك العمل السياسي بفعالية في سورية بدءا من الخمسينات , واعتمدت على حاملين رئيسيين في صعودها , المؤسسة العسكرية التي أصبحت تميل لتلك الطبقة وتمثل مصالحها وتطلعاتها , والنخب المثقفة المنحدرة من الطبقة الوسطى التي بدأت تطمح لدور أكبر في صنع القرار السياسي على حساب الطبقة الأرستقراطية التقليدية , كما استفادت الطبقة الوسطى من دعم الطبقات الفقيرة خاصة الفلاحين باعتبارها الأقرب لتلك الفئات ولكونها تمثل النزعة الثورية في مجتمع محافظ .
لم تكن الطبقة الوسطى أمينة لفكرة الديمقراطية كما كان عليه الحال بالنسبة للطبقة الأرستقراطية التي سبقتها , كما أنها لم ترفض تلك الفكرة منذ بداية صعودها السياسي , وكان ذلك منطقيا تماما , فهي تدين للديمقراطية بالفضل لفتح الطريق أمامها للصعود , لكن المؤسسة العسكرية التي كانت حاملا رئيسيا للطبقة الوسطى لم تعجبها في اي وقت الفكرة الديمقراطية . كما ان الفكرة الاشتراكية التي توهجت لدى نخب الطبقة الوسطى كانت محملة برياح التجربة الثورية الروسية التي استبدلت الديمقراطية بديكتاتورية البروليتاريا وحكم الحزب الواحد القائد للدولة والمجتمع .
هكذا وبعد تردد , تم تهميش الفكرة الديمقراطية, ولم تتمكن بقايا الثقافة الديمقراطية الموروثة عن المرحلة التاريخية السابقة , وعن الثقافة الغربية , من الصمود أمام المد العاتي للأفكارالثورية والاشتراكية والقومية. ومنذ منتصف الستينات وحتى انطلاق الحركة الشعبية في عام 2011 , لم تعد الديمقراطية تمثل شيئا ذا دلالة في واقع الحياة السياسية السورية , لكن الاستثناء تمثل في استيقاظ الوعي بأهمية الديمقراطية لدى بعض النخب السياسية ضمن الأحزاب التقليدية كالحزب الشيوعي السوري ( مجموعة المكتب السياسي ) , في ظاهرة انشقاقية مالبثت ان ابتعدت عن أصولها الشيوعية التقليدية وتمردت عليها .
منذ نهاية السبعينات كان تيار الاسلام السياسي يشق طريقه صاعدا على حساب التيارات الأخرى , وبسبب ديكتاتورية النظام البعثي , ازداد توجه ذلك التيار نحو العنف , ونحو أكثر الأفكار محافظة وتشددا .
في تلك المرحلة بدأت الطبقة الوسطى بالتمزق , اقتصاديا بصعود أجنحة منها لتكون طبقة رجال أعمال بثروات غير مسبوقة وبشراكة تامة مع النظام السياسي , ومثل تلك الأجنحة كانت على درجة كبيرة من الامتهان الفكري والسياسي بحيث يصعب رؤية أي دور سياسي مستقل لها وأقل من ذلك على صعيد الثقافة والفكر .
كما خرجت منها أجنحة التحقت بتيار الاسلام السياسي وأصبحت حاضنة له متنكرة لكل الأفكار السابقة القومية والاشتراكية وبالطبع للفكرة الديمقراطية أيضا .
كل ذلك كان يتم بمرحلة تميزت بمحاربة أي نشاط فكري أو سياسي خارج نطاق السلطة السياسية التي ابتلعت الدولة وحاصرت المجتمع واستماتت في احراق اي فعالية سياسية له .
بصعود تيار الاسلام السياسي أصبحت مسألة الديمقراطية مطروحة من زاوية مختلفة , فلم تعد المسألة مسألة استبدال الفكرة الديمقراطية بالفكرة الثورية أو الاشتراكية أو القومية بل أصبحت استبدال الفكرة الديمقراطية بما تم التعبير عنه بتطبيق الشريعة أو الدولة الاسلامية أو الحاكمية .
هكذا فان تهميش الديمقراطية لم يأت هذه المرة من أفكار ( خارجية ) لكنه أتى من ( الداخل ) من الفكر الاسلامي في صيغته التي انتهى اليها في مطلع القرن الحادي والعشرين ولسوء الحظ أن تلك الصيغة كانت الأكثر تشددا والأقل عقلانية خلال مئات السنين , كي لانقول انها في الحقيقة الأبعد عن روح الاسلام .
مرة أخرى تنبعث روح الحياة للفكرة الديمقراطية في جوهرها البسيط , في مطلع عام 2011 حين خرج الملايين في سورية في حركة شعبية لم يسبق لها مثيل في سلميتها وتوافقها مع روح العصر وفي تحديد مطالبها بالحرية والكرامة , وظهر وكأن تلك الحركة بفضل الاجماع الشعبي حولها قادمة لتكنس ليس فقط كل بناء الديكتاتورية والاستبداد ولكن أيضا كل الأفكار المتحجرة التي غذت استمرار الاستبداد وأعطته وظيفة الحارس للتقدم في وجه الأفكار المغرقة في التخلف .
ما أزعمه اليوم أن تلك الحركة لم تمت ولكن تم تجميدها واجهاض انتصارها , وهي مثل كل ثورة عظمى في التاريخ , ستنتصر في النهاية بأفكارها وتوجهها ان لم تنتصر بقوتها . فالمسيحية لم تنتصر بقوتها في البداية بل تمت هزيمتها , وعانى معتنقوهاالأمرين في المحافظة على عقيدتهم , لكنها في النهاية انتصرت بأ فكارها لفترة تاريخية طويلة .
الديمقراطية والثقافة الديمقراطية :
لم تلق الديمقراطية عناية الفكر العربي الاسلامي , فكما نظر اليها تيار الاسلام السياسي باعتبارها هرطقة , كذلك فقد تعامل معها التيار القومي واالتيار الاشتراكي على حد سواء كفكرة منافسة, خارجية, وفي أحسن الأحوال ثانوية ولم يسع لادخالها في صلب بنائه الداخلي.
اليوم أكثر من أي وقت مضى , ثمة تحد ماثل للفكر العربي – الاسلامي , فاما أن يستوعب أهمية ومركزية القضية الديمقراطية , والتي لم تعد منذ زمن طويل محل نقاش في مختلف أنحاء العالم , أو أنه سينفصل عن العصر ليدخل في درك أسفل مما كان عليه في أي وقت منذ بداية القرن العشرين .
لايحتاج الأمر فقط للفكر الديمقراطي ليشق طريقه وسط مختلف الفئات الاجتماعية ولكن المسألة تمتد لتشمل بناء المؤسسات الديمقراطية الكفيلة بجعل المسألة الديمقراطية حية في المجتمع والسياسة على حد سواء .
ليست الهياكل الاجتماعية المتخلفة مكانا لائقا للفكر والممارسة الديمقراطيين , بل مكانهما الهياكل الاجتماعية الأكثر انتماء للعصر كالنقابات المهنية , والأحزاب السياسية , والجامعات والمعاهد , والبرلمان , وجمعيات العمل التطوعي .
توسيع قاعدة الثقافة الديمقراطية , وبناء هياكلها الاجتماعية , هو الضمانة الحقيقية لاستقرار الديمقراطية والمحافظة على الحريات العامة وحقوق الانسان .
المطالبة بالاقتصار على دولة القانون والمواطنة دون الديمقراطية تعني وضع تلك الدولة تحت رحمة السياسة اليومية , ومراكز القوى , والثقافة الاجتماعية التقليدية , وبالتالي تركها بدون حارس عرضة للنهب من قبل أي قوة اجتماعية تتيح لها الظروف التسلق والانقضاض .
لقد تم اغتيال الديمقراطية السورية الناشئة حين انقضت عليها المؤسسة العسكرية , وكان غطاؤها الفكري هو الفكر الاشتراكي والفكر القومي , لكن ذلك لم يحصل سوى لضعف الثقافة الديمقراطية وبقائها قشرة على سطح المجتمع والحياة السياسية .
اقرأ:
معقل زهور عدي: جذور الوحشية
Tags: محرر