Archived: حسن برو: مشاعر سورية في رأس السنة الميلادية

حسن برو : كلنا شركاء

زيارة المقابر لم تكن سوى لمناسبات  أو لأيام الجمعة والأعياد لنتذكر الأحبة والأعزاء ، وزيارة السجون لم تكن تكلف الكثير ، إلا لبعض من نذروا أنفسهم للحرية وحملوا هم الشعب ، والتنقل لم يكن سوى  روتين نلجأ   إليه كالسوريين حباً في تغيير الأجواء والأمكنة ، ولم يكن أحدنا يضطر إلى  الانتقال للخارج إلا لضرورة القصوى  ،و لم يكن غالبية السوريين يحتاجون إلى جوازات سفر أو اذوناتها  ،رغم وجود دكتاتور قابع على صدورنا منذ الولادة أي “من  وصل بنا العمر إلى أكثر من منتصفه ”  بحسب تقدير الخبراء وقتها بأن المتوسط العمري للسوريين هو/ 70 /عام ، أما الآن ربما لن يتجاوز أعمارنا سوى الأربعين ،  الفكرة بأنني اليوم أجد بأن زيارة المقابر أصبحت  من الأمور العادية يزورها السوريين كل يوم بسبب القتل اليومي والمجازر الذي يرتكبه  النظام بالدرجة الأولى بعد أن عجزت طائراته من حصد الأرواح و باتت الطائرات الروسية تشغل عدادات الموت لحصدها ، وأصبحت سماء سورية والتي كانت مزينة بالعصافير والحمائم تفتقد الزينة  الطبيعية الآن ،  لينسى أطفالنا مناظر الطبيعة ” بغيومها وعصافيرها وحمائهما ”   لتحل بدلاً عنها   سحب من الدخان وأصوات براميل الموت والصواريخ  وأصوات الرصاص  وهدير الطائرات .

ويغيم على أحلام أطفالنا طيور الظلام وإرهاب الغربان السوداء  لا قيمة لدين أومبادئ أو أخلاق  لديهم  رسمتها الانسانية على مر العصور ….

ربما الكلمات لا تسطيع التعبير عن الحالة السورية ، ولا الرسوم ،ولا الصور ولا الأشعار  ربما كانت ” الأم”   وأعني الأم السورية  فقط  تستطيع أن تكتب  رسالة بدموعها للعالم ..إذا كان يسمع  أو يرى أو  يحس بها  كأم سورية   .

في إحدى المناسبات التي حضرتها لوفاة شهيد  لم يكن الأب  سوى كتلة من الحجر  لا يتحرك  ليسند إليه أحدهم ظهره أو يتكأ بيديه  ، كان بارداً كالحجر صامتاً  صلداً لا يتحرك  لايغير من المكان و لايشغله  إلا الحيز الموجود فيه، أما الأم فكانت كلماتها تطلق الرصاصات على المشاعر وعلى القلوب وتعتصرها لنتألم  وتُخرج الدموع من أعيننا جبراً حتى ذاك الحجر المسمى بالوالد يتحرك  ينقسم وينتفض …..الأم كانت تشتم رائحة دم الأبن تشتم رائحة الطفولة حينما كانت تبدل له ثيابه ، كانت تعتصر أجسادنا واحداً تلو الأخر ، لم يكن بإمكان أحد منا بناء المتاريس أو حواجز أمنية حول نفسه ، أو يقتل تلك المشاعر لتغزونا  ” تلك الأم ” بأمواج عاتية تقتل فينا حس الرجولة التي كنّا نتصنعها   ، الأم كانت تبكينا قبل تبكي أبنها  تبكي الشعب السوري  في المجازر والمقابر والبحار ….. كانت صوت بكائها يشتد كلما أزداد عدد الامهات حولها  ،  لتكلم كل منهنّ مأساتها وبطريقتها   سورية .وتعبر الدموع  عن مأساة كل أم سورية

هذه الكلمات  ربما تكون جزء من إحساس أي سوري  يعيش على وجه الأرض الآن ، ولكن  لايمكن  لأي مكان أن يعطي  ذاك الشعور سوى وأنت تشغل مكاناً ما في الأرض السورية ،  سواء أكانت  هذه الأرض واقعة تحت سيطرة النظام أو المعارضة  فالتراب  يعطي  شعوراً أخر  ، يحسسك بالانتماء  ويحسسك بالعذوبة ، ويعطي رائحة  للمكان فالتراب المجبول بدم الشهيد له رائحة خاصة ،و دماء  الخائن المهدورة على التراب   له رائحة مختلفة وان  جبلت بمياه المطر فأنها تختلف عن سقايتها بالري الطبيعي …..هذه تراب سورية اليوم حفظت الكثير من الذكريات واستوعبت الكثير من المآسي ،وودعت اجساداً ولدوا في رحمها واستقبلت أرواحاً كانت تحلق فوقها  ، هذه سوريا التي عانت وأتمنى أن تجد الحلول  لها في عام 2016  بعد أن يقتنع السوري بأن ليس للسوري   إلا السوري وأن أختلف في قوميته ودينه  ولكنه أكل من خيرات هذه الأرض  الطيبة .





Tags: محرر