Archived: عبدالرحمن مطر: الضربات الدولية عشوائية تستهدف المدنيين.. الرقة بين داعش والتكريد

عبدالرحمن مطر: كلنا شركاء

تبدو الصورة أكثر قتامة، بالنسبة لمشهد الرقة، في المستقبل القريب، مع تصاعد وتيرة الحمّى الدولية، بتوجيه ضربات عسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، سواء أكان انتقاماً من داعش (فرنسا)، أو خدمة لأهداف متعددة كما في الحالة الروسية، غير أنها تشترك جميعها، في كونها – حقيقة – توجه ضربات لاتنال سوى من السكان المدنيين، وتدمير ماتبقى من بنى تحتية في المدينة، تتصل بحياة الناس ومعاشهم، أكثر مما تعني تجريد داعش من مقومات استمرارها.

الوضع مرشح لمزيد من الدمار، خاصة بعد تسهيل خروج الآلاف من الدواعش في ريف دمشق، برعاية روسيا والنظام والأمم المتحدة الى الرقة. والواقع، ان معظم الضربات الجوية منذ بدء عمليات التحالف الدولي في سبتمبر2014 حتى اليوم، لم تمنع تنظيم داعش من التمدد داخل الأراضي السورية، والقيام بعمليات إرهابية في مناطق شتى: باريس مثالاً أخيراً.

ومع انضمام قوى جديدة في كل مرة – لندن آخرها – يتكرر الأسلوب ذاته، الذي يتمحور على توجيه ضربات جوية، منفردة لهذه الدولة او تلك، دونما استراتيجية موحدة في التعامل مع عدو مشترك مستهدف، كما يفترض. ما كشفته الغارديان عن مصادر عسكرية بريطانية، بأن ليس ثمة اهداف واضحة، يكشف جزءاً من حقيقة المشهد، الذي يذهب المدنيين فيه ضحية مباشرة لإلقاء حمولة الطائرات من حمم الموت.

بلغ الدمار حداً كبيراً في استهداف المناطق السكنية، والبنى التحتية، بصورة تدريجية منظمة، من قبل القوات الجوية الروسية، التي تبدو رسالتها واضحة تماماً. والهدف هو تحجيم انتشار داعش، يقابله تمددٌ لما بات يعرف ب ” قوات سوريا الديمقراطية ” في محاولة لقلب المعادلات على الأرض لصالح منظومة ( الأسد – موسكو وإيران )، في خضم السعي الدولي لفرض تسوية سياسية، ترى موسكو في أنها باتت على المحك قريباً، وعليها إنجاز تقدم يجعل من موقفها التفاوضي مفتاحياً في أية مباحثات أو تسويات لاحقة.

من هنا نجد ان العمليات الروسية، تستبيح كل شئ في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة. أما الرقة، فإنها تعمل على تحويلها إلى سجادة محروقة، حيث تتقدم من أطراف المدينة، باتجاه المركز، تقوم خلالها بعملية تمشيط تدميري لبعض المناطق والأحياء، تقود الى كشف المدينة، عسكرياً و أمنياً، وإجبار المدنيين على النزوح منها، وهم في الحقيقة المتضررون الأساسيون، فيما تنظيم داعش يواصل إحكام قبضته على المدينة وعلى سكانها، بقوة الترهيب، وعبر ممارساته الدموية التي يتم العمل بها ميدانياً، دون الرجوع الى اي مشرّع أو مصدر، ويمعن في عزل الرقة عن العالم، بصورة متعمدة.

وعلى الرغم من التناقضات بين موسكو وباريس، إلا أن الضربات الانتقامية الفرنسية، سجلت عشوائيتها، دون التحقق من مدى فعالية أهدافها ضد داعش. واستمرت على المنوال الروسي – الأسدي، في جعل المدنيين وقوداً لنيرانها، تذهب بنا للإعتقاد بوجود مصالح وأهداف أخرى للدور العسكري الفرنسي، مثال دعم القوى الكوردية للانتشار في المنطقة الشمالية التي تعمها الفوضى. وباريس، لطالما ساندت نضال الأكراد، وتدعم أحلامهم، ولم تتأخر عن التشاور المستمر مع قياداتهم، في فرنسا، أو في الجزيرة السورية: القامشلي مثالاً.

الرقة، المدينة التي لم يشهد التاريخ أن جيشاً غازياً انطلق منها، أو أن تياراً متطرفاً أنتجته، تتآلب عليها القوى الدولية، وتمعن فيها قتلاً وخراباً. وهذا دليل على أمرين لا ثالث لهما، أولاهما أن القوى الدولية مفلسة تماماً، حيال مواجهة تنظيم متطرف هش في حقيقته، كان لهم دور في صناعته. وأن الرقة التي كانت منبت المدنية والحضارة منذ الألف الثالث قبل الميلاد، قادرة على لفظ الدخلاء، ومزق ستار الظلمة، ولو بعد حين.

غير أن ما تعيشه منطقة تل أبيض من تهديدات، يحيلنا إلى تداخل الوراق السورية وبعثرتها، من قبل القوى الدولية، التي تحاول اكتساب طرف على حساب آخر. وإن كنا ندرك تماما حقيقة الدور الذي تبتغيه روسيا  من دعم  مايسمى بقوات سوريا الديمقراطية، وهو يتمثل في استعادة السيطرة على المناطق التي فقدها نظام الأسد، فإنه من غير المفهوم لماذا تدعم واشنطن طرفاً، لم يعد يواجه داعش منذ أن بدا يفرض سلطة الأمر الواقع في تل ابيض، ويتخذ إجراءات إدارية، تقسم المدينة الى ملحقيات لمناطق إدارية اصغر منها، سوى انها ذات غالبية كردية.

ليس الهدف من تلك الإجراءات سوى تسهيل قضم المنطقة، وإحداث تغييرات قسرية. ونشهد اليوم تصاعد حدّة المواقف في تل أبيض، خاصة بين عشائر الرقة وقوات حماية الشعب على ضوء البيانات المضادة، وهذا ما يظهر أن زمن التعاون الذي بدأ مع تحرير كوباني من داعش، بدور حاسم وأساسي للواء ثوار الرقة، هو زمن قد ولى. مجلس الأعيان.. والمجلس المحلي، والاتفاقات التي تم التعهد فيها بإعادة المهجرين، والتوقف عن المداهمات والاعتقالات، وإعادة الأملاك والممتلكات إلى أصحابها، تصطدم بالنوايا التي تهتدي بها قوات صالح مسلم.

والواقع، فإن حل النزاعات القائمة عبر اجراء مصالحات آنية، لن يقود الى حل دائم، قوامه وقف الاستفزازات واعادة الحقوق الى اصحابها. وبغير ذلك فثمة مخاطر جادة، قد تقود لاحقاً إلى مواجهات مسلحة، لا تبقى ولا تذر وليست من صالح أحد، سوى النظام والقوى الظلامية.

التطورت الأخيرة في تل أبيض ، تستلزم العمل الجاد، التضامن في مواجهة القوة المسلحة ، ليس كافيا. بات معروفاً أن قوات سوريا الديمقراطية وما يندرج تحتها من قوى ومسميات، تستغل الحرب على داعش وتشن حملتها على أبناء الرقة. لزاما علينا دعم موقف عشائر المنطقة ولواء ثوار الرقة، والعمل على تمكينه من الاستمرار في موقفه الراهن ، بحيث لا يبقى وحيدا اعزل ..بلا دعم ، فيسهل تفتيته. يجب التنبه لما يحاك ضد المنطقة، والطريق لتحرير الرقة من داعش، يبدأ من هناك: تل أبيض..رأس الحربة والراية.

اقرأ:

عبد الرحمن مطر: الحالة السورية بين  دفتي الحزم و العزم





Tags: محرر