on
Archived: د. محمد عادل شوك: قراءة في تعاطي الحواضن الشعبية، مع مخرجات مؤتمر الرياض
د. محمد عادل شوك: كلنا شركاء
كعادة المتحاورين، خرجت الأطراف المدعوة إلى مؤتمر الرياض الموسع للمعارضة السورية، من جلساته و هي تتقاسم لغة مشتركة، الكل يشكو أنه لم يُستجب إلى ورقته كاملة، و أنّ له ملاحظات على البيان الختامي لم تُضمَّن في نصه.
الأمر الذي أثار لغطًا لدى الحواضن الشعبية، فأخذت وسائل التواصل الاجتماعي تغص بالتعليقات حول صواب المشاركة في المؤتمر، من خطئها أولاً، ثم من جدوى هذه المشاركة إذا لم يصبو كل طرف إلى ما يريد، ولاسيّما عند الفصائل الإسلامية، و تحديدًا حركة أحرار الشام، التي كانت مشاركتها مثار جدل كبير لدى أنصارها من قبلُ، و من بعدُ.
و قد كانت محاور الخلاف متمثلة بجملة من المنطلقات الأيديولوجية التي تتبناها، كمدنية الدولة، و هويتها، و الديمقراطية، و الشورى، و تحكيم الشريعة، فضلاً على تفضيل الحلّ العسكري، و تغليبه على الحلول الأخرى.
و قد وصل الأمر إلى حدّ الافتراق بين قواعدها، حيث صدر بيان منسوب إلى القيادة يبرر الانسحاب كليّة من المؤتمر، قيل أنّ وراءه مجموعة من أعضاء مجلس الشورى الرافضين حضور المؤتمر ابتداءً، في مقابل من يدعو إلى تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة؛ أخذًا بسياسة الأمر الواقع التي تتطلّب من الأطراف جميعها تقديم تنازلات بينية، مراعاة للوضع اليومي الذي أخذ يضغط و بشدة على حواضن الثورة، فلا ضير في تأجيل البحث في العناوين الكبرى لمرحلة ما بعد وقف الأعمال العسكرية، و الشروع في العملية السياسية.
و مردّ ذلك ـ كما يرى عدد من المراقبين ـ إلى جملة من العوامل، منها:
1ـ هشاشة البناء الفكري لدى شريحة كبيرة من المنضوين تحت عباءتها، و لاسيّما من العسكريين الذين يسهل عليهم تحويل البندقية من كتف إلى أخرى، و هو أمرٌ ابتليت به الفصائل كلّها.
2ـ حالة التجاذب الواضحة بين تيار يتبناه أميرها أبو يحيى ( م. مهند المصري )، و معه مسؤول مكتب علاقاتها الخارجية ( لبيب النحاس )، و قيادات أخرى ترغب في النأي بالحركة عن سمة التشدّد، و الأخذ بالواقعية السياسية، انطلاقًا من كونها ( ثورة شعب )، عوضًا عن ( مشروع أُمَّة )، و تيار آخر يصطف خلف مسؤولها الشرعي المُعفَى ( الشيخ أبو الصادق الحموي )، الذي يطغى على رؤاه الجانبُ الفكري المتحفظ، لا السياسيُّ المنفتح.
3ـ حداثة التجربة لديهم، و قلة الخبرات المتراكمة عندهم من العمل السياسي، أو التنظيمي، أو النقابي قبل سنة ( 2011م ).
على أنّ هناك حواضن شعبية لأطراف أخرى، تمت بصلة إلى السلفية الجهادية كجيش الإسلام، أو إلى الإخوان كفيلق الشام، وجيش المجاهدين، و الجبهة الشامية، أو إلى فصائل الجيش الحر بثقلها الواضح في الجبهة الجنوبية، و بنسب أقل في الجبهات الأخرى، و حتى المجلس الإسلامي الذي له قبول كمرجعية لعدد من الفصائل المنضوية تحت عباءة الجيش الحر، و حتى عند فصائل أخرى إسلامية كجيش الإسلام، و هو أمرٌ لم تحذُه أحرار الشام.
اتسمت ردود أفعالها بالهدوء النسبي، حيث كانت متساوقة مع الطروحات السياسية لمرجعياتها قبل أن تذهب إلى المؤتمر، و حين انعقاد جلساته، فلم تكن التباينات بينهم كبيرة، فكلها كانت تصبّ في اتجاه السعي لوقف الأعمال العسكرية ابتداءً، ثم الشروع في العملية السياسية، و تأجيل البت في العناوين الأخرى إلى مرحلة لاحقة.
الأمر الذي دلّ بوضوح على تباين في النضج السياسي، و التنظيمي المتراكم لدى هذه المرجعيات، فالأطراف الليبرالية ذات المرجعية الوطنية لها حظّ وافر من الخبرة، و الإخوان أغنتهم تجربة الثمانينات، و جعلتهم معروفين ببراغماتيتهم، و حتى المجلس الإسلامي أحاط نفسه بمجموعة من الأكاديميين، و الخبراء الذين يمدونه بمقترحات لما يستجد من الأحداث ذات الصلة بالثورة.
في عموم الأمر لقد كانت تجربة مؤتمر الرياض حالة لم يُسبق إليها، إذْ هي المرة الأولى التي تلتقي فيها المكونات ذات البعد المحلي، للثورة السورية على اختلاف توجهاتها، في محاولة لتجسير الهوة بينها، بعد طول فترة انتظار.
اقرأ:
د. محمد عادل شوك: الثورةُ السورية، و إجراءاتُ بناء الثقة بين مكوِّناتها
Tags: محرر