on
Archived: د. محمد عادل شوك: الثورةُ السورية، و إجراءاتُ بناء الثقة بين مكوِّناتها
د. محمد عادل شوك: كلنا شركاء
يذكر الباحثون في عالم الأزمات أحد الاحتمالات الآتية:
1ـ أن يكون المرء متهيّأً لها بشكل تام، من خلال معرفته بعوامل حدوثها، و توقع زمانها، و في هذه الحالة تكون الأزمة تحت السيطرة الممكنة نسبيًا، و تكون احتمالات النجاح في احتوائها ذات حظوظ جيدة.
2ـ أن يكون في وضع أقلّ استعدادًا من الحالة الأولى، فقراءته للواقع تفتقر إلى المزيد من التعمّق في أسباب حدوثها و عواملها؛ ما يجعله غير متوقع حدوثها، أو مستعدٍ لموجهة تداعياتها بشكل مرضٍ تمامًا، الأمر الذي يجعله مرتبكًا إلى حدًّ ما، فينحني أمامها، و سرعان ما يعود ممسكًا بزمامها.
3ـ أن يكون غير متوقع لها تمامًا، و معرضًا عن التنبؤ بوقت حدوثها، لا بل مكابرًا عن السماع إلى نُذُرها، و أماراتها؛ فتأتي كالإعصار و تلفّ الجميع برياحها الهوجاء، و تجعلهم يلهثون وراءها، مفتقرين إلى الحلول الناجعة، فكلما أوجدوا حلاً لمشكلة منها، فاجأتهم بأخت لها أشدّ و أنكى، فيبدون في ذلك كالمرأة الخرقاء التي تنقض غزلها كلما أحكمت نسجه.
هذه هي حال السوريين تجاه ما ألمّ بهم في شهر آذار: 2011م. حيث جاءت الثورة غير متوقعة لهم جميعهم؛ و بهذا كان الكلّ ( النظام، و الثوار الطفوليون، و المعارضات التقليدية ) في مركب، و الثورة في مركب آخر يسبقهم أشواطًا بعيدة، مع فارق في الترتيب: الثورة+ الثوار الطفوليون+ المعارضات التقليدية+ النظام.
فالنظام كان قد أصمّ آذانه ـ كما يقول المطلعون ـ عن الهمهمات التي كانت تسري في الجسد السوري، كما تؤكد تقارير عدة رفعت إلى رئاسة النظام، من غير أن يلقي لها بالاً.
و لذلك عندما هاجت رياح الثورة وقف حائرًا لا يحسن التصرف، فلم يُقدِم على فعل أيّ أمر يهدئ الخواطر، و يمتص الغضبة، و لو كان من باب ذرّ الرماد في العيون، كالأخذ على يد عاطف نجيب الذي كان له الفضل ( تجاوزًا ) في تحريك الجمر المتّقد تحت رماد ظلم السنين.
و حتى المعارضات التقليدية التي لها قابلية التنبؤ بالأحداث السياسية كانت متفاجئة بها، و هو ما جعلها متأخرة عدة خطوات عن الهبة الشعبية العفوية.
لذلك لا عجب أن ترى كبرى هذه المعارضات تتوخى الحذر في الانخراط بسيل المظاهرات السلمية في أيام الجمع، و تنأى بأبنائها عن المساجد التي تخرج منها، حتى لا يعيدوا إلى الذاكرة ما كان من بطش النظام لهم أيام الثمانينات.
انعكس هذا الأمر على هذه الأطراف كلّها، فكلهم أصبح يحث الخطى وراءها لإيجاد حلول ترقيعية لما تفاجأهم به من أحداث لا عهدَ لهم بها من قبل، سواء أكانت سياسية، أو حياتية يومية.
و تجردًا من العواطف نقول: لقد أثقلت هذه الأزمة أكثر ما أثقلت كواهل الثوار الطفوليين، الذين خرجوا غير أبهين بالمخاطر التي ستنجم عن تحركاتهم العفوية، و أمّا أولئك المتحزبون فنأوا بأنفسهم و بكوادرهم عنها مدة لا بأس بها، تكاد أن تتجاوز السنتين الأوليين.
و نظرًا لضعف التجربة، إن لم نقل لانعدامها رأينا هؤلاء الثوار في وضع يغلب عليه البراءة الطفولية، فشعاراتهم طفولية، و مطالبهم طفولية، و حلولهم للمشاكل المستجدة أكثر طفولية.
و هذا ما أوجد بينهم و بين المعارضات التقليدية فجوة صعب تجسيرها، على الرغم من مد اليد إليهم تحت ضغط الحاجة.
و لمّا رأت تلك المعارضات أن تلامس الواقع، لامسته بشيء من الحذر الشديد، خشية أن تحرق أصابعها في طبخة لا تطمئن لمكوناتها، و لا تعرف أوان نضجها، و لا الأطراف التي ستدعى إلى تذوقها.
و لذلك نشأت حالة من انعدام الثقة بين مكونات الثورة عمومًا، و أصبحنا نسمع أمثال هذه التوصيفات ( معارضة الفنادق، و ثوار الخنادق )، و ( ثوار التلال، و روّاد المؤتمرات )، إن لم نقل غير ذلك.
و عليه لم تستطع العديد من اللقاءات التي جمعتهم ( في الخارج ) أن تُذيب جبال الجليد التي حالت بينهم، و تعيد بناء جسور الثقة بينم، و لذلك لا غرابة أن نسمع ردود أفعال تُعدّ امتدادًا لما سبق عن مخرجات مؤتمر الرياض، و عن المشاركين فيه، وعلى وجه الخصوص من شريحة من مبايعي أحرار الشام، الذين سادهم شيء من الاضطراب عقب التسريبات عن توقيع مسؤول مكتب العلاقات الخارجية ( لبيب النحاس )، من عدمه على البيان الختامي، و انسحابه من أعمال المؤتمر.
لذلك يرى المراقبون أنّ في حضور أحرار الشام هكذا مؤتمر خطوة في إجراءات بناء الثقة مع مكونات الثورة الأخرى، و خطوة تحسب لهم، ففيه لامست يدهم أيادٍ كانت تتردّد كثيرًا في ملاقاتها، و فوَّتت على المتصيِّدين في الماء العكر فرصة تصنيفهم في الحركات الإرهابية، و جعلت دول الحلف الثلاثي ( السعودية، قطر، تركيا ) في موقف أقوى في الذبّ عنهم.
Tags: محرر