10 حزيران 2000 ذاكرة طفل مابين مشهد عام موشح بالسواد وأحاديث جانبية تنتهي بالفرح

أحمد الحريري: كلنا شركاء

حقا مات حافظ الأسد !؟ كان هذا السؤال الأكثر تكرارا يوم 10 حزيران/يونيو عام 2000 لدى السوريين ، فبعد ثلاثين عام من تأليه الأسد من قبل أجهزته الأمنية كان لا بد من لحظة يعلن فيها عن موت (هبل) القرن العشرين .

ما قبل تاريخ 10 حزيران/يونيو 2000  كان يقال لنا عندما نسأل عن الصورة ، لمن هذه الصورة، بأن هذه صورة (بابا حافظ) ، لكن عصر ذلك اليوم و للمرة الأولى بدأنا نسمع كلام مختلف عن الأسد ، لا يمكن أن أنسى حوارات اللحظة الأولى عقب سماع الخبر عن موت الأسد .

حيث أن الحوار الأول دار مابين (أبو عبدالله الإدلبي) وهو مزارع من (جبل الزاوية) في إدلب اعتاد أن يأتي لحوران مع بدء الموسم الصيفي للتجارة بـ (البطيخ) ، ومابين أبي ، أكثر ما كان يلفت انتباهي كلمة الرجل عقب سماعة الخبر وهي (الله يحرق نفسو حرقنا وهو طيب و حرقنا وهو ميت) .

وبعد لحظات أكتشف سبب قوله (حرقنا وهو ميت) حيث أنه كان في ذلك اليوم قد بدأ بجني محصول (البطيخ) وكان ينتظر أن تكون الأسعار مرتفعة ، كونه يعتمد على بداية الموسم لتعويض النفقات ، ولكن لسوء حظه ، أعلن عن موت الأسد وأقفلت الأسواق ، ليجبر على بيع محصوله بأخس الأثمان وإتلاف قسم منه .

لكن كان السؤال عن سبب قوله (حرقنا وهو طيب) ، لم أكن من قبل قد سمعت شيئا عن أحداث حماة أو إدلب و حلب ، لم أكن أعرف بأن (بابا حافظ) هو العدو الخفي لجميع الأناس المحيطين به ، لكن عاد الفلاح الإدلبي وأثار فضولي من جديد فعلى الرغم من خسارته موسمه ، قام بإعطاء العمال لديه مكافآت مالية ، فرحا بخبر موت الأسد ، لم يكن قادرا على إخفاء فرحه بالخبر على عكس باقي السوريين ، فعلى بعد مئات الأمتار من المزرعة ومن الفرح العارم الذي أصاب أبو عبدالله ، كانت تلك البلدة الصغيرة ، شرق درعا تتشح بالسواد ، فمساجدها بدأت بتنبيه الأهالي أنه يجب عليهم التوجه نحو مقر قيادة (الفرقة الحزبية) لجلب الرايات السوداء .

فرح من نوع آخر بمنزلنا لم أكن أدركه وقتها ، أمي فرحة بخبر سمعته من أبي ، لم أفهم شيء لماذا تفرح بالخبر وهي طوال الوقت وعندما كنت أسألها عن ذاك الرجل الذي أرى صوره في كل مكان تقول لي أنه (بابا حافظ) و لا تسأل أي شيء آخر ، فكيف تفرح لموته ، ولكن لم تمض أسابيع حتى فهمت سبب الفرح الخفي ، هي فرحت لأن موت الأسد يعتبر عفوا عاما عن المساجين وبأنها سترى شقيقها الأكبر قريبا، بعد 11 سنة من السجن ، من (تدمر و صيدنايا) ، بالفعل خرج ، وبالفعل خرج من السجن .

لا يمكن أن أنسى تلك اللوحات المتشابكة ، فجميع الأحاديث الجانبية في تلك اليوم كانت تعكس حالة من الفرح العارم ، على عكس مشهد الحزن والموشح بالسواد والمصنع بعناية ، لم أكن أستطيع تمييز الأشياء في ذلك اليوم ، لم أكن أعي أنك كلما تصنعت الحزن على الأسد المؤسس في ذلك اليوم كلما أبعدت خطر النظام و أجهزنه الأمنية في ذلك اليوم.