Archived: حذام زهور عدي: الشرق الأوسط الروسي …الأحلام البوتينية

حذام زهور عدي: كلنا شركاء

استحضرت اليوم في ذاكرتي مقولة لكاتب روسي من القرن الماضي تنبأ فيها بأن الحرب القادمة ستكون حول منابع النفط في الخليج،وما عدت أذكر اسم الكاتب أو الكتاب. وكانت مناسبة استحضارها ما رأيت وقرأت من الطريقة التي تعامل بها بوتن مع مسألة إسقاط تركيا لطائرة السوخوي، وتسريبات التهديد القاسية الممتلئة عربدة وغطرسة،التي تعمدتها الصحافة البوتينية في وجه السعودية ودول الخليج الأخرى، بالرغم من المعاهدات السخية التي أبرمتها السعودية وبعض دول الخليج معه والتي تكفي وحدها لإنقاذ الاقتصاد الروسي المتعثر.

لا جدال في أن بوتن يحاول أن يصدَرصورة عن نفسه بأنه رجل روسيا القوي الذي لايكتفي بإعادة أمجاد القياصرة أو الدور المحوري لروسيا في منظومة الاتحاد السوفييتي سابقاً وإنما يسعى للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط كاملة وكأنه قرأ الكتاب السابق ورسم استراتيجيات تنفيذه ووجد أن الظروف السيئة التي تمر بها دول الشرق الأوسط تتيح له تنفيذ أحلام القياصرة التي لم تتحقق يوماً في تاريخهم.

في رؤية بوتين أن روسيا لكي تكون دولة عُظمى لاتحتاج فقط لترسانة أسلحة متطورة ، وإنما تحتاج للهيمنة على الشرق الأوسط، ففيه الممرات المائية التي تريد ان تضمنها للوصول إلى المياه الدافئة الهدف الاستراتيجي الأغلى لروسيا، كما تتمنى السيطرة على غاز المنطقة ونفطها ليس لأنها تحتاجهما وإنما للتحكم بسوقها العالمي الذي تنازعها فيه دول الخليج بشكل رئيس وفق تقديرات بوتن،

وهو في رؤيته تلك ينظر إلى دولٍ كالسعودية ودول الخليج الأخرى نظرة استعلاء، ويعتقد أن باستطاعة القوة الروسية – بعد أن لاحظ فتور العلاقة الأمريكية معهم وإشغال إيران واستنزافها لقدراتهم المالية والعسكرية- أكلهم وهضمهم دون عناء يُذكر، وبخاصة بعد إسقاطه للقوة التركية وسيطرته على ممراتها المائية، واحتلاله لسورية الذي يجعله أقرب للخليج من حبل الوريد.

إن القصف المنقطع النظير في وحشيته للمناطق السورية  المحررة من حكم الأسد الصغير، والذي يطبق فيه سياسة الأرض المحروقة، على كل ما فيه حياة ، بشراً واقتصاداً و..و..مستخدماً أسلحة هي أقرب لأسلحة الدمار الشامل، ضارباً عرض الحائط بمنع المجتمع الدولي لها، دون أن يجد رد فعل عربي أو غربي مناسب لغطرسته، هو ما شجعه على المضي بعيداً لتحقيق حلم الشرق الأوسط الروسي وجعله ملحقاً بامبراطورية روسيا العظيمة!!!

يُمسك بوتين جيداً برؤيته تلك ظروف المنطقة المساعدة له في تنفيذ مايريد ويضع التكتيك المناسب للوصول إلى أهدافه الاستراتيجية،ويرى بوضوح :

1- حاجة بشار الأسد في أن يبقى على كرسي الحكم ولو أحرقت سورية بكل ما فيها، ولقد علَق حول هذا هازئاً أمام نتنياهو،

2- الرغبة الملحة لحزب العمال الكردستاني في تكوين كيان مستقل في تركيا وسوريا والذي سيقصم ظهر الدولتين ( وقد هدد بوتن علناً تركيا به).

3- تشرذم قوى المقاومة السورية بعد أن عمل عليه مع النظام السوري طويلاً، وحاجتها لسلاح متطور يمنعها الغرب منه.

4- وجود تنظيم داعش الذي اتفق العالم كله على محاربة إرهابه وقد جعله حجته في احتلاله لسورية وهو اليوم يتهم تركيا ودول الخليج بدعمه.

5- استنزاف إيران للقوة الخليجية وعلى رأسها قوة المملكة السعودية، اقتصادياً وعسكرياً، وتمهيدها لتجزئة المنطقة من خلال تجييشها الطائفي للشيعة المتواجدين تاريخياً في المجتمعات الخليجية مما يُشكل تهديداً للأمن الوطني الخليجي والأمن القومي العربي. ومن هنا كان تحالف المصالح الإيرانية- الروسية والذي ترقبه إيران بعين حذرة لأنها قد تكون ضحيته في مرحلة قادمة.

6- منذ أن تشكلت دول الخليج وهي محتاجة لحماية خارجية، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الضامنة الأولى لتلك الدول، لكنها كما يبدو اليوم خففت من هذه المهمة وسحبت منه قطعاً من أسطولها – كما تقول الأخبار-  مما جعل الطامعين يفتحون أعينهم وأفواههم..

7- سياسة أوباما السلبية، وبخاصة أنه في الأشهر الأخيرة من رئاسته، مما يجعل الولايات المتحدة عاجزة عن اتخاذ القرارات المناسبة لهجوم بوتن على المنطقة لحوالي السنة والنصف …

8- معظم الدول الأوربية تلحق سلبية أوباما، فاقتصادها قريب من التدهور، ولاتستطيع التحرك العسكري بدون قيادة الولايات المتحدة.

استوعب بوتن تلك الظروف ورفع سقف التحدي، واعتمد تكتيك الهجوم الصاعق ( كما حدث في القرم وقبلها في الشيشان وكما يحدث الآن في سورية) وبث الخوف والرعب في قلوب الآخرين بتوظيفه أشد أنواع الأسلحة فتكاً وتجاوزه الخطوط الإنسانية جميعاً التي اتفق العالم عليها بعد الحرب العالمية الثانية.كما تفعل داعش اليوم وكأنهم من مدرسة واحدة هوالمعلم وداعش التلميذ الكسول.

لاشك أن الاستراتيجية البوتينية تلك لن تتحقق بالسهولة التي يتصورها صاحبها، فكثير من الصَادات الموجودة في المنطقة تقف دون تحقيقها و دون تحوَلها إلى واقع، لكنَ من يتابع طريقة تفكير بوتن داخل روسيا وخارجها يلمس فيه بوضوح عقل المقامر المافيوي، ولذا لن يجد احتمال دخوله تلك المغامرة مستبعداً، ولمَ لا؟ إذا كان يحقق الطموح القومي الروسي ويكرسه شخصياً امبراطوراً أبدياً على الشعب الروسي ، وهو وإن لم يستطع تحقيق الانتصار الذي يتمناه فإنه سيُدخل المنطقة في فوضى يختلط الحابل فيها بالنابل قد لاتخرج منها إلا ممزقة شذر مذر..

بالطبع إن مواجهة بوتن ممكنة لكنها تحتاج لسياسة وخطط هي ذاتها التي تلزم دول المنطقة كدول معنية بتجاوز أزماتها وتحقيق التنمية لشعوبها وفرض وجودها العالمي في القرن الواحد والعشرين.أما أعمدة تلك المواجهة فلها مقال آخر.

30/ 11/ 2015/                                                                                           





Tags: محرر